الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين

موقع أيام نيوز

وإصرار عنيد لم يفهمه، لم يستيقظ من سكرته إلا وهو يقتحم حديقة جدته بخطوات واسعة، متوجهاً صوب السلم الخشبي الموضوع على الحائط.
رفعه بقوة متناسياً خطۏرة الأمر، وخرج به إلى الشارع تحت نظرات الذهول من الجميع، جاءه صوت والدته فاطمة مستنكراً ومستفسراً بدهشة
واخد السلم ورايح بيه على فين يا أشرف؟!
تابع خطواته بثبات نحو البوابة الخارجية، وأجاب والدته بهدوء تام دون أن يلتفت خلفه
هعمل بيه حاجة يا ماما.
أسند السلم على عمود الكهرباء، وبدأ يتسلقه دون أدنى تفكير في الخطړ الذي يحدق به، أو الصعق الكهربائي الذي قد ينهي حياته في ثوانٍ.
كل ما كان يشغل عقله وقلبه في تلك اللحظة هو انتزاع غيمة الحزن التي رآها في عينيها الصغيرتين، ليعيد رسم تلك البسمة التي تضيء وجهها، وتُظهر اللمعة الساحرة التي تسكن عينيها كلما ضحكت من قلبها.
انتفضت فاطمة من فوق الدكة الخشبية پذعر، وصاحت بهلع وقد تملكتها الصدمة
بتعمل ايه يا ولا؟!
هرولت نحو الخارج بقلب يرتجف، ولحقت بها عايدة وأماني، بينما تبعتهن الجدة رقية بخطوات ثقيلة حتى وصلت إلى عتبة الباب الخارجي.
صړخت فاطمة وهي تترجاه بهلعٍ يملأ عينيها
انزل يا ابني لتتكهرب حرام عليك.
أجابها ونظراته مثبتة بالكامل على هدفه، بينما يداه تواصلان تسلق درجات السلم
هجيب الطيارة وانزل على طول يا ماما.
هتفت الجدة بنبرة يملؤها الخۏف والرجاء معاً
يا واد طيارة ايه اللي هتودي نفسك في شربة ماية علشانها؟! انزل وانا هبعت اجيب لك واحدة غيرها.
لم يكن يستمع لأحداً، أو بالأحرى، صم أذنيه عن كل الأصوات إلا صدى حزن صغيرته.
وصل إلى قمة السلم، ومد يديه بحذر شديد يبدد الخيوط المتشابكة والمعلقة بين الأسلاك، في تلك الأثناء، عادت دليلة وهي تمسك بقطع الآيس كريم تتناولها بعفوية، لتتسع عيناها پصدمة مروعة حين رأت ذاك المتهور يقف على ذلك السلم بارتفاع مرعب. تملكها الړعب، خاصة حين تعالت صرخات فاطمة النادبة
يا ابني انزل حرام عليك، انت ليه دايمًا غاوي توجع قلبي معاك؟!
حاول الحفاظ على ثباته وهو يعالج الخيوط العالقة، وأجابها محاولاً تهدئتها
ما خلاص بقى يا فيفي بطلي ندب، قولت لك هفوك الطيارة وانزل بسرعة.
صړخت عايدة بړعب وهي ټضرب كفاً بكف
قطيعة تقطع الطيارة على سنينها، انت عبيط يا ابني؟! يا ولا انزل لتتكهرب.
شاركتها أماني التضرع والدعاء وهي تهتف
يا حبيبي اسمع الكلام وانزل الله يهديك.
أما منى، فكانت تقف وعيناها مذهولتان لا تستوعبان هذا الجنون، كيف لشاب في مقتبل العمر أن يلقي بنفسه في جوف الخطړ، ويعرض حياته للمۏت من أجل قطعة ورق ملونة؟! هتفت بړعب تناديه
اسمع كلام مامتك وانزل يا اشرف، انت كده بترمي نفسك في التهلكة يا ابني.
تسلل شعور حارق بالذنب إلى قلب الصغيرة، أدركت أنها هي السبب في كل هذا الصخب والذعر، وبدأت دقات قلبها تقرع كالطبول خوفاً عليه.
سألت نفسها بړعب
ماذا لو أصابه مكروهًا، كيف ستعيش حياتها وهي تحمل ذنب مۏته؟كانت الأنفاس محپوسة، والعيون شاخصة ومذهولة، والجميع يقف في الشارع بقلوب ترتعش من فرط الخۏف والترقب.
أخيراً، نجح في فك خيوطها المتشابكة بحذر شديد، في دقائق مرت على الجميع كأنها سنوات من القلق والترقب، هبط درجات السلم بثبات وهو يقبض على الطائرة بيديه، بينما لم تفارق عيناه تلك الصغيرة الواقفة هناك، والذهول ما زال يبسط سيطرته الكاملة عليها.
استقبلته والدته بوابل من التوبيخ والصړاخ اللائم، لكنه تجنب الرد متحملاً ثورتها ببرود، فركن الطائرة جانباً، وحمل السلم ليعيده إلى مكانه بالداخل.
ومع تلاشي الخطړ، عادت العائلة تدريجياً لداخل المنزل، بينما خرج أشرف مجدداً إلى الشارع ليتفقد طائرته، فوجد دليلة لا تزال متسمرة في بقعتها، تعجز عن تصديق أنه جازف بحياته من أجلها.
ابتسم لها بهدوء بدد خۏفها، ثم توجه نحو الطائرة، حملها وجلس على تلك المصطبة الخرسانية الممتدة أمام الباب، في ثوانٍ معدودة، التفّ حوله أطفال العائلة يراقبون أصابعه وهي تبدأ في إصلاح التلف الذي لحق بها، بينما تحركت دليلة بخطوات وئيدة، واقتربت منه على استحياء.
لمح اقترابها، فرفع بصره ونظر إليها، ثم أشار بيده إلى المساحة الفارغة بجواره على المصطبة قائلاً
اقعدي.
امتثلت لإشارته وجلست بالفعل، وقبل أن تسبقها شجاعتها، سألته بنبرة خاڤتة
هو انت جبتها علشاني؟
أدار وجهه نحوها، وتلاقت عيناه بعينيها، فرفرف قلبه بين أضلعه حين رأى تلك اللمعة البراقة الساحرة التي تمنى رؤيتها تضيء مقلتيها، اكتفى بهز رأسه إيجاباً دون أن ينطق بحرف، فغمرتها سعادة طفولية عارمة.
أنهى إصلاح الطائرة، فتعالت تهليلات الأطفال وصيحاتهم، وكل منهم يرجوه أن يعطيه إياها، لكنه تجاهل صخبهم جميعاً، ومد ذراعه بالطائرة نحوها هي، قائلاً بنبرة حانية
يلا طيريها.
كانت ضربات قلبها تقفز من فرط الفرح والبهجة، فخطڤتها من يده بسرعة وبدأت في محاولة تحليقها، اقترب منها خطوة، ووجهها قائلاً
ارفعي ايدك لفوق علشان الهوا يطيرها.
هزت رأسها بطفولية، ثم التفتت إليه برجاء
طب امسك الخيط معايا علشان ايدي قصيرة.
ابتسم وتقدم خلفها، فقبض بيده الكبيرة على الخيط يشارك يدها الصغيرة توجيه الطائرة في السماء، تلاعب الهواء بها حتى كاد يقربها من العمود مجدداً، فسحب الخيط بحركة سريعة ومحترفة وهو يمازحها
لا بقولك ايه، المرة دي لو لفت على العمود مش هعرف اجيبها لك تاني، لان فيفي لو شافتني بقرب من السلم، هتجيبه هي.
وتابع مازحًا
بس علشان تعلقني مكان الطيارة.
انطلقت ضحكاتها فجأة بطريقة هيستيرية رنت في أرجاء المكان، تسمر في مكانه فجأة، وشخص ببصره نحوها، مركزاً في رنين ضحكتها وعينيها اللتين تقفز منهما السعادة قفزاً.
في تلك اللحظة، داهمه شعور غريب وعميق اجتاح كيانه بالكامل، شعر أن تلك الصغيرة تخصه وحده، وأن نظرتها وسعادتها وفرحتها هي مسؤوليته الشخصية منذ الآن وحتى نهاية العمر.
تنفس الصعداء براحة لم يعهدها من قبل، ووقف يراقبها بامتلاك وحنان وهي تقفز من حوله بسعادة وفرحة غامرة لم يشهد لها مثيلاً في حياته.
كانا يسترجعان تلك الذكرى الجميلة، يتشاركان تفاصيلها تحت وطأة ضحكاتهما الصافية ونقاشهما الذي اندمجا فيه لدرجة جعلتهما ينسيان توتر البدايات.
ضحكت دليلة بقوة من أعماق قلبها وهي تقول له بعفوية
بس انت كنت مچنون يا اشرف بجد، ازاي قدرت تطلع على العمود وتغامر بحياتك علشان حتة طيارة؟!
تبدلت لهجته في الحال، وانتقلت نبرته من المرح إلى رزانة بالغة يقطر منها الهيام والعشق، وهو يجيبها بنبرة اخترقت حصونها
أنا ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا، علشان خاطر بس اشوفك سعيدة يا دليلة.
ساد الصمت فجأة، وانعقد لسانها وتملكها خجل شديد جعل وجنتيها تشتعلان حمرة، تنحنحت بارتباك محاولة الهروب من حصار كلماته، وقالت له بحذرٍ
طب أنا هقفل بقى يا أشرف علشان خارجة مع ندى صاحبتي.
تنهد بعمق، محاولاً تهدئة ضربات قلبه التي تسارعت فجأة، ثم قال بنبرة هادئة ومستسلمة
تمام، بس هو انا ينفع أكلمك بالليل شوية؟
أغلقت عينيها بضيق حاد، فهي لا تزال غير متقبلة لفكرة ارتباطهما، وينازعها في صدرها شعور غريب ومتناقض، لا يمكنها إنكار أنها استمتعت بالحديث معه، وأن السعادة غمرتها وهي تسترجع ذكريات طفولتها وتضحك من قلبها، لكن شعورها بأنها مجبرة على هذا التواصل كان يضع قفلاً ثقيلاً على قلبها ويجعلها تنفر من الموقف بكامله.
حين طال صمتها شعر أشرف بالخذلان، فقال بنبرة انكسار حزينة
لو
تم نسخ الرابط