الفصل الخامس والعشرون لولا الغرام بقلم روز أمين
المحتويات
وأرض ايه،ما تبطلي بقى دور المحقق كونان اللي عايشة لنا فيه طول الوقت ده يا انتصار.
أمسك هاتفه وتوجه بخطوات سريعة نحو الشرفة المطلة على الشارع ، ثم أجاب بنبرة تغلفها الهيبة والوقار
أهلاً يا باشمهندس.
جاءه صوت رشيد عبر الطرف الآخر مفعماً بالاحترام
أهلاً بحضرتك يا هشام بيه.
وتابع ببعض الحرج والتحفظ
اتمنى مكونش أزعجتك ولا اكون اتصلت في وقت مش مناسب لحضرتك.
أجابه بأسلوب راقٍ يحمل الكثير من الود وبساطة تعمد بها كسر الكلفة والحواجز بينهما
خالص، وبعدين انت مسموح لك تتكلم في اي وقت.
شعر رشيد بالامتنان لتواضعه، فرد بهدوء
متشكر يا فندم، أنا اتصلت علشان أشكرك على اللي عملته معانا في النادي، حقيقي لافتة...
قاطعه بنبرة مرحة وخفيفة متجاوزاً عبارات الثناء المعتادة
الموضوع بسيط ولا يستحق الذكر
واستطرد بلُطفٍ زائد
تعرف، احلى حاجة في الموضوع إيه، اني سمعت صوتك.
سرى في نفس رشيد شعور بالارتياح الشديد لشخصية هشام، فقد راق له هذا المزيج من الاحترام والتقدير للآخرين، خاصة وأن هناك فئة ليست بالقليلة من رجال الشرطة يتملكهم الغرور والتعالي فوق الجميع وفوق القانون نفسه، مما أساء للصورة العامة، لكن هشام كان تجسيداً لنموذج مختلف تماماً.
استغل هشام هذا القبول وقرر التودد أكثر ليدخل إلى دائرة رشيد المقربة، فقال بذكاء ولباقة
ايه رأيك اعزمك بكرة في أي مكان على فنجان قهوة، ونقعد ندردش شوية؟
أجابه بنبرته الهادئة المعتادة
ده شرف ليا أكيد يا فندم، بس بكرة وبعده حنة وفرح اخويا الكبير.
ابتهجت أساريره وعلق بهدوء
ألف مبروك، وعقبالك.
شكره قائلاً
الله يبارك في حضرتك، وعقبالك لو مكنتش متجوز، ولو مت...
قاطعه للمرة الثانية مجيبا إياه برزانة
لسه يا باشمهندس، دعواتك.
علت وجهه ابتسامة عفوية، ثم دعا له بصدقٍ
ربنا يرزقك ببنت الحلال، اللي تستاهل تكون زوجة لحد محترم زي جنابك.
أمّن على دعائه متمنياً في سره أن تكون هي بعينها. شعر رشيد ببعض الحرج ، فقال على استحياء مغامراً بالدعوة
كنت أتمنى لو حضرتك تشرفنا، بس انا عارف مشغوليات جنابك.
رد بلهفةٍ كمن يقتنص فرصة انتظرها طويلاً
أكيد ليا الشرف احضر.
اتسعت عينا الآخر بذهول واندهاش من موافقته الفورية ، وسأله بغير تصديق
بجد حضرتك هتحضر؟
أكد له بجدية واهتمام
قولي العنوان والميعاد بالظبط وان شاء هكون موجود.
راح يملي عليه تفاصيل العنوان بدقة، وفجأة، دوت في المكان نبرة صوتها المألوفة والمشاكسة وهي تقترب حاملة بين يديها القهوة الساخنة
عملت لك فنجان قهوة اتحداك تكون شربت زيه في أي مكان.
تصلب رشيد في مكانه والټفت نحوها بسرعة، مشيراً بسبابته على شفتيه بتحذير صارم لتصمت، فابتلعت بقية كلماتها، حاول تدارك الموقف وتغيير مجرى الحديث بسرعة قائلاً ل هشام
تمام يا فندم، هستناك تشرفنا.
أدرك هشام بذكائه لمن يعود هذا الصوت، وابتسم وهو يجيب
أكيد، تصبح على خير يا باشمهندس.
رد بوقارٍ
وحضرتك من أهله.
دققت النظر في عينيه، وسألته بنبرة تفيض بالفضول
كنت بتكلم مين؟
أجابها بجدية مصطنعة
وانت مالك يا حشرية؟
ثم تابع يلومها بنبرة حازمة
وتاني مرة لما تلاقيني بكلم حد صوتك ما يطلعش.
وضعت كوب القهوة على الطاولة المجاورة بهدوء، ثم اقتربت تداعب وجنتيه برقة ومشاكسة قائلة
انتِ بتغيري عليا يا بيضة؟
نفض يدها عن وجهه وقال محذراً
اتلمي.
زفرت بضيق مصطنع، وعقبت وهي تتراحع للخلف
انا غلطانة اني بدلعك.
ثم التفتت إليه وتابعت بسخرية تنقل له واقع الحصار بالأسفل
أمك بتقول لك انزل سلم على خالتك ونسرين.
زفر بضيق ونفاد صبر من هذه المحاولات المستمرة، وقال متهرباً
انزلي ولو سألتك تاني قولي لها حاضر وتوهي.
رفعت كتفيها بقلة حيلة دلالة، وقالت
انت حر.
استدارت وتركته لتنزل إلى الأسفل، بينما تحرك هو نحو مقعده، وجلس يرتشف قهوته في استجمام تام، مستمتعاً پسكينة الليل وهدوء النسمات التي أنسته ضغوط العائلة ولو لحين.
______________
في غرفة صادق، كان يجلس على طرف فراشه واضعاً الهاتف على أذنه، يستمع بتركيز إلى أشرف الذي كان يطلعه على ما توصل إليه من حلول وتنازلات لتقريب وجهات النظر.
ورغم كل ما سمعه، كان التردد لا يزال ينهش عقله، فما كان من أشرف إلا أن قال بنبرة حملت بداخلها كل معاني الرجاء
يا خالي ارجوك بص لي بعين الرحمة واعتبرني ابنك.
أجابه بنبرة صادقة خرجت من أعماق قلبه
وهو انا مش بعتبرك ابني يا اشرف؟
رد عليه ضاغطاً بنعومة
طب لو فعلاً ليا غلاوة عندك توافق، من الاخر يا خالي انا مش هقدر استنى اربع سنين بحالهم، انا بحبها، والله العظيم هشيلها جوة عيوني وهعمل المستحيل عشان تكمل تعليمها وتحقق كل اللي بتتمناه واكتر كمان.
تنهد بضيقٍ وهو يطرح عليه أكبر مخاوفه
طب وانا اضمن منين اني بعد ما اوافق وتتجوزوا، ما يحصلش حمل وبنتي مستقبلها كله يضيع؟
بادر إلى تبديد شكوكه بوعد قاطع
قبل الفرح هنروح لدكتورة وحضرتك هتكون معانا علشان تطمن.
ظل يلح عليه ويستميت في اقناعه، حتى ضعفت مقاومة صادق أمام هذا الإصرار الجارف، فقال مستسلماً
تمام يا اشرف، بس الجواز بعد سنة تانية، مش اولى، البنت حتى تكون كملت عشرين سنة.
ورغم أنه كان يمني نفسه بالزواج بعد سنتها الأولى، إلا أنه وافق على الفور، فعامين في الانتظار تبدوان بالتأكيد أرحم بكثير من أربع سنوات عجاف بعيداً عن حبيبته.
أنهى المكالمة بعد أن أغرق خاله بعبارات الشكر والامتنان.
في تلك الأثناء، كانت منى قد خرجت للتو من الحمام الملحق بالغرفة، وعلامات الصدمة ترتسم على وجهها بعد أن التقطت مسامعها أطرافاً من الحديث.
سألته بذهول نابع من خۏفها
ايه الكلام اللي انا سمعته ده يا صادق؟ انت هتجوز البنت في اجازة سنة تانية بجد؟
زفر باستسلام،ثم تحدث محاولاً تهدئتها
الولاد متفقين مع بعض يا منى، وموافقتي كانت تحصيل حاصل.
انتفضت وصاحت بحدة معترضة، والرفض يشعل عينيها
انت سامع نفسك بتقول ايه؟ هي مين دي اللي اتفقت وقررت؟
ثم أشارت نحو الباب بذهول عارم وتابعت
دليلة العيلة اللي معندهاش اي خبرة بقت بتتفق وتقرر وانت تأمن وراها؟!
وقفت تلهث وتتنفس بصعوبة جراء الانفعال والتعب وهي تضيف بمرارة
بنتك ضاعت خلاص يا صادق، بقت لعبة في ايد ابن اختك، وكل اللي يقولها عليه تقوله امين.
نهض مسرعاً صوبها بعدما رأي اعيائها، أمسك بيدها يسندها بحنو وهو يقول بلهفة
اهدي يا منى وتعالي اقعدي.
أجلسها برفق على المقعد، وناولها كوباً من الماء البارد لتستعيد أنفاسها، وبعد أن ارتشفته وهدأت ثورتها قليلاً، بدأ يشرح لها بهدوء تفاصيل الاتفاق والضمانات التي قدمها أشرف، فما كان منها إلا أن هزت رأسها بحدة ورفض مطلق
ده كلام بينيمك بيه يا صادق، ووقت الجد هيعمل اللي في دماغه ومحدش ساعتها هيقدر يعترض ولا ينطق، لانها هتكون مراته ومحدش ليه الحق يراجعه.
حاول بث الطمأنينة في قلبها وقال مدافعاً
والله يا منى انت ظالمة الولد، اشرف بيحبها بجد وهيعمل المستحيل عشان يسعدها، وبكرة هفكرك.
تنهدت بعمق، مستسلمة للأمر الواقع، وإن كانت نظراتها تحمل تعجباً كبيراً من ثقة صادق المبالغ فيها.
اقترب منها وطبع قبلة حانية على جبينها وهو يقول
اهدي يا حبيبتي واتمنى لهم السعادة، وان ربنا يتمم لهم الموضوع على خير.
دعت الله في سرها أن ېكذب ظنونها، ويثبت أشرف مع الأيام أنه الرجل المناسب لابنتها.
_______________
انقضى الليل وأشرقت شمس يوم جديد، حاملة مع خيوطها الذهبية آمالاً تتجدد ووعوداً تولد من رحم الانتظار.
كان في طريقه إلى عمله، يقود سيارته والراحة تكسو ملامحه، أمسك بهاتفه
متابعة القراءة