الفصل السادس عشر لولا الغرام روز أمين حصري

موقع أيام نيوز

وجدتها، لكنها حين سمعت هذا الھجوم القاسې على أمها، لم تعد تحتمل الصمت.
ظهر الحزن جليًا على ملامحها وقالت بنبرة حاسمة
ماما مش مريضة يا تيتا، والحمد لله صحتها كويسة جداً، ولو على الأكل، ماما بتطبخ أحسن من أي حد، ويوم الإجازات بتعمل لنا محشي وكل حاجة.
راح أحمد هو الآخر يدافع ببراءة عن والدته
أيوه، وكمان بتعمل لنا بيتزا وحمام محشي وكل حاجة
نظرت فاطمة إلى الصغيرين بقلب يعتصره الحزن، وحاولت تدارك الموقف قائلة برفق
تيتا ما تقصدش يا حبايبي، الكلمة طلعت ڠصب عنها.
ثم التفتت إلى دليلة وتابعت مؤكدة
دليلة، الكلام ده ميتقالش لماما ولا بابا يا حبيبتي.
ردت بنضج وعقلانية تفوق سنوات عمرها ، وقالت بوعي
أنا مش صغيرة يا طنط، وأكيد مش هقول لماما كلام يضايقها.
ابتسمت فاطمة بإعجاب وارتياح، وقالت
ربنا يكملك بعقلك يا حبيبتي.
ثم التفتت إلى والدتها، وحسمت الأمر قائلة
أنا هقوم ألم لك هدومك علشان تروحي معانا يا ماما، إنتِ مالكيش طلوع من بيتك بعد كده،روحتي عند محمد اسبوع،ولعتي الدنيا بينه وبين مراته،وهنا كمان أهو،أدينا شوفنا بعنينا اللي حصل.
لوت رقية فمها، وقالت بحدة وجفاء
أحسن بردوا.
_____________
في المطبخ، وقفت منى عاجزة عن حبس دموعها التي انسابت بغزارة على وجنتيها، لم تملك القدرة على التماسك أكثر، اقترب منها صادق وضمھا إلى صدره باحتواء شديد، واضعًا كفه على ظهرها وراح يربت عليها بحنان دافئ عله يمتص حزنها، رفع وجهها برفق ممسكًا بذقنها، ونظر في أعماق عينيها الباكيتين، ثم مسح دموعها بإبهاميه وهو يبتسم ابتسامة يكسوها حزن دفين، وقال بنبرة غلفها الرجاء
أنا آسف يا منى، أرجوكِ بلاش تزعلي من ماما، هي ست كبيرة والمفروض ما ندققش على كلامها.
استجمعت شتات نفسها، وسحبت نفسًا عميقًا لتستعيد هدوءها الظاهري، ثم أجابته بصوت خفيض ولكنه مستقر
مش زعلانه منها، أنا بس صعبت عليا نفسي إنها قالت لي الكلام ده قدام الكل.
التمعت عيناه بنظرة اعتذار مکسورة، وهمس بنبرة نادمة
حقك عليا يا حبيبتي.
كان يعيش تمزقًا داخليًا، هو في موقف لا يُحسد عليه، فهذه الساكنة بين يديه هي زوجته وشريكة عمره، كرامتها من كرامته، ملزمًا بحمايتها والدفاع عنها.
والتي أخطأت في حقها هي أمه،والدته التي حملته في أحشائها تسعة أشهر، وسهرت على تربيته ورعايته حتى اشتد عوده وصار رجلًا.
أضف إلى ذلك أنها تقدمت في العمر ولم تعد تُحاسب على كل شاردة وواردة من أفعالها، فضلاً عن كونها وأخوته ضيوفًا في بيته الليلة، والواجب يفرض عليه أن يضعهم فوق الرأس ويرعاهم.
تنهدت منى بعمق حين لمحت قلة حيلته وتشتته الكامن في عينيه، فأشفق قلبها عليه وقالت له برقة
اطلع كمل أكلك يا صادق.
هز رأسه رافضًا وقال بإصرار
مش هطلع غير وأنتِ معايا.
حاولت رسم ابتسامة مطمئنة وقالت لتقنعه بالخروج
أنا خلاص شبعت يا حبيبي، ما أنتَ عارف إن أكلتي ضعيفة وبشبع بسرعة من أي حاجة.
نظر إليها بعجز، فربتت على كتفه بحنو وأردفت مستعطفة
عشان خاطري اطلع عشان إخواتك، هم ملهمش ذنب في اللي حصل، زمانهم سابوا الأكل وقاعدين زعلانين.
أمسك يدها وضغط عليها بقوة قائلاً بلهجة حاسمة لا تقبل النقاش
مش هخرج غير ورجلك سابقة رجلي.
حاولت جاهدة أن تثنيه عن قراره وتدفعه للعودة بمفرده، لكن إصراره كان كالجدار الصلب الذي لا يتزحزح، وأمام هذا التمسك، استسلمت لرغبته، وخرجا معًا متشابكي الأيدي.
وما إن دلفا لغرفة الطعام حتى جلسا إلى المائدة، وبادرا بالترحيب بضيوفهما وكأن شيئًا لم يكن، حينها، تنفست دليلة الصعداء وارتسمت على وجهها معالم الراحة والسعادة ، في حين خجل الجميع من رقي وتسامي تلك ال منى.
وسط كل هذا، ظلت رقية جالسة ببرود تام ولا مبالاة، مقتنعة في قرار نفسها بأنها لم تقترف أي ذنب يستدعي الاعتذار.
_____________
ليلاً
وقفت بجوار شباك غرفتها، تتطلع إلى عتمة الليل في الخارج بينما تتلاطم في رأسها الأفكار، مبعثرة وحائرة، تبحث عن مخرج.
قطع سكون صمتها رنين هاتفها، التقطته لتجد اسم مايسة يزين الشاشة، صديقة عمرها ومستودع أسرارها، والتي كانت تنتظر على أحر من الجمر لتطلع على ما آلت إليه مواجهتها مع والدها.
انهمرت الكلمات من ثغر نهلة وراحت تروي لمايسة كل ما دار بينها وبين أبيها من مشادات وخيبة أمل.
ثم شردت بعينيها نحو الحديقة، تراقب ظلال الأشجار الساكنة تحت ضوء القمر، وقالت بنبرة قاطعة
أنا خلاص، أخدت قرار وهنفذه بكرة.
سألتها مايسة بفضول قلق، يدفعه خۏفها الدائم عليها
قرار إيه يا نهلة؟
قالت بصلابة لا تلين 
أنا ورشيد لازم نتجوز وفي أسرع وقت.
ثم تنهدت بأسى ومرارة وكأنها تحمل ثقل الكون فوق كتفيها، وأردفت 
لازم أحطهم قدام الأمر الواقع.
صُعقت مايسة، وسرى الخۏف في عروقها، وقالت باستنكار شديد وذهول لم تستطع إخفاءه
أنتِ بتقولي إيه يا نهلة؟!، أنتِ أكيد اټجننتي.
انتفضت وصاحت بحدة، دفاعًا عن كرامتها وحبها
اټجننت؟!، اټجننت عشان بتمسك بحقي في الحياة؟!
حاولت مايسة جاهدة أن تلجم هذا الإندفاع، وأن تعيد صديقتها إلى عقلها قبل أن تتهور وتفعل ما لا يحمد عقباه، فقالت مستعطفة 
مش بالطريقة دي يا نهلة، أنتِ كده بتدمري نفسك وبتدمري رشيد معاكِ
ثم تابعت بنبرة تحذيرية لعل الكلمات توقظها من غفلتها 
إخواتك لو عرفوا هيدمروا رشيد، واحتمال يلفقوا له تهمة ويحبسوه ويضيعوا مستقبله.
توقفت الكلمات في حلقها وهلعها على مصير رشيد يزداد،لتتابع 
حرام عليكِ يا نهلة، رشيد ما يستاهلش منك كده.
عقدت حاجبيها باستغراب من رد فعل صديقتها المبالغ فيه من وجهة نظرها، وقالت بثقة عمياء
محدش هيقدر يأذيه، إخواتي مش هيجرأوا يأذوه لو اسمه ارتبط باسمي، هيخافوا على نفسهم من الشوشرة والڤضيحة.
انهمرت دموع صديقتها عجزًا وخوفًا من العواقب، وتوسلت إليها وهي تقول
بلاش تعملي كده يا نهلة، أرجوكِ اصبري.
أجابتها بنبرة قاربت على الجنون، وعيناها تتسع تيهًا وشرودًا
أصبر لحد إمتى يا مايسة؟!، لحد ما ألاقي نفسي قاعدة في الكوشة مع العريس اللي اختاروه على ذوقهم؟!
ثم تحولت نظراتها إلى صرامة مطلقة وعيون تشتعل بالتحدي 
أنا خلاص أخدت القرار، وهكلم رشيد حالا وأخليه يقابلني بكرة في المكان بتاعنا، كل حاجة لازم تخلص بكرة، مش أنا اللي هقعد وأحط إيدي على خدي وأسيبهم يدمروني.
_______________
انقضى سواد الليل الموحش، وأشرق نهار جديد يحمل في طياته شمسًا كان من المفترض أن تنشر خيوط الأمل والتفاؤل في القلوب، لكنه، على النقيض، جاء مريبًا، يغلفه الحذر والخۏف في عيون البعض، كعيني نهلة التي باتت تقف على حافة هاوية لا تدرك عمقها، مقبلة على خطوة مجهولة العواقب، لكنها تمضي نحوها مكرهة، مدفوعةً بأمرٍ صارم من قلبها،ذاك العاشق المتمرد.
وعلى جانب آخر، كان الصباح حزينًا باهتًا لدى أشرف، الذي لم يعد يفصله عن السفر والغربة سوى يومين اثنين لا غير، استيقظ من نومه والهم يثقل صدره، ليجد أن جدته وخالاته وخاله وجميع أفراد عائلته قد استيقظوا قبله، وجلسوا في انتظاره ليتناولوا فطورهم الأخير معًا قبل أن يتحركوا عائدين إلى المنصورة.
بالفعل، تناولوا طعامهم في أجواء يغلفها التوتر، ثم ارتدا الجميع ملابسهم وتجهزوا للرحيل، طوال هذا الوقت، لم يرفع أشرف عينيه عن تلك الصغيرة التي تربعت على عرش قلبه وامتلكت وجدانه، دليلة.
لاحظت منى تلك النظرات المتعلقة بصغيرتها، فاشټعل داخلها بڼار الضيق والغيرة على ابنتها، لكنها آثرت الصمت وتجرعت غصتها دون أن تنبس ببنت
تم نسخ الرابط