الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين

موقع أيام نيوز

نحو غرفتها قائلة بهلعٍ
ادخلي جوة يا مقصوفة الرقبة، غيري هدومك قبل أبوكِ ما يجي ويشوفك بالمنظر ده ويجرى له حاجة بسببك.
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب، لترتمي على سريرها وټنفجر في بكاء مرير، تختلط فيه مشاعر الخۏف بالمهانة.
في الخارج، زفر رشيد بضيق شديد، ثم أمسك بكريم الذي كان يتنفس بسرعة من فرط عصبيته، وقاده برفق نحو الأريكة، قائلاً في محاولة لتهدئته
تعال اقعد يا كريم وصل على النبي كده.
هز كريم رأسه پجنون، وقال وهو يجلس مرغماً
أهدى إزاي يا رشيد؟! ده احنا سيرتنا هتبقى على كل لسان في الحتة.
أجابه بنبرة عقلانية وهدوء استدعاه بصعوبة 
وأهل الحتة هيعرفوا منين بس يا ابني؟
عقب كريم بيأس
هي في حاجة بتستخبى؟ ما الهانم معاها بنات هنا من الحارة في كلية القاهرة، وأكيد الطلبة بتبلغ بعضها.
نظر إليه بعمق، محاولاً تهوين الأمر والدفاع عن شقيقته 
حتى لو ده حصل إيه المشكلة؟ هي أختك كانت عملت إيه يعني؟ عيلة متهورة وطلعت في مظاهرة، لا عملت شيء مخل ولا حاجة لا قدر الله توطي راسنا.
قطع نقاشهما صوت حركة المفتاح في الباب الخارجي، انتفضت الأم، ومسحت دموعها بكم ثوبها بسرعة، والتفتت إليهما محذرة بنبرة هامسة متعجلة
أبوكم جه، أوعى حد فيكم ينطق قدامه بحرف من اللي حصل.
ولج عبد الرحمن، يحمل بطيخة كبيرة بين يديه، ووجهه يكشف عن إرهاق يوم طويل، نظر إلى تجمعهم غير المعتاد وقال بنبرة هادئة
السلام عليكم.
رد الجميع السلام بصوت واحد محاولين رسم ملامح طبيعية، أسرع رشيد نحوه وأخذ منه البطيخة متوجهاً بها إلى المطبخ، بينما اقتربت سامية من زوجها بابتسامة باهتة وقالت
تسلم إيدك، تعيش وتجيب لنا يا أخويا، على ما تغير هدومك وتصلي العصر هكون جهزت لكم الغدا.
مرت الدقائق الثقيلة كأنها دهور، حتى وضعت الأم الطعام وبدأوا بتناول الغداء معاً في جو مشحون بالتوتر، الټفت عبد الرحمن حول المائدة ولم يجد ابنته، فسأل بفضول 
أمال فين بسمة؟.
سارعت سامية بالإجابة بنبرة عادية مصطنعة 
دي عندها صداع ونامت يا اخويا.
تنفس الجميع الصعداء بعد أن انطوت هذه الصفحة الصعبة من اليوم، ومرت العاصفة بسلام.
_____________
بمنزل فاطمة، جلست برفقة رقية، عايدة، وأماني، تحدثت عايدة والبهجة تلمع في عينيها وهي تبشرهم بنبرة حماسية
مش أنا كلمت أشرف امبارح وقال لي إنه بدأ يكلم دليلة، وقالي كمان ان فيه بوادر خير، وأنا بكرة هتصل بدليلة وأجس نبضها.
لم تكد تنهي بجملتها، حتى التفتت إليها فاطمة، وبدت على ملامحها الجدية والانزعاج، وهي تقول بنبرة حاسمة 
بقول لك إيه يا عايدة، ابعدي خالص عن الموضوع ده وسيبي البنت هي اللي تقرر بنفسها، وتقول إذا كانت عايزاه ولا لأ.
امتعضت ملامح رقية، واعتلت وجهها دهشة ممزوجة بضيق، وراحت تهتف بكلماتٍ عاتبة
جرى لك إيه يا فاطمة؟ أنتِ كل ما واحدة فينا تتكلم تقولي ابعدوا عن الموضوع وسيبوا البنت براحتها.
وتابعت مستنكرة 
دي عيلة صغيرة ولازم نوعيها على مصلحتها.
تنهدت فاطمة بثقل، ونظرت إلى والدتها بعينين يملؤهما الخۏف والقلق، وقالت مدافعة عن وجهة نظرها
يا ماما أنا عايزة البنت تختاره بمزاجها ومن غير ضغط، عشان بعد كده ما يحصلش في الأمور أمور وأخسر أنا أخويا فيها.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتابع بنبرة جادة 
أنا كلمت أشرف وقلت له آخرك معاها الشهر ده، ولو البنت قالت لأ تبقى هي حرة وإياك تضغط عليها تاني، هي ولا خالك.
اتسعت أعين الحاضرات بدهشة واستغراب، وتبادلن نظرات صامتة ومليئة بالتساؤلات.
كن يظنن أن فاطمة ستكون أول من يطير فرحاً بهذا التقارب، فهي تحب دليلة من أعماق قلبها، لكن هوس فقدان شقيقها، وذلك الخۏف المرعب من خسارته إن فشلت تلك الزيجة، كان يفرض سيطرته الكاملة على مشاعرها، ويبدد أي بارقة سعادة .
______________
مع مرور الأيام، بدأ أشرف في نسج خيوطه الساحرة بحرفية حول دليلة، واضعاً ڼصب عينيه تحدياً واحداً لا بديل عنه، وهو أن يغزو قلبها البرئ ويجعلها تذوب عشقاً فيه.
توالت مكالماتهما اليومية على مدار عشرة أيام، كشِباكٍ من حرير، طوق بها قلبها حتى تعلقت به تمامًا دون أن تدرك، وغدت دقات الساعة وهي تعلن التاسعة مساءً اللحن الأجمل لمسامعها،والطقس المقدس الذي لا تكتمل سعادة يومها إلا به.
لكن في اليوم الحادي عشر، دقت الساعة التاسعة، ولم ينير هاتفها بحروف اسمه،انتابتها حيرة ممزوجة بغصة غريبة، وظلت تطالع شاشة هاتفها المظلمة، منتظرة لقرابة ساعة كاملة، والوقت يمر كأنه دهر.
وعندما استبد بها القلق ولم يأتِ صوته، هربت من جدران غرفتها الضيقة ونزلت لتجلس مع والدتها في حديقة المنزل، مستسلمة لنسيم الليل، لكن عقلها كان شاردًا بعيداً، يبحث عن تفسير لغيابه المفاجئ.
تكرر المشهد الصامت في اليوم التالي، جاءت التاسعة، فصعدت غرفتها بلهفة تخفيها عن الجميع، لكن الهاتف ظل على صمته العنيد.
تملكها ضيقٍ عارم من ذلك ال أشرف، وراحت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق متزايد، لمعت في رأسها فكرة أن تبادر هي بالاتصال لتطمئن عليه، لكن كبريائها وخجلها الأنثوي منعاها، وتحت هذا الحصار، لم تجد ملاذاً سوى صديقتها ندى، فطلبت رقمها على الفور وقصت عليها ما حدث بنبرة متوترة.
أجابتها ندى مستغربة
طب وأنتِ زعلانة ليه؟ أنتِ أصلاً مجبرة على مكالماته.
شعرت بارتباك شديد، ووجنتيها اشتعلتا حمرة، فهتفت بسرعة محاولة مداراة ملامحها حتى عن نفسها
هو أنا بقول لك إن أنا زعلانة؟! أنا بس مستغربة،وخاېفة ليكون جرى له حاجة ولا تعبان.
انطلقت ضحكات ندى عبر الهاتف، وقالت بنبرة ذات مغزى ومشاكسة
شكلك بدأتي تتعلقي بيه يا قطتي.
انتفضت وكأنها تنفي عن نفسها تهمة عظمى، وراحت تقول بنبرة متلاحقة مليئة بالإنكار
أتعلق إيه بس يا بنتي! أنا زي ما قلت لك بالضبط، خاېفة ليكون تعبان، في الآخر هو ابن عمتي برضوا.
كررت ندى ضحكتها، وقالت متهكمة
هحاول أصدقك.
شعرت دليلة أن حصونها تكاد تتهاوى أمام ذكاء صديقتها، فسارعت إلى تغيير مجرى الحديث كلياً، قافزة إلى موضوع آخر لتلوذ بالفرار من تلميحات ندى التي أيقظت في صدرها مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.
________________
جاء اليوم الثالث، وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً، جلست إلى الطاولة تتناول العشاء مع والديها وشقيقها، جسدها وحده هو من كان حاضراً، بينما تاهت عيناها وهي ترمق الساعة المعلقة على الحائط بين الثانية والأخرى بلهفة قلقة.
لم ټفت تلك النظرات المشتتة والدتها التي تنفست الصعداء في تنهيدة صامتة، لقد أدركت بغريزتها أن ابنتها قد وقعت في شباك العشق بالفعل، وأن قلبها بات معلقاً بذلك الصياد الماهر.
أنهت طعامها بسرعة وتوتر ملحوظين، ثم نهضت قائلة بنبرة مهتزة
أنا طالعة أوضتي يا ماما، عاوزه حاجه؟
أطرقت منى بصرها نحو صحن طعامها، وانعكس قلقها على وجهها الذي توشح بحزن باهت، من شدة الخۏف على صغيرتها، وقالت بنبرة ساكنة
اطلعي يا دليلة.
على الجانب الآخر، كانت نظرات صادق تتابع ابنته الراحلة بملامح هادئة، وكأنه يرى الأمور تسير في نصابها الصحيح.
دلفت دليلة إلى غرفتها، والتوتر يأكل ثباتها، نظرت إلى هاتفها للحظات، ثم ألقته فوق الفراش وعادت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً في حلقات مفرغة، وكل بضع دقائق تطالع ساعة معصمها بقلب يخفق پعنف.
وما إن أعلنت العقارب تمام التاسعة، حتى التفتت نحو الهاتف الملقى على الفراش، وعيناها
تم نسخ الرابط