الجزء الاول من الفصل الثالث عشر لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
ويودوه وراء الشمس، ده مش بعيد ېقتلوه ويخفوا جثته كمان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،فال الله ولا فالك يا ابني... انطلقت تلك الكلمات من شفتي السيدة برعبٍ تملك من ملامحها، في حين بلع عبد الرحمن ريقه بصعوبة وقد تملك الخۏف من أوصاله.
ليتابع يحيى في حقارته مستعرضًا مهاراته في التلاعب
الموضوع كبير ومش سهل يا جماعة، البنت دي أهلها واصلين ومش هيسمحوا لحد يقرب ويستغل بنتنهم تحت أي مسمى، للأسف، رشيد لسه مكمل في غلطه، برغم إن أهل البنت هددوه، إلا إنه لسه بيقابلها ومعتمد على حبها ليه، وراسم إنها تقنع أبوها بيه.
نهض من مقعده وخطا نحو عبد الرحمن، جثا على ركبتيه أمامه في الأرض، وأمسك يديه بقوة متظاهرًا بالتأثر البالغ والدموع تكاد تفر من عينيه
أرجوك يا عمي تتدخل، أنا خاېف على صاحب عمري، رشيد بيدمر مستقبله ومش حاطط في دماغه غير إنه يوصل للبنت.
وتابع مستحضرًا دموعه
أنا لو خسړت رشيد مش هقدر أسامح نفسي وهعيش بذنبه العمر كله، لأني للأسف، كنت عارف من الأول خالص وسكت.
واستطرد مبررًا بآسى
سكت علشان مخسروش لو جيت وبلغتك.
ربت عبد الرحمن على كتف يحيى بحنانٍ أبوي، والامتنان يملأ قلبه المثقل بالهموم،وتحدث شاكرًا بعيناه
كتر خيرك يا يحيى، طمرت فيك العشرة.
لم يكتفِ بټدمير رشيد فقط، بل أراد زيادة ألسنة اللهب وټدمير علاقة الوالدين بسامر أيضًا، ليعزل رشيد تمامًا، فقال بنبرة عتاب تقطرُ خبيثًا
أنا قولت لسامر من زمان علشان نيجي نقولكم، بس هو الله يسامحه قال لي ملناش دعوة خلينا في حالنا.
هز منكبيه آسفًا، وبعينين تقطرانِ ندمًا استرسل
بس أنا مقدرتش، أنا من أولى ثانوي وأنا بدخل بيتكم وبذاكر مع رشيد، وكلت معاكم عيش وملح، وشوفت تعب حضرتك وقد إيه بتشقى علشان توفر لولادك فلوس تعليمهم.
ثم واصل حديثه الخبيث كشيطانٍ ينفث في النيران، لتتطاير شظاياها ويزداد اشتعالها
معقولة يبقى ده جزاءك من رشيد؟!
اڼهارت سامية وراحت تبكي بمرارة، فهي الآن تعيش صدمة عمرها في ابنها الذي لم تكن تتخيل أبدًا أن يسلك هذا الطريق،اجتاحها مزيجًا مرعبًا، شعورًا حارقًا بالخذلان، وخوفًا نهش عظامها على حياته ومستقبله، من جبروت عائلة تملك النفوذ والسطوةً والمال.
داخل كافيتيريا الجامعة، كان الصمت بينهما أثقل من أن يُحتمل،أرجع ظهره للوراء وقد ارتسمت على ملامحه خيبة أمل مريرة، غارقًا في ذهوله بعدما نقلت إليه نهلة حكم عائلتها القاسې بالرفض القاطع لقصة حبهما، وعندما طال صمته، بسطت كفها برقة واحتوت يده الممدودة على الطاولة علّها تمنحه شيئًا من الطمأنينة، رفع عينيه المثقلتين بالهموم والحيرة نحوها، وفي نظراته عتابٌ لا يدري لمن يوجهه، كأن لسان حاله يهمس پانكسار أهكذا انتهى الأمر؟ أيعقل أن تُطوى صفحتنا وتنقضي قصتنا بهذه السرعة؟!
لم تكن بحاجة لأن ينطق، فقد قرأت جمر أفكاره، لتجيبه بنبرةٍ حانيةٍ لكنها حاسمة
أنا عمري ما هبعد عنك يا رشيد،حتى لو كل الدنيا وقفت ضدي.
رمقها بنظرةٍ مغلفة بالخيبة، وتسلل الإحباط إلى صوته وهو يسألها باستيلامٍ تملك منه
وهتعملي إيه مع أهلك؟
لم تتردد لحظةً واحدةً، بل لمعت عيناها بإصرار قوي وهي تجيبه
هما مش من حقهم يختاروا لي حياتي الجاية، مش معنى إنهم أهلي إنهم يبعدوني عن البني أدم اللي قلبي اختاره.
زفر بقوة في محاولة لطرد شعور العجز من داخله، ثم ألقى بجسده إلى الخلف مستندًا إلى الكرسي، ومرر أصابعه في شعره ليشده للوراء پعنف كاد أن يقتلع جذورهُ،ثم عاد لينظر إليها قائلاً بمرارة
اللي عمله الحقېر يحيى دمر بيه كل خططتنا يا نهلة، مكنش المفروض أهلك يعرفوا أي حاجة قبل ما أتخرج وأشتغل.
اقتربت منه قليلاً وهتفت بنبرة تحاول من خلالها بث الأمان في قلبه
مفيش حاجة هتتغير يا رشيد، أنا هستناك لحد ما تتخرج وتشتغل، مش هستسلم لرفضهم، وهفاتح بابا تاني وتالت وعاشر في الموضوع، وهفضل وراه لحد ما يوافق.
انفرجت أساريرها قليلاً، وتركت لابتسامةٍ دافئة أن تتسلل إلى شفتيها وهي تكمل حديثها
هانت خلاص، كلها كام شهر وتتخرج.
أبحر في عمق عينيها، يبحث داخلهما عن ملاذٍ آمن وسط هذه العاصفة، وسألها بجدية قاطعة
هسألك وهخيّرك لآخر مرة يا نهلة، هتقدري تستغني عن عيشتك مع أهلك وتعيشي معايا على قد مرتبي؟
أجابته وعينها تثبت صدق كلماتها
وأقل من كده أنا راضية يا رشيد، أهم حاجة أكون معاك.
التقط أنفاسه وأخيرًا بدأت ملامحه تسترخي، وقال وهو يستحضر خططه القادمة
أنا بدأت أدور من دلوقتي واعمل حصر لشركات البترول العالمية والمحلية هنا في مصر، علشان أقدم فيها بعد التخرج على طول.
سألته بعينين متسعتين بالاهتمام
طب والجيش؟ هتعمل فيه إيه؟
أجابها بثقة راسخة عكست وعيه الشديد بما يريد
هقدم طبعاً أول ما اتخرج،وان شاء الله هي سنة واحدة وأخرج،يكون معايا أسامي الشركات جاهزة، واقدم فيها على طول، هما سنتين تلاتة، أكون قدرت أظبط فيهم حالي شوية، ولما تتخرجي أتقدم لك،ونتجوز ونسافر بعدها لأي دولة خليجية.
وتابع موضحًا بصوتٍ يملؤهُ الحماس
مهندس البترول هناك ليه وضعه، والمرتبات هناك هايلة.
اتسعت ابتسامتها، ورغم غيوم الحزن التي ما زالت تظلل قلبهما، إلا أن شعورًا عميقًا بالراحة تسلل إلى وجدانها، ورأت أملًا يلوح في الأفق البعيد.
نظر إليها، ولأول مرة منذ بداية حديثهما، انفرجت شفتاه لتعلن عن ابتسامة صادقة وهو يهمس
بحبك.
ردت وعيناها تفيضان بمشاعرٍ هائلة
وأنا كمان، بحبك أوي.
____________
انتهى حديثه مع نهلة، وغادرا الكافتيريا معًا، رافقها بخطوات متثاقلة حتى وصلت إلى سيارتها، ودعها وعاد إلى داخل الجامعة، وعيناه تشتعلان برغبة عارمة في العثور على ذلك الحقېر يحيى.
كانت ملامحه الممتعضة كفيلة بلفت الانتباه، لدرجة جعلت سامر يهرع نحوه فور أن رآه بتلك الحالة، وسأله بقلق
مالك يا رشيد؟
الټفت إليه، وبنبرة تكاد تحترق من فرط الڠضب،أجابه
الحقېر اللي اسمه يحيى مش ناوي يخرجني من دماغه يا سامر.
عقد سامر حاجبيه وسأله مستاءًا
عمل إيه تاني الزفت ده؟
قبض على يده بقوة وهتف قائلاً والڠضب يملأ نبراته
راح لأخو نهلة الكبير وقاله على كل اللي بيني وبينها، دمر لي كل اللي بنيته أنا وهي في لحظة.
اتسعت عينا سامر بذهول وصدمة، وتمتم غير مستوعبًا
معقولة القذارة توصل بيه للدرجة دي؟
استطرد رشيد وعيناه تجوبان المكان بشرر يتطاير منهما
بس أنا مش هسيبه، والله يا سامر ما هسيبه، هو كده جاب آخري معايا.
راح يتلفت حوله كالمچنون، يبحث بين الوجوه وعلامات الڠضب تكسو ملامحه، ثم سأل سامر بحدة
ما تعرفش هو فين؟
هز رأسه نافيًا وأجابه بيأس
ما اعرفش، تقريبًا مشي، لا أنت ولا هو حضرتوا المحاضرة الأخيرة.
أومأ برأسه ببطء، وتوعد بصوتٍ منخفض يحمل تهديدًا واضحًا
ماشي يا يحيى، يعني هتروح مني فين؟ مسيري هشوفك.
تحركا معًا نحو البوابة الخارجية، والوجوم يسيطر على الموقف، حتى افترقا وعاد كل منهما إلى بيته، بينما كانت نيران الاڼتقام تنهش في قلب رشيد.
___________
ولج إلى المنزل ليجد والداه يجلسان في صمتٍ مهيب، وضع كتبه فوق طاولة جانبية وهدوءه مخيف يسيطر على المكان، ثم ألقى السلام بنبرة هادئة، فجاءه الرد بخفوت مريب.
تناسى حزنه واقترب من والده بابتسامة دافئة، كأنه يخلع عن كاهله عباءة الهموم بمجرد عبور العتبة، انحنى يقبل رأسه بإجلال، قائلاً بهدوء
إزيك يا حاج؟
رفع عبد الرحمن عينيه المثقلتين بخيبة الأمل، ونظر إلى ولده بنظرة
متابعة القراءة