الفصل الثامن عشر لولا الغرام بقلم روز أمين حصري

موقع أيام نيوز

النافذة وباتت تتطلعُ بملامح مستسلمة خاوية،ثم تابعت بصوتٍ ېصرخ ألمًا
طلع زيهم، مفيش أي فرق بينه وبينهم،نفس الجمود والجحود والأنانية. 
شعرت مايا بالخۏف يتسلل إلى أعماقها وهي ترى مدى حزن الفتاة وصرخاتها المټألمة،فقالت وهي تربت على ظهرها بحنانٍ ورفق
اهدي عشان خاطري، جسمك بيرتعش وشفايفك بدأت تزرق، لو فضلتي على الوضع ده أكتر من كده قلبك ممكن يقف .
وتابعت لتهدأتها والتخفيف عنها
أنا هقوم أجهز لك الحمام بنفسي، هحط لك الزيوت والورود اللي بتحبيهم،أكيد الماية الدافية هتهدي لك أعصابك.
لم تجبها، بل ظلت تتطلع ببصرها نحو النافذة، بينما عيناها تصرخان من شدة الألم، وكأنها ترى مشهد نهايتها يُعرض أمامها.
ملأت الأخرى المغطس بالماء الدافئ، وعادت لتسند جسد شقيقة زوجها الذي صار واهنًا ومستسلمًا للضياع، تجردت من ثيابها بآلية، وهبطت في الماء، وما إن استلقت، حتى اڼفجرت دموعها بغزارة من جديد،ظلت تبكي بمرارة كمن لم تبكي من قبل، كانت تبكي بكل جوارحها، وتشهق بمرارة تشق الصدور،كلما انهمرت دموعها لتبحث عن الراحة، كان الۏجع في قلبها يتسع ويزداد ضراوةً، وكأن الماء يذيب قشور الأمل الأخيرة، ليتركها عاړية تمامًا أمام حقيقة أن حكايتها قد انتهت وانتهى الآمر.
_______________
قضى ليلته يتقلب على جمر الحيرة، يكاد عقله يطير من فرط القلق والحزن والڠضب، كان يريد معرفة أخبارها بلهفة ، تشبث بهاتفه وتجرأ للمرة الأولى، وطلب رقمها المرة تلو الأخرى، لكنه في كل مرة يأتيه صوتًا آليًا يخبرهُ أن هذا الهاتف مغلقًا.
تضاعف جنونه، وافترسه هلعًا شل أطرافه، مرّت تلك الليلة ثقيلة كالجبال عليه، وعلى نهلة التي كانت في الجانب الآخر تعيش جسدًا بلا روح، غائبة عن الوعي والحِس، انقضت أيام عدة، سافر خلالها أشرف وسط دموع المودعين، حاول رشيد بكل الطرق الممكنة الوصول إلى نهلة، لكن كل محاولاته بائت بالفشل، في النهاية، استسلم لواقعه المرير،وأدرك أنها تعاقب من أهلها بحپسها في المنزل كما المرةِ السابقة، خاصة بعدما انقطعت عن الحضور في الجامعة.
جاء يوم الخميس، اليوم المنتظر الذي سيخطو فيه العريس لأول مرة إلى منزلهم، حضر هو وعائلته محملين بالهدايا الثمينة، والورود النادرة، وأفخر أنواع الشوكولاتة.
في غرفتها، كانت تجلس أمام مرآتها كتمثال، ترتدي فستانها الرقيق بلون الروز، وبجوارها مايا، وخلفها خبيرة التجميل التي استدعتها راندا خصيصًا لتعتني بها وتجعلها تظهر في أبهى صورة.
دلفَت راندا إلى الغرفة، ورمقت ابنتها الجالسة على المقعد بنظرات فاحصة، وضعت خبيرة التجميل اللمسة الأخيرة على تنسيق شعر الفتاة، ثم تراجعت خطوة للوراء، نظرت راندا إليها بإعجاب وتفاخر لم تستطع إخفاءه، فقد كانت بارعة الجمال رغم الحزن العميق الذي يكسو ملامحها، بل إن حزنها منحها جمالاً طاغيًا في ذلك اليوم،زينة الوجه الهادئة، الثوب الرقيق، والشعر المنسق بعناية، كل شيء كان مثاليًا اكثر من المعتاد، ابتسمت راندا بتفاخر، ثم التفتت إلى مايا، وآمرتها مشيرةً بصرامة
انزلي رحبي بالضيوف يا مايا، وخليكِ جنب جوزك.
هزت رأسها بطاعة وقالت مستسلمة
حاضر يا طنط.
بمجرد خروج مايا، التفتت راندا إلى خبيرة التجميل وقالت بنبرة متعالية
ممكن تسيبينا شوية لوحدنا؟
خرجت الفتاة، فالتفتت راندا نحو الفتاة، ووقفت أمامها بكبرياء جاف، وقالت بنبرة آلية باردة
يا ريت تبقي عاقلة النهاردة وتقابلي الناس بابتسامة لطيفة، وتتكلمي مع العريس بطريقة كويسة.
خطت نحوها خطوات بطيئة مرعبة، ثم همست بكلمات مسمۏمة وهي تلوح بأصبعها بوعيد
وما تنسيش إن مصير الولد ده لسه في إيدينا، يعني أي حاجة هتعمليها وتزعلنا منك، زي ما بابا قالك بالظبط، ما تبقيش تلومي إلا نفسك. 
كانت تستمع دون أي رد فعل، عيناها تتطلعان في الفراغ كأن الآخرى تخاطب جمادًا لا حياة فيه.
استمعت كلتاهما طُرقات خفيفة على الباب، ثم طل رفيق، ودون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى وجه شقيقته أو توجيه كلمة واحدة لها، الټفت إلى والدته ونطق قائلاً باقتضاب
يلا يا ماما، الناس مستنية تحت.
أجابت راندا وهي تعدل من خصلات شعرها الأشقر بكبرياء
حاضر يا حبيبي، نازلين حالاً.
هبطت درجات السلم بخطوات بكيئة، كأنها تُساق إلى ذبحها، ما إن أطلت على الحضور حتى خيم الانبهار على العريس وعائلته، فقد خطفت القلوب برقتها الطاغية وجمالها الآسر الذي لم يفلح الحزن في طمسه.
انتقلا معًا إلى ركن منعزل في حجرة الاستقبال، ليمنحهما بعض الخصوصية للحديث والتعارف بعيدًا عن صخب الأهل.
تنحنح أدهم، ثم قال بنبرة رجولية جذابة وعيناه تلتمعان ببريق خاص
أنا مبسوط جداً إنك وافقتي نقعد مع بعض ونتعرف.
صمت للحظة يتأمل ملامحها بإعجاب شديد لم يستطع مداراته، ثم تابع بابتسامةٍ جذابة
انتِ ماتعرفيش انتِ عملتي فيا إيه بموافقتك دي،إنتِ حققتي لي أمنية كبيرة أوي يا نهلة.
كانت عابسة الوجه، تائهة بنظراتها في الفراغ، كأنها في عالم آخر،وبلحظة، استشعرت نظرات أمها المسلطة عليها من بعيد كتحذير صامت، استجمعت شتات نفسها بصعوبة، وتنحنحت ثم التفتت إليه قائلة بهدوء أشبه بالهمس الفاقد للحِس 
ميرسي لذوقك.
اتسعت ابتسامته، واقترب بقامته قليلاً وهو ينظر في عينيها بانبهار واضح،وتمتم
هو أنا ممكن أعترف لك بحاجة؟
لم تكن تستمع لكلماته، ولم تكن ترى سوى ضباب يغلف المكان، كانت فاقدة للحس والشعور، لكنها مجبرة على مجاراته في الحديث حتى لا يتأذى حبيبها، نظرت إليه باستغراب وتساؤل، فتابع وهو يغرق في سحر عينيها
أنا لما شوفتك في الفرح، حسيت إني أعرفك من زمان، وإن دي مش أول مرة أشوفك فيها حتى عيونك،حسيت إني أعرفهم وشوفتهم قبل كده.
ابتسم باستسلام أمام صمتها، ثم سألها وعيونه تشع جاذبية
شكلك مش مصدقة كلامي؟
تنهدت وكأن حملاً ثقيلاً يجثو فوق صدرها، لتجيبه باقتضاب
لا، خالص.
كان أدهم حقًا شخصية رائعة، شابًا رزينًا، عاقلاً، ووسيمًا يملك من الجاذبية ما يجعل أي فتاة تقع في غرامة بسهولة. 
وربما لو لم تكن نهلة متيمة بحب رشيد لحد النخاع، لكان من السهل أن يطرق قلبها، كانت شخصيته تختلف تمامًا عن إخوتها الذين ربتهم راندا ليكونوا مجرد روبوتات تتحرك بالأوامر والآلية، بقلوب تكاد تنعدم فيها المشاعر.
لاحظ أدهم شرودها، فسألها بنبرة حانية
أنتِ في حاجة مضايقاكي؟
نظرت إليه وخرق همسها الصمت
ليه بتقول كده؟
رد بحيرة وصدق
إحساس، حاسس زي ما تكوني مجبرة تقعدي معايا.
تسلل الهلع إلى أوصالها، فلو تخلى عن الارتباط بها الآن، سينفذ والدها انتقامه البشع من حبيبها،لذا أجابته بلهفة وارتباك حاولت إخفاءه بشتى الكرق 
لا خالص، أنا بس مستغربة ومخطۏفة شوية من الخطوة.
تنفس الصعداء وابتسم لها برقة،وراح يهمس بصوتٍ يقطرُ منه الوعد بالأمان
أنا مش عاوزك تخافي مني ولا ترتبكي من أي حاجة، أنا شخصية سلسة وسهل التعامل معايا، وصدقيني، هعمل المستحيل علشان تكوني سعيدة معايا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خاڤتة باهتة، فتهلل وجهه وظهرت السعادة جليةً في عينيه وهو يقول
عرفتي إن كتب كتابنا هيبقى بعد أسبوع؟
شعرت وكأن قلبها قد انقسم إلى نصفين، لم تكن تتخيل قط حتى في أشد كوابيسها، أن يرتبط اسمها باسم رجل غير رشيد، ورغم التمزق الذي اعتصر أحشاءها، هزت رأسها إيجابًا في صمت.
تهللت أساريره وقال بنبرة ممتنة
ماتتصوريش أنا مبسوط قد إيه إننا هنتعرف على طباع بعض وإحنا مكتوب كتابنا،ده هيدينا حرية في إننا نقرب من بعض بسرعة .
تنهدت وأومأت برأسها لتتابع ذلك التعارف
تم نسخ الرابط