الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
فالتزمت الصمت، وسحبت بصرها بهدوء لتعاود التركيز في شاشة التلفاز، تاركة له مساحته الخاصة.
على الجانب الآخر، كان يذرع بهو المسكن ذهابًا وإيابًا، يدور حول نفسه وقد تملكه توتر عاصف، بدأت الحيرة تنهش عقله، فعدم رد خاله عليه يعد سابقة هي الأولى من نوعها، مما ضاعف من هواجسه.
حاول التقاط أنفاسه وتسكين مخاوفه، فأخذ يحدث نفسه بصوت خاڤت
اهدى يا اشرف وبلاش التوتر اللي انت فيه ده.
ثم تابع وهو يحاول إيجاد مبرر منطقي
الوقت متأخر واكيد نايم ومسمعش الموبايل، اهدى، دليلة مش هتكون لحد غيرك، ان شاءالله مش هتكون لحد غيرك.
تحرك بخطوات مثقلة وجلس على طرف الأريكة، واضعًا رأسه بين كفيه، وأخذ ينظم أنفاسه المتلاحقة في محاولة مستميتة لاستعادة هدوئه المفقود.
________________
في اليوم التالي، تحركت إلى منزل والدها السيد عبد الله فور انتهائها من دوام العمل، بدا الإنهاك على ملامحها.
جلست برفقة والدتها لتفرغ ما في جعبتها، فقصت عليها كل ما دار بينها وبين علي من نقاش حاد حول أمر المربية.
امتعضت ملامح نعمة وانطلقت حروفها بنبرة مشحونة بالضيق والرفض القاطع
جوزك خلاص، من ساعه ما الفلوس جريت في ايده وهو اتكبر علينا، وبدل ما يشكرني على كل اللي عملته معاه وتربيتي لبنته، قرر يطردني من حياتكم.
ثم تابعت بنبرة حادة غاضبة
ده انا خرجت معاش مبكر خمس سنين علشان اقعد ببنته، وفي الاخر تكون دي طريقة شكره ليا؟!
أسرعت داليا نحوها، وقبضت على يديها بحنان محاولة امتصاص ثورتها وتهدئة روعها، وقالت بصوت هادئ ونظراتٍ مستعطفة
يا ماما هو ايه اللي حصل لكلامك ده كله؟ علي بيحبك وبيحترمك، وده واضح للكل من معاملته معاكِ، واللي عمله ده كان لازم يتعمل علشان نخفف الضغط من عليكِ شوية، البنت صغيرة وطول الوقت ليها طلبات وبتزن، وبابا مبقاش حمل دوشتها.
ثم نظرت في عيني والدتها برجاء حار، وتابعت
بصي للموضوع من الناحية الايجابية يا حبيبتي.
أمالت رأسها، ولوت فمها بملامح عابسة لم تخلُ من العناد، لكنها استسلمت لرجاء ابنتها في النهاية قائلة
ماشي يا داليا، علشان خاطرك انت بس.
وتابعت باشادة
بس كويس انك اصريتي تجيبي ناني متدربة.
هزت داليا رأسها بهدوء معلنة انتهاء الأزمة، انحنت لتلتقط ابنتها الصغيرة، ثم وقفت وهي تعدل من هندامها قائلة
انا هروح علشان علي زمانه رجع.
غادرت حاملة طفلتها، وعادت إلى منزلها، وفور أن فتحت الباب، باغتتها رائحة الطعام الشهي، إذ وجدته قد عاد قبلها، جالبًا معه وجبات جاهزة من الخارج، وكان يقف في انتظارهما وعيناه تلمعان بابتسامة دافئة تحمل وعدًا بليلة هادئة.
________________
في الساعات الأولى من المساء، أنهى أشرف دوامه في مكتبه، وتوجه صوب أحد المطاعم ليتناول وجبة الغداء على عجل، ثم خرج وتحرك مستقلاً سيارته، قاصدًا المزرعة لمتابعة باقي أعماله.
كان القلق ينهش روحه، وعقله مشتتًا طوال اليوم بالتفكير في خاله الذي تجاهل اتصاله ليلة أمس بشكل مريب، اتخذ قراره بأن يتريث قليلاً، منتظرًا عودته إلى البيت ليلاً ليعاود الاتصال به مرة أخرى، وهو يمني نفسه بسماع الكلمة المنتظرة التي ستثلج صدره وتريح قلبه العليل.
وفي مكان آخر، وتحديدًا في مدينة المنصورة، كانت عايدة تجلس في بيت والدتها، دفعها الفضول للسؤال بنبرة متلهفة
ما تعرفيش صادق رد على اشرف باية يا ماما؟
هزت الأخرى رأسها بنفي، ثم قالت
ما اتصلتش وحياتك يا عايدة، كان قايل لي امبارح لما كلمته اطمن على نتيجة دليلة، ان اشرف مستني وانه هيكلم بنته بالليل.
نهضت عايدة على الفور، وقالت بإصرار
انا هجيب التليفون ونتصل بصادق نتطمن.
وبالفعل، أمسكت الهاتف وضغطت أزراره لتتصل، وبعد تبادل عبارات السلام والترحيب المعتادة، بادرت بسؤاله عن رأي الفتاة، جاءها صوته هادئًا، يغلفه ثقل وهموم تثقل أنفاسه
دليلة رفضت الفكرة نفسها يا ماما.
وقعت الكلمات على مسامع رقية فكادت تجن، هتفت باستنكار شديد وصوت مرتفع
هو ده عريس يترفض يا صادق؟ امال لو مش انت اللي مرىبيه وعارف اخلاقه.
أطلق تنهيدة حارة، وجاء رده مشحونًا بالأسى
يا ماما وانا بايدي ايه اعمله؟ البنت شيفاه اخوها.
جذبت عايدة سماعة الهاتف من يد والدتها بلهفة، وقالت بجرأة وثقة
ادهوني يا ماما انا هعرف اقنعه.
فباغتها بقوله المتهكم حزنًا
هتنقنعيني باية يا عايدة؟ هو انا اللي هتجوزه واعيش معاه؟
لم تتراجع بل أردفت تلح عليه بقوة
بس تقدر تقنع بنتك يا صادق، الولد ما يترفضش، ده فرصة مش هتتعوض، بلاش تضيعه من ايد بنتك.
ثم تابعت بتمنى ونبرة تملؤها الحسړة
طب ياريته كان طلب شهيرة، كانت تبقى امها داعية لها، بس يا خسارة، الاتنين ما بيطقوش يشوفوا خلقة بعض.
دار بينهم نقاش طويل، تخللته محاولات مستميتة وضغوط مكثفة من رقية وعايدة لثني رأسه. لكنه حسم الجدال بصرامة قاطعة ونبرة حازمة وضعت حدًا لكل شيء
خلاص يا ماما، الموضوع بالنسبة لي انتهى، انا وعدت بنتي وخلاص، واول ما أشرف يكلمني هبلغه، وربنا يكرمه ويتحوز ست البنات اللي تستاهله.
________________
خرجت إلى شوارع الحي لتستنشق بعض الهواء برفقة صديقتها المقربة ندى، حيث كانت الخطوات تجمعهما وسط الأشجار الكثيفة المصطفة على جانبي هذا الطريق الهادئ.
راحت نسمات الصيف المنعشة تداعب وجهيهما لتخفف قليلاً من وطأة ما اصابهما من حزن، التفتت دليلة نحو رفيقتها، وأفرغت ما في جعبتها من هموم، قصت عليها تفاصيل عرض زواج أشرف المرفوض.
استمعت بإنصات، ثم علقت بنبرة لائمة
طب وانتِ ليه رفضتي من غير ما تدي لنفسك فرصة تفكري؟
نظرت إليها بحنقٍ واستنكار واضحين، وردت بنبرة حادة بعض الشيء
انتِ هتعملي زي بابا يا ندى؟
ضحكت بخفة لتلطيف حدة الحوار، وتابعت بمرح وإعجاب لم تخفه عيناها
بصراحة بقى أشرف ده زي القمر ويستاهل تدي له فرصة، ده شبه الممثلين الاجانب يا بنتي بلون عيونه الأخضر.
هزت رأسها برفض قاطع حسمت به رأيها، وراحت تقول متهكمة
زي القمر لنفسه يا ستي، وحلال جماله وعيونه على اللي هتتجوزه.
ثم لوحت بيدها في الهواء لتؤكد وجهة نظرها المنطقية
يا بنتي ده اكبر مني بعشر سنين بحالهم.
انحنت ندى نحو حوضٍ من الزهور المتفتحة على جنبات الممشى، قطفت زهرتين نضرتين، قدمت إحداهما لدليلة واحتفظت بالأخرى لنفسها، وتحدثت وهي تزن الأمور بعقلانية هادئة
هو موضوع السن فعلاً مشكلة.
أسرعت الأخرى تشير على العائق الأكبر الذي يقف بينهما
المشكلة اللي اكبر من السن هو اني مش بشوفه غير أخويا يا ندوش.
أدركت ندى أن النقاش في هذا الباب صار مغلقًا، فقررت بذكاء تغيير مجرى الحديث لإخراج صديقتها من دائرته، وقالت بنبرة هادئة
سيبك من اشرف وخلينا في اللي يخصنا، نويتي تقدمي في ايه لما التنسيق يفتح؟
ارتسمت ملامح الثقة واليقين على وجهها وأجابت دون أي تردد
ان شاءالله ألسن عين شمس.
هتفت ندى بابتسامة عريضة يملؤها الأمل
وانا كمان هقدم ألسن، وان شاءالله نكون مع بعض.
ارتسمت على شفتيهما ابتسامة دافئة أحيت عهود الصداقة بينهما، وواصلتا خطاهما في ذلك الممر، وراحت كلً منهما تستنشق نسمات الهواء لتملأ روحها بطاقة إيجابية تزيح عن كاهلهما هموم ما مرتا به.
________________
حلّ الليل سريعًا، عاد إلى شقته والعبس يكسو ملامحه، دلف إلى الحمام عل الماء الدافئ يهدأ من قلقه المتصاعد، لكن
متابعة القراءة