الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
دون جدوى.
أمسك بهاتفه، وضغط على زر الاتصال برقم خاله، بينما كانت ضربات قلبه تتسارع في صدره كطبل حرب عڼيف، في تلك الأثناء، كان صادق يدفع عربة التسوق خارجًا من المتجرالسوبر ماركت
وقف أمام صندوق سيارته الخلفي وبدأ ينقل الأكياس إليه بآلية،اهتز هاتفه برنينه المألوف، أخرجه من جيبه، وما إن وقعت عيناه على اسم أشرف حتى شعر بغصة مريرة تطبق على أنفاسه.
تملكه العجز، فكيف يخبره أن ابنته قد رفضته؟ وكيف يجرؤ على تهشيم ذلك القلب العاشق؟ استمر في ترتيب الأكياس بنبضات متسارعة ويدين مرتعشتين قبل أن يجيب على المكالمة.
بعد تبادل السلام السريع، انطلق صوت أشرف بلهفة حاړقة لم يستطع إخفاءها
حضرتك كلمت دليلة يا خالي؟
أغمض عينيه بأسى، وأسند ظهره إلى السيارة متنهدًا، ثم قال بصوت متأثر
اه يا حبيبي كلمتها.
سأله بنفاد صبر ونبرة متوسلة
وقالت لك ايه؟
ابتلع ريقه، وحشد شجاعته ليمهد له الأمر قائلاً
أول حاجة عاوزك تعرف إني شايفك سيد الرجالة كلهم، وانا عمري ما أتمنى لبنتي سند وراجل أحسن منك.
تسلل الړعب إلى أوصاله ما إن استمع إلى هذه المقدمة التي لا تبشر بخير، فقاطعه بنبرة متوجسة
قولي رأيها بدون مقدمات يا خالي.
تصاعدت حرارة الخجل في جسد صادق، وسال عرق باردًا على جبينه لصعوبة الموقف، ثم زفر بقوة، ومسح جبهته وهو ينطق بالكلمات التي تمنى ألا يقولها أبدًا
دليلة بتقول إنها بتعزك زي أخوها يا أشرف، وللأسف يا ابني.
سقطت الكلمات على قلبه كصاعقة مزقته لاربًا. شعر پصدمة زلزلت كيانه، لكن شرارة الرفض لم تطفئ شعلة العناد في روحه.
فهي ليست مجرد رغبة عابرة، إنها حبيبته، حلمه الذي ولد بين ضلوعه وكبر مع كل نبضة حتى صار جزءًا من دمائه، لن يستسلم، ولن يتخلى عن حقه في المحاربة لأجلها حتى آخر نفس.
استجمع شتات روحه المبعثرة، وتحدث بلهجة حاول أن تبدو قاطعة، لكنها متحشرجة بالرجاء
أنا هطلب من حضرتك طلب، و لو ليا غلاوة في قلبك يا خالي توافق عليه.
أجابه صادق بنبرة حانية
قول يا ابني، ولو في إيدي صدقني مش هتأخر.
اندفع بالحديث دون تفكير، كمن يتشبث بالقشة الأخيرة قبل الڠرق، وهتف بصوت متهدج
أنا عاوز اتكلم مع دليلة، كفرصة أخيرة حضرتك هتقدمها لي، نتكلم لمدة شهر مثلاً، وأنا هحاول أقنعها بيا، وبعد المدة ما تخلص، لو رأيها فضل زي ما هو، هيكون ده نصيبي من الدنيا.
صمت لبرهة، ثم تلاشت نبرة التحدي ليحل محلها إحباط ثقيل واستسلام مرير وهو يتابع
وأنا هرضى بيه.
ساد الصمت لمدة ثواني، عجز فيهم صادق عن النطق، كانت نبرة أشرف ټنزف وجعًا وهو يستجدي تلك الفرصة، متمسكًا بآخر أنفاس الأمل للفوز بقلب ابنتة.
لامست حرارة صدقه الطاغي شغاف قلب صادق، تمنى من أعماقه لو يكون من نصيب ابنته، ليوارى قلقه الدائم عليها، وليرتاح باله وهو يودعها بين يدين حانيتين أمينتين.
طال صمته فتسلل القلق إلى قلب أشرف الذي سأله بحذرٍ وترقب
قولت إيه يا خالي؟
تنهد بعمق بعد تفكير طويل، وطرد حيرته قائلاً
حاضر يا أشرف، بس اصبر كمان أسبوع وأفاتحها في الموضوع.
أفلتت منه زفرة حزينة، وقال بإحباط لم يستطع كبحه
لسه هستنى أسبوع بحاله.
رغم قتامة الموقف، انطلقت ضحكة خاڤتة من فم صادق تفيضُ حنانًا وهو يقول
والله ما فيه حاجة مخوفاني منك إلا استعجالك ده.
قاطعه هاتفاً بعجالة، في محاولة مستميتة لتدارك الموقف وإصلاح ما يمكن إصلاحه
خلاص يا خالي اللي تشوفه أنا تحت أمرك فيه.
اجابه بنبرة رصينة هادئة، تحمل في طياتها صدقاً
أنا لو عليا أكلمها النهاردة، بس البنت لسه متأثرة من النتيجة، اديني أسبوع يكون التنسيق نزل وهي قدمت للجامعة وتكون هديت شوية.
تراجع أمام رغبة خاله، واجتاحت صوته نبرة رومانسية جارفة وهو يعلن موافقته
تمام يا خالي، وأنا هستناها، ولو وصلت لأني أستناها العمر كله هعمل كده، المهم في الآخر أنول مرادي وتوافق عليا.
أثلجت تلك الكلمات صدر صادق، ففاض قلبه بسعادة غامرة استشعرها من صدق حب أشرف لابنته، حينها فقط، تبددت مخاوفه وأيقن أن هذا الشاب هو الحصن المنيع الذي سيحمي دليلة من تقلبات الزمن، وهو الشخص الوحيد القادر على إسعادها.
تبادلا كلمات الوداع قبل أن ينتهي الاتصال، ليغرق أشرف في ترقب طويل وعزلة موحشة،بات أسيرًا لانتظارٍ مرير، ليس له فيه زادٌ سوى الأمل في أن يفي خاله بوعده.
________________
زحفت الأيام التالية ببطء شديد، حاملة معها أثقل أنواع الحروب، حرب الأعصاب والضغط الصامت من الجميع،فقد أصبحت سماعة الهاتف كعضو إضافي نبت في جسد دليلة، وسيلة تعذيب لا تهدأ تلاحقها بها عائلتها في كل ساعة.
كانت المكالمات تتناوب عليها بلا رحمة، فتارة تنفث رقية عتابها في أذنها، وتارة تمطرها عايدة بالنصائح ، بينما كانت أماني تحاصرها بعبارات باردة تطالبها فيها ب التفكير العميق وتغليب العقل.
وحتى الجدة وفاء، التي كانت تظنها الملاذ الآمن، انضمت إلى جبهة الحصار، ألقت بثقل سنوات خبرتها وطالبتها بفرصة لأشرف، مرددة بنبرة لا تقبل الجدال أنه فرصة هائلة لا يجوز تفويتها
عند نهاية كل ليلة، كانت تدير ظهرها للعالم، وتدس وجهها في وسادتها لتجهش پبكاء مرير، مستسلمة لدموع الألم التي باتت طقسها اليومي قبل النوم.
كانت تشعر بنفاذ الأكسجين من حولها، كأنها تقف في مركز دائرة، تحيط بها أبواق عائلية مفتوحة على آخرها، تطلق أصواتًا حادة تطن في رأسها بلا انقطاع.
اجتاحتها رغبة عارمة في أن ترفع صوتها وتصرخ بملء حنجرتها، أن ټضرب بيديها على هذا الجدار الخانق وتهتف في وجوههم، بأن يكفوا وليصمتوا
لكن الكلمة كانت ټموت في حلقها قبل أن تولد، فحياؤها الفطري، وتربيتها السليمة التي نشأت داخلها، كانت دائمًا أقوى من رغبتها في التمرد.
كانت الأغلال غير المرئية تمنعها من الصړاخ، لتظل محپوسة في صمتها، تدفع ثمن رغبة الآخرين في صياغة مستقبلها.
_______________
استيقظت بسمة من نومها بنشاط، دلفت إلى الحمام، توضأت ثم دلفت إلى غرفتها لتؤدي ركعتي الضحى پسكينة وهدوء، انتقت ملابسها بعناية وارتدتها، وقبل أن تغادر، اتجهت صوب المطبخ بحلته الجديدة، حيث كانت والدتها تقف أمام الموقد الحديث، ككل أجهزة المنزل بعدما جددت كل شيء بمال الجمعية، كانت غارقة في إعداد طعام الغداء وسط تصاعد الأبخرة وروائح الطهي الذكية.
تسللت من خلفها بخفة، وضمتها بحنان ، ثم طبعت قبلة رقيقة على وجنتها وهتفت بمرح
صباح الفل يا سمسم.
التفتت إليها ورمقتها بنظرة حائرة، وقد عقدت حاجبيها بدهشة قبل ان تقول
صباح ايه يا أم صباح؟ ده الظهر قرب ياذن يا بنتي!
ثم تفحصت هيئتها بنظرات فاحصة من منبت شعرها حتى أخمص قدميها، وأردفت بتساؤل
وبعدين انت لابسه ومتشيكه كده ورايحه على فين ان شاءالله؟
اتجهت نحو المبرد بخطوات مراوغة، أخرجت بعضًا من عُلب الجبن ومعجون الفراولة، المربى، ثم وضعتها على الطاولة الخشبية، التقطت قطعة من الخبز، وبدأت تفرد عليه الجبن بهدوء مصطنع وهي تجيب
رايحه الجامعه يا ماما وراجعة على طول.
توقفت سامية عما بيديها، وبدت على وجهها علامات الاستغراب الشديد التي سرعان ما تحولت إلى استنكار واضح، وقالت بنبرة لا تخلوا من الشك
جامعه ايه يا بت انتِ اللي هتروحيها في الاجازة؟ انتِ بتضحكي عليا يا بسمة؟!
قضمت قطمة صغيرة من شطيرتها، وحاولت جاهدة تبديد شكوك
متابعة القراءة