الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين

موقع أيام نيوز

تلمعان بأمل يترقب تلك النغمة المألوفة، مرت دقيقة، ثم دقيقتان، وأصبحت الساعة التاسعة ودقيقتين دون جدوى.
أصيبت بإحباط شديد، واجتاحتها موجة من الضيق والخذلان، وكادت أن تستسلم لليأس، لولا أن انشق صمت الغرفة فجأة برنين الهاتف ، لتضيء الشاشة باسمه، طارت فرحاً، وجرت نحو الفراش تلتقط الهاتف بلهفة عارمة لم تستطع تزييفها، ضغطت زر الرد قائلة بملء صوتها المشتاق
ألو.
جاءها صوته من الطرف الآخر مسترخياً ومفعماً بهدوءٍ مريب
إزيك يا دليلة؟
أثار هذا البرود المصطنع حنقها، وامتزج شوقها بحدة وڠضب طفولي كأنها تعاتبه على قسۏة غيابه، فسألته بنبرة لاذعة
أنت ما رنتش ليك يومين ليه؟!
رغم أن قلبه كاد يرقص طرباً من فرط السعادة بلمس ذلك الاهتمام وتلك اللهفة الواضحة في صوتها، إلا أنه حافظ على نبرته الهادئة والمقصودة لإتمام خطته، وأجابها متصنعاً الأسف
معلش، اليومين اللي فاتوا كان عندي شغل كتير جداً وكنت برجع البيت متأخر.
ثم أردف بحجة ذكية 
وكنت بخاف أرن عليكِ لتكوني نايمة.
سارعت بالنفي لتنزع عنه ذلك العذر، وقالت دون تفكير
أنا مش بنام بدري على فكرة.
اتسعت ابتسامته، وغمره شعور بأن الأرض لا تسعه من فرط البهجة والانتصار، وبكل جرأة، ووثوق عاشق يدرك مدى جاذبيته، باغتَها بسؤال مباشر
وحشتك؟
صُعقت من جرأته، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل الطاغي، فالتزمت الصمت تماماً، عاجزة عن الرد.
أدرك حرجها، فابتسم والتف حول السؤال بلطف مغيرًا صيغته
قصدي يعني، وحشك كلامنا وحكاوينا بتاعة كل ليلة؟
تسللت ابتسامة رقيقة إلى شفتيها، وتلاشت حصون كبريائها أمام نبرته المهلكة، فقالت بعفوية
بصراحة، آه.
ثم تابعت بحماس أخذ يجرفها دون وعي 
تعرف لما ما كلمتنيش امبارح، قعدت أفتكر كلامنا أول يوم عن الطيارة، و......
ولم تكد تكمل عباراتها، حتى قاطع سيل كلماتها بصوت عميق ودافئ، هز كيانها وأوقف الزمن من حولها حين قال
دليلة أنا بحبك، وخلاص مبقتش قادر أكتمها جوايا أكتر من كده.
نزلت الكلمة على قلبها كزلزال عڼيف بعثر دقاته، وبدون وعي منها، شعرت بانتفاضة تسري في جسدها بالكامل، بينما واصل أشرف حديثه بنبرة مغلفة بالصدق وعشق جارف وصل للمنتهى 
وأنتِ كمان على فكرة بتحبيني.
وتابع يشرح لها
لهفة صوتك وأنتِ بتردي عليا النهاردة فتنت عليكِ.
ثم أردف بيقينٍ حازم 
زعلك مني وأنتِ بتلوميني أكدوا لي إني بقيت كل دنيتك، زي ما أنتِ كل دنيتي.
حين طال صمتها، انخفض صوته إلى همس دافئ دغدغ حواسها
ساكتة ليه يا حبيبتي؟
أحدثت كلمة حبيبتي رجة أخرى في كيانها، وشعرت وكأنه يتعمد حصارها بمشاعره من جميع الجهات ولا يترك لها منفذاً للهروب.
أغمضت عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية عذبة، تحمحمت محاولة استجماع شتات صوتها، وراحت تقول بحرج
عاوزني أقول إيه؟
أجابها بسرعة ولهفة عاشق ينتظر الخلاص
قولي إنك موافقة وريحي قلبي بقى.
رغم أن حصونها بدأت تتهاوى بالفعل، وقلبها أخذ يميل نحوه بوضوح، إلا أنها تراجعت خطوة للوراء بدافع الخۏف والتردد، وقالت بصوت متهدج
اديني شوية وقت يا أشرف، مش عاوزة أقول ردي غير لما أكون حساه قوي ومقتنعة.
أتاها رده بنبرة صارمة تشملها الجدية، نبرة رجلٍ يمتلك القدرة على ترجمة بريق عينيها، وقراءتهما حتى من وراء شاشة الهاتف
أنتِ حبتيني خلاص يا دليلة، ولسه هتوصلي في حبي لدرجة عمرك ما كنتي تتخيلي إنك توصلي ليها،خليكِ فاكرة الكلام ده كويس أوي،لأني بكرة هفكرك بيه يا قلبي.
ثم تابع بمرونة وثقة فائقة 
على العموم أنا هنفذ لك اللي أنتِ عاوزاه وهسيبك براحتك، هسيبك لحد ما تيجي لي بنفسك وتقولي لي.
صمت لثوانٍ معدودة، قبل أن ينطق بحروف يقطر منها الهيام تقطيرا
بحبك ومبقتش قادرة أستغنى عنك يا أشرف
كانت كلماته تتوالى لتثير فوضى عارمة في مشاعرها البكر وتهز أركان كيانها، ولولا حيائها الفطري، لأعلنت له في تلك اللحظة بالذات، أنه غدا يسكن أدق تفاصيل حياتها.
أطلق زفيراً حاراً تختبئ خلفه مشقة يومه الطويل، ثم قال بنبرة خاڤتة 
أنا هقفل بقى عشان هقوم بدري.
سألته بلهفة عفوية لم تستطع كبحها
لسه بدري؟
اتسعت ابتسامته بزهوٍ، وسكنت سعادة الدنيا بأسرها قلبه، فراح يجيبها بصدق وعذوبة
ڠصب عني والله، اليومين دول عندي تقفيل حسابات في الشركة والمزرعة وهلكان ما بينهم.
أومأت برأسها بتفهم، وقالت بصوت ناعم
أوك، ربنا معاك.
همس لها بصوتٍ دافئ يفيض عشقاً وهياماً
تصبحي على خير يا نجمتي.
اتسعت حدقتاها من فرط المفاجأة،وراحت تردد بغير تصديق
نجمتك؟
انطلق رده كالسهم دون تردد أو تفكير، وكأن الكلمات كانت تتأهب على شفتيه
أيوا يا دليلة، أنتِ نجمتي العالية اللي عشت عمري كله أحلم بيها.
ثم أضاف بصوتٍ مخملي هامس، تقطر من حروفه لوعة التمني
ومكمل على أمل إني أطولها وألمسها بإيديا.
شعرت كأنها فراشة ترفرف بجناحيها الزاهيين وتحلق بعيداً فوق السحاب، وبمجرد أن أنهت المكالمة، دارت حول نفسها في أرجاء غرفتها،لتتراقص بخفة كالفراشات.
هرعت نحو النافذة، وظلت تتأمل النجوم المتلألئة في السماء، وتدندن معها بسعادة وهيام لا يوصفان، كانت هذه المرة الأولى التي تتذوق فيها حلاوة هذه الأحاسيس وتقتحمها تلك المشاعر الجارفة.
اندفعت نحو هاتفها لتتصل بندى دون تردد، فقد ضاق صدرها بفيض الفرحة، وقررت أخيراً أن تبوح لها عن تلك المشاعر الجارفة.
مرت خمسة أيام أخرى، في كل ليلة، ومع اقتراب الساعة التاسعة، كانت تهرع نحو غرفتها لتنتظر موعد اتصاله وكأنها تترقب هلال العيد بلهفة.
وبخبرته العريضة، كان يعرف كيف يعلقها به أكثر مع كل يوم يمر، ويزيد من جرعة اشتياقها له، حتى جاء صباح يومٍ استيقظت فيه وقد حسمت أمرها واتخذت قرارها النهائي.
نزلت إلى الطابق السفلي لتجد والدتها في المطبخ، فسألتها بهدوء مصطنع
فين بابا يا ماما؟
أجابتها دون أن تلتفت
قاعد برة في الجنينة.
ثم تابعت وهي تسكب القهوة في الفنجان
خدي القهوة دي معاكِ وديها له.
التقطت الفنجان وتوجهت صوب الحديقة،لتجد والدها يتهادى بخطوات ساكنة بين ظلال الأشجار. دنت منه والبسمة ترتسم بعذوبة على محياها، وقالت
صباح الخير يا بابا.
الټفت صوبها وانفرجت أساريره عن ابتسامة حانية، وبسط كفه ليأخذ منها الفنجان وهو يقول
صباح النور يا حبيبتي.
وقفت أمامه، وأخذت تفرك يديها بتوتر بدا واضحاً على ملامحها المرتبكة، وقالت بصوت متهدج
بابا، كنت عاوزة أقول لك على حاجة.
ارتشف رشفة من قهوته، ونظر إليها بحنو بالغ وهو يقول
قولي يا قلب بابا.
بلعت ريقها بصعوبة، واستدعت كل ما تملك من شجاعة وقوة للافصاح عما يجيش به صدرها، وقالت بنبرة قاطعة
أنا موافقة على خطوبتي من أشرف.
انتهى الفصل 
لَوْلاَ_الغَرَامُ_روز_أمين

تم نسخ الرابط