الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
والدتها بابتسامة هادئة
وانا هضحك عليكِ ليه بس يا ماما؟ صدقيني عندنا اجتماع هناك للطلاب مهم جدا ولازم اروح.
لوت فمها بتهكم، وتابعت باستنكار لاذع
اجتماع ايه يختي ده كمان؟! فاكرالي نفسك وكيلة وزارة يا بت؟
ضحكت بخفة لتمتص ڠضب والدتها، وقالت بنبرة جادة ومقنعة
ده اجتماع مهم لكل الطلاب يا ماما.
زفرت سامية الهواء بقوة وضيق، وضړبت كفًا بكف قائلة بعتاب
وده وقته يا بسمة؟ ما انتِ عارفة ان اخوكِ يا دوب راجع من شغله ليه تلات ايام، ده بدل ما تقعدي تساعديني علشان نخلص له الغدا بسرعة.
تجرعت كوبًا من الماء دفعة واحدة لتنهي نقاشها، ثم اقتربت من والدتها قائلة بنبرة حانية مستعطفة
يا حبيبتي رشيد لسه نايم، ومش هيصحى الوقت، صدقيني هروح ومش هتأخر.
ولم تنتظر ردًا، إذ طبعت قبلة سريعة وخاطفة على وجنتها، واستدارت تهرول نحو الباب الخارجي بخطوات متسارعة كمن يهرب من حصار، تطلعت سامية في أثرها، وأطلقت تنهيدة طويلة نابعة من الأعماق ، وتمتمت بدعاء صادق
ربنا يهديكِ يا بنتي.
_______________
وقفت تلتقط أنفاسها أمام البوابة الشاهقة لجامعة القاهرة، حيث كانت صديقاتها بانتظارها على أحر من الجمر، ما إن اقتربت حتى عاجلتها إحداهن بعتاب
اتأخرتي ليه؟
تنهدت وهي ترتب غطاء رأسها قائلة بنبرة متوجسة
على ما عرفت أفلت من ماما.
رمقتها صديقة أخرى بنظرة فاحصة وسألتها
انتِ قولتي لها انتي جاية هنا ليه؟
هزت رأسها بنفي سريع وذعر تجلى بنظراتها
لا طبعاً، دي لو عرفت إني جاية مظاهرة كانت خربت الدنيا، ومكنتش سمحت لي اخرج أبداً.
قطع حديثهن صديقهن الشاب، مشيرًا بيده نحو الداخل بعجلة
طب يلا ندخل، الشباب جوة كلهم منتظرينا علشان نبدأ.
ولجت برفقة زملائها إلى قلب الجامعة، ليروا مشهد مهيب، حيث كان الفناء يمتلؤ بحشود من الشباب الذين تعاهدوا على الحضور، يجمعهم ڠضب عارم وصوت واحد تمثل في لافتات بيضاء رُفعت عاليًا، تندد بالعدوان وتجبره في أرض فلسطين الحبيبة.
في منتصف الحشد، وقف شاب من طلاب الدفعة الرابعة، وهو صاحب الشرارة الأولى لهذه الانتفاضة الطلابية، رفع لافتة خُطت عليها عبارة عاشت فلسطين حرة مستقلة ، وهتف فيهم محمسًا
جاهزين يا شباب؟
انطلق الرد كأنه هزة أرضية، بصوت قوي، هادر، ومنظم
جاهزين بإذن الله.
تابع الشاب بنبرة قيادية حازمة رسمت خطة التحرك
كلنا هنرفع اللافتات وبصوت قوي هنردد مع بعض، هنخرج برة ونمشي في الشوارع بهدوء، لحد ما نوصل لميدان التحرير، وهناك فيه حشد تاني منتظرنا.
ثم استطرد بقوة وعينيه تلمعان بالإصرار
مظاهرتنا سليمة، الغرض منها توصيل صوتنا لأجهزة الدولة وللعالم كله إننا رافضين التغول والعدوان الغاشم للكيان الصهيوني المحتل.
تعالت الهتافات لتهز أركان المكان، وارتفعت اللافتات لنصرة القضية الفلسطينية، كان الطوفان البشري داخل الأسوار مرعبًا لدرجة جعلت أفراد أمن الجامعة يتملكهم الذعر، فأسرع مسؤول الأمن لإبلاغ عميد الكلية بالوضع.
لم يتردد العميد أمام هذه المسؤولية الجسيمة، وأصدر أمرًا فوريًا بغلق البوابات فورًا، وفي الوقت ذاته، أجرى اتصالاً عاجلاً برجال الشرطة، لم تمر سوى ربع ساعة حتى شق صمت الشوارع المحيطة دوي صفارات الإنذار، وتوقفت أربع سيارات شرطة ضخمة أمام الأسوار.
انفتحت باب السيارة الأمامية، ونزل منها ضابطًا شابًا حُبست الأنفاس فور ظهوره، اتجهت نحوه الأعين بفضول، إنه الرائد هشام موافي الحديدي، البالغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا.
كان يمتلك مظهرًا طاغيًا من الهيبة والوسامة، طويل القامة، بجسد رياضي متناسق كأنه نُحت بعناية، وملامح وجه حادة، جذابة، وصارمة تشي بجدية لا تعرف المزاح.
تحرك بخطوات ثابتة وواثقة نحو البوابة المغلقة التي كان الطلاب يتجمهرون خلف قضبانها الحديدية، وأصوات هتافاتهم لفلسطين تصم الآذان.
وقفهشام يتابع هذا الهيجان الثوري بنظرات غامضة، باردة، لا يمكن تفسيرها من خلف نظارته الشمسية السوداء.
كانت المظاهرة في غاية التنظيم والترتيب، ففي الصفوف الأولى وقف القائد الشاب محمولاً على أكتاف زملائه ليقود الهتاف، ويحيط به أصدقاؤه من الشباب والفتيات كدرع بشړي.
من بينهم كانت بسمة، التي لفت شال فلسطين الشهير حول كتفيها بنخوة، ورفعت لافتة بيضاء كُتب عليها بخط عريض عاشت فلسطين حرة مستقلة.
وسط هذا الوهج الحماسي، رفع الرائد هشام يده ببرود قاټل، وقال بصوت جهوري هادئ لكنه يحمل نبرة الآمر
بطل يا ابني أنت وهو اللي بتعملوه ده خلونا نعرف نسمع بعض.
خمدت الأصوات تدريجيًا وساد الصمت، ليوجه إليهم هشام سؤاله بنبرة متهكمة
ممكن أعرف آخرت الهبل اللي أنتوا عاملينه ده، وايه الغرض منه؟
رد القائد الشاب من فوق الأكتاف بقوة وثبات
طلبتنا بسيطة وواضحة يا فندم، عاوزين نخرج ونكمل مسيرتنا.
سأله هشام بهدوء وثقة حذرة
أنت بقى الزعيم اللي مجمع العيال دي معاك؟
لم تتحمل بسمة الكلمة، فاندفع صوتها حادًا وقويًا يخرق الصمت
إحنا مش عيال حضرتك، إحنا شباب وطلبة محترمين.
التفتت عينا هشام نحوها، ونقل نظراته الغامضة إلى ملامحها الثائرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، مجردة من أي مشاعر، وقال
ماشي يا ست المحترمة.
ثم أشار بيده نحو الساحة قائلاً بلهجة حازمة لا تقبل النقاش
ارجعوا لورا شوية وارموا اللافتات دي من أديكم، واقفوا طابور علشان نخرجكم من هنا، وكل واحد هيخرج يتفضل على بيته حالاً، وإلا..
وقبل أن يكمل وعيده، قاطعته بسمة بإصرار عنيد تلمع به عيناها
إحنا مش هنخرج من هنا غير على ميدان التحرير، حضرتك إحنا عاملين مظاهرة سلمية.
بأصابع واثقة وحركة تنضح بالجاذبية والهيبة، خلع هشام نظارته الشمسية السوداء، لتظهر عيناه الحادتان الفاحصتان.
حدق في وجهها مباشرة، وسألها بسخرية لاذعة
ويا ترى يا أستاذة سلمية، معاكم تصريح بالمظاهرة دي؟!
تدخل القائد مسرعًا ليخفف من حدة المواجهة، ورد بهدوء
إحنا قدمنا قبل كدا كذا مرة وطلبنا اترفض يا افندم، وبعدين يا فندم إحنا مش ناويين نعمل مشاكل، مظاهرتنا هتكون سليمة زي ما قولنا لحضرتك.
هز هشام رأسه، وتبدلت نبرته الساخرة إلى واقعية حازمة تشرح أبعاد الموقف الأمني
ده اللي أنت ناويه، لكن فيه ناس كتير بتحب تركب الموجة وتستغل التجمعات دي وتخلق فوضة صعب التحكم فيها، وللأسف بتنتهي دايماً بكوارث، بلدك فيه كتير مترصد لها، ومستنيين أي فرصة، علشان كده أي مظاهرة لازم تكون بتصريح ومؤمنة من قوات أمن لحمايتكم أولاً، ومنع أي أعمال شغب.
ثم تابع وهو يعيد نظراته الصارمة نحو الحشد
فعلشان تحافظوا على نفسكم وعلى أمن وأمان البلد، يلا ارجعوا لورا واقفوا لي طابور.
اڼفجر الحشد فجأة بالرفض القاطع، وتحولت الساحة إلى بركان غاضب، بدأت الحناجر تهتف بشعارات معادية للشرطة وتعنتها، وكانت بسمة في مقدمة الهاتقين بحماس أعمى، هنا، تحولت ملامح هشام إلى قناع من حديد، والټفت إلى رجاله قائلاً بصوت جهوري صارم
يلا يا ابني انتَ وهو لموا لي كل العيال المعترضة .
ثم الټفت بوجهه ونظر إلى بسمة مباشرة وعيناه تشتعلان بتحدٍ غريب، وأضاف
وأولهم أنسة سلمية،عاوزها تنور البوكس أول واحدة.
في ثوانٍ معدودة، انقلب المكان إلى هرج ومرج عارم. تقدم رجال الشرطة، وفتحوا البوابات الحديدية بقوة، واندفعوا داخل الفناء يلقون القبض على مثيري الشغب والطلبة المعترضين وسط صړاخ واشتباكات ملأت الأجواء صخبًا.
_______________
كان يستسلم لنوام عميق ومريح في غرفته بعد تجديدها بالكامل ككل أثاث منزلهم، مستمتعًا ب إجازته الخمسة عشر يومًا، فجأة، ټحطم هذا السكون پعنف إثر اقټحام والدته للباب، اندفعت نحوه بجسد يرتجف، والهلع يكسو ملامحها بالكامل، وهتفت بصوت
متابعة القراءة