الفصل السادس عشر لولا الغرام روز أمين حصري
المحتويات
تمتلؤ بالطاقة السلبية وتوشك على الاشتعال، حاولت نعمة تدارك الموقف قائلة بتصنع
طبعاً ما شاء الله يا مدام عايدة، أنا مش هحسد يعني، أنا بس بقول إن الأكل كتير أوي إن الأولاد يخلصوه النهاردة.
تدخلت فاطمة ببرود وثقة، لتوضح لها الأمر قائلة
ويخلصوه النهاردة ليه يا حبيبتي؟ هو حد بيجري وراهم؟
ثم تابعت بابتسامة هادئة
ده خزين ليهم.
قال علي بجدية وحسم لينهي الجدال قبل ان يتحول إلى شحار
ماما عملاه علشان نخزنه في الفريزر يا طنط.
أومأت فاطمة برأسها مؤكدة
بالظبط كده، وأنا جايبة معايا علب فويل، لما الأكل يبرد هعبيه، ويطلعوا منه كل يوم على قد الأكل ويسخنوا.
ارتسمت على وجه الآخرى ابتسامة متعالية، وقالت بأسلوبها الفظ الذي تغلفه ببعض الهدوء
تعبتي نفسك، هو تسلم إيدك طبعاً، بس داليا ما بتاكلش الأكل البايت، علشان كده أنا كل يوم باجي أطبخ لهم أكل طازة.
وقعت الكلمات كالجمر على قلب عايدة، فتغيرت ملامح وجهها فوراً واشتعلت بداخلها رغبة عارمة في الرد، لاحظت داليا ذلك، فتدخلت بسرعة لتتفادى صداماً حاداً لا تحمد عقباه، وقالت بنبرة مهذبة
أكل طنط فيفي غير يا ماما، دي ما شاء الله نفسها هايل في الأكل، وبعدين هي ما شاءالله عاملة محاشي وطواجن ورقاق، وكل الأصناف دي لما بتدخل الفرن بتبقى زي المطبوخة حالاً.
ثم نظرت إلى والدتها بنظرات توسل ورجاء صامت لتجبرها على إغلاق هذا الموضوع، شعر علي بالتوتر السائد، فنهض واقفاً وقال بحماس مفتعل لكسر الحدة
أنا هقوم أجهز أحلى سفرة علشان نتغدى كلنا مع بعض.
ثم مال على رأس والدته، وقبلها بحب جارف وهو يهمس
وحشني الأكل من إيدك يا فيفي.
انفرجت أساريرها وابتسمت بانتصار قائلة
ألف هنا على قلبك يا حبيبي.
ثم التفتت نحو نعمة، ورمقتها بنظرة تحدٍ صريحة وأردفت
أديني عملت لك خزين يكفيكي أسبوعين، ولما يخلص، هعمل لكم تاني إن شاء الله.
تآكلت نعمة من الغيظ وضاق صدرها من أسلوب فاطمة، فقد رأت أنها تتحدث بعفوية ومن باب المصلحة ل ابنتها التي لا تطيق الطعام البايت فعلاً، ولم تستوعب أن فاطمة وعايدة اعتبرتا كلماتها تعدياً صريحاً واعتراضاً على تصرفهما.
تحركت عايدة وتحدثت وهي تنظر إلى ابن أختها بحنو
خليك مرتاح يا قلب خالتك.
ثم التفتت إلى أماني وقالت بإشارة من يدها
تعالي معايا يا أماني.
توجهت الشقيقتان نحو المطبخ بخطوات واثقة، بينما كانت نعمة تستشيط غضباً من داخلها لاقتحامهن مطبخ ابنتها وفرض سيطرتهن عليه، لكنها التزمت الصمت هذه المرة مجبرة، بعد أن لمحت نظرات داليا التي تتوسل إليها مجدداً بأن تلتزم الهدوء ولا تفسد اليوم.
_____________
نزلت نهلة إلى الطابق السفلي لتجد والدها لا يزال جالسًا برفقة والدتها وأشقائها، اقتربت منهم بملامح واجمة تعلوها جدية صارمة، وقالت بنبرة حاسمة
لو سمحت يا بابا، عاوزة اتكلم معاك لوحدنا في المكتب.
قابل نبرتها الحادة بابتسامة هادئة محاولاً امتصاص توترها، ورد عليها برفقٍ وهو يشير لها
تعالي اقعدي الأول علشان عاوزك في موضوع مهم.
أجابته بآلية وجفاء شديدين
عرفاه.
تبادل الجميع نظرات تعجب واستغراب، فاستطردت مفسرة
كنت نازلة من شوية وسمعت حضرتك.
تدخلت راندا، وسألتها بنبرة مبطنة بالهدوء
وإيه رأيك يا نانا في اللي سمعتيه؟
التفتت إليها وقالت بثبات
رأيي معروف لحضرتك.
وقبل أن يفتح أي منهم فاه ليعقب، بادرت بالحديث سريعًا وهي تنظر لوالدها برجاء ممتزج بالإصرار
من فضلك يا بابا.
تنهد بعمق واستسلم لإلحاحها، ثم نهض واضعًا يده على كتفها بحنو، وتحركا معًا خطوة بخطوة حتى اختفيا خلف باب المكتب، بينما تابعت راندا أثرهما بنظراتٍ تفيضُ بالاطمئنان.
داخل المكتب، جلس منير على الأريكة الوثيرة وأشار إليها بالجلوس، فامتثلت وجلست بجواره مباشرة. أخذ يدها الصغيرة بين كفيه الدافئتين وقال متبسمًا
أدينا بقينا لوحدنا، قولي اللي أنتِ عاوزاه.
ثبتت عينيها في خاصتيه، وبنظراتٍ تصرخ بكل ما في قلبها من ۏجع تمتمت
حضرتك عارف أنا بحبك وبحترمك قد إيه.
هز رأسه مؤكدًا، وخرج صوته دافئًا يفيض بالحنان
طبعًا عارف.
تابعت بنبرة توسل مريرة
أنا عاوزة أحافظ على درجة الحب والاحترام ده يا بابا، مش عاوزة مكانتك تقل في قلبي.
عقد حاجبيه دهشةً وسألها مستنكرًا
ومكانتي هتقل ليه في قلبك يا نانا؟
ترقرقت الدموع في عينيها الغارقتين بالأسى، وبدأت تتجمع لتشكل غشاوة تخفي ملامحه وهي تجيبه
تفتكر لو حضرتك ظلمتني، هفضل محتفظة بنفس درجة حبي ليك جوة قلبي؟!
أجابها بلهفة شديدة وخوف حقيقي من أن يمسها سوء
وأنا آخر حاجة ممكن أفكر فيها إني أظلمك.
لمعت الدموع في عينيها مهددةً بالهبوط، فسألته بصوت متهدج، قبل أن تخترق صدرها شهقة بكاء رغماً عنها
ولما تحرمني من الإنسان الوحيد اللي اتمناه قلبي، متبقاش بتظلمني يا بابا؟
رغم أن قلبه اعتصر ألمًا لمنظر دموعها التي تقاوم النزول كبرياءً وتمردًا، إلا أنه حافظ على هدوئه وثباته، وقال بصوت رصين
لا يا نهلة، مش هبقى بظلمك، هبقى بحافظ عليكِ
وبرشدك للصح، وأرجعك لما تضلي الطريق .
نحت كل مشاعر الخجل جانبًا، وهمست بنداء قلبها الصادق دون أي مقدمات
أنا بحب رشيد أوي يا بابا، لو سابني ھموت صدقني.
هزت رأسها بضعف فانهمرت الدموع بعد أن فقدت السيطرة على حپسها، واستطردت باڼهيار
لو بعد عني هتكون نهايتي.
ابتسم بنظرات امتزجت بالشفقة والحنان معًا، ثم ربت على يدها بحنو بالغ وقال مسكنًا روعها
بيتهيأ لك يا حبيبتي، بكرة بعد ما تتجوزي الشخص اللي أنا اخترتهولك، هتتأكدي إن كل اللي عشتيه مع الولد ده مكنتش مشاعر حقيقية، كانت مشاعر مراهقين، انتهت مع دخول الحب الحقيقي لحياتك.
رمقته بنظرة ساخرة يكسوها الۏجع، وسألته بتهكم
ويا ترى مين تعيس الحظ اللي ربنا هيبتليه بواحدة مكتوبة على إسمه، لكن قلبها ملك لغيره؟!
تغاضى عن سخريتها اللازعة، واكتسى وجهه بجدية صارمة دون أن تفارقه تلك الابتسامة الواثقة، وقال مستعرضًا
شاب من عيلة كبيرة جدًا، مستشار زميل رفيق.
ثم صمت قليلاً يتذكر ما نقلته له زوجته، وتابع وعيناه تحملان عتابًا رقيقًا
ماما بتقول إنه قدم لك نفسه في الفرح وطلب يرقص معاكِ، بس أنتِ رفضتي وصدتيه.
قطبت جبينها محاولة استرجاع ملامح ذلك الشاب الذي اقتحم خصوصيتها في حفل الزفاف، سرعان ما لمعت صورته في ذاكرتها، فزفرت بضيق وقالت باستهانة
أياً كان هو مين فده شيء ما يخصنيش، لأني مش هتجوز غير رشيد يا بابا.
أمسكت يده بين كفيها وتوسلت إليه بنبرة يملؤها الرجاء والاستعطاف
علشان خاطري اختصر عليا ۏجع القلب والعڈاب، ووافق على رشيد، لو كنت غالية عندك بجد.
أمالت رأسها تستعطفه بنظراتها الانكسارية التي تفيض بالدموع، واستطردت
وافق يا بابا، علشان خاطري.
ابتسم برقة، وخرج صوته دافئًا حنونًا
علشان خاطرك، وعلشان انتِ أغلى ما عندي.
تسلل الأمل إلى قلبها للحظة، وانعقد لسانها وهي تنصت إليه بتركيز شديد، لكنه تابع كلماته ليصفعها بقسۏة، ويعيدها إلى نقطة الصفر محطمًا كل أمانيها
فأنا خلاص، وافقت على المستشار أدهم، وإن شاء الله هيجي لنا زيارة الأسبوع ده مع عيلته، وهنتفق على ميعاد الخطوبة.
التقت عيناه بعينيها المصدومتين، ليتمتم بنبرة يحاول بها ترميم شظايا قلبها
صدقيني يا بنتي ده لمصلحتك، ده الراجل اللي يستحقك بجد يا نهلة.
رمقته بنظرة تهكمية باردة، وسألته بسخرية لاذعة
ولو رفضت؟ هتجوزني ڠصب عني ولا إيه يا منير باشا؟!
تلاشت الابتسامة عن وجهه، واكتست ملامحه بحزم صارم ليقطع أمامها كل سبل الجدال، وهو يقول بنبرة حادة
لو وصلت لكده مش هتردد يا نانا،و ده أكيد
متابعة القراءة