الفصل الخامس والعشرون لولا الغرام بقلم روز أمين

موقع أيام نيوز

على وقاره واحترامه للرجال الجالسين بينهما، فلم يلتفت صوبها رغماً عن الشوق الجارف الذي كاد يفتك به لرؤية عينيها.
وفجأة، قرر أن يسرق نظرة سريعة لطمأنة قلبه، لكن النيران اندلعت في صدره بغتةً، حين رأها تقف وتتحدث مع سامر، وكان الأخير يمازحها بينما تبدو هي مندمجة في الحديث وتضحك برقة.
بلحظة تحول شوقه إلى غضبٍ عارم كبركان ثائر يوشك أن يدمر كل ما حوله، تملكه الړعب من فكرة أن يكون هذا الشاب حبيبها، أو ربما خطيبها، فرغم خلو أصبعها من الخواتم، إلا أن الشكوك نهشت عقله فربما لم يشتروا خاتم الخطبة بعد.
حين نهض رشيد برفقة والده للاشراف على البوفيه، وجدها فرصة سانحة، بدأ يراقب تحركاتها بدقة، وما إن رآها تغادر القاعة متجهة نحو الممر المؤدي إلى دورات المياه، حتى انتظر ثوانٍ معدودة وتبعهما بخطوات واثقة.
ما إن خرجت من الحمام، حتى باغتها بالوقوف أمامها، ودون أدنى تردد تحدث بقوة 
ازيك يا بسمة؟
التقطت أنفاسها وسط ارتباكها وأجابت 
الحمد لله
لم يمنحها فرصةً لالتقاط أنفاسها، بل حاصرتها عيناه اللامعتان بنيران الغيرة وهو يلقي سؤاله الاستجوابي
مين اللي كنتي واقفة معاه جوة؟!
رمقته باستغراب ودهشة من هجومه المفاجئ، فتابع يحدد لها بحدة
اللي لابس بدلة رصاصي.
ابتلعت ريقها من شدة وطغيان نظراته، وأجابته بصوت خاڤت مرتعش
ده سامر زميل رشيد اخويا، ويعتبر متربي مع رشيد.
هدأت ثورته قليلاً، وسألها بنبرة منخفضة تحمل التملك
زي اخوكِ يعني؟
هزت رأسها إيجاباً بنعم، فاستطرد موجهاً لها أمراً صارماً لا يقبل النقاش
ما تبقيش تقفي مع حد تاني وتضحكي ،علشان أنا مبحبش كده .
عادت لتبتلع ريقها من جديد، فنبرته الجادة الحازمة لم تترك لها مجالاً للمعارضة، وفجأةً، تلاشت ملامحه القاسېة وهو يتأمل تفاصيل حجابها وثوبها، ثم قال بنبرةٍ دافئة تذيب الصخر
على فكرة، فستانك حلو قوي.
ثم أمال برأسه قليلاً، وهمس وعيناه ټغرقان في عينيها بنظرةٍ تفيض بالرومانسية
بس عيونك أحلا .
ألقى كلماته الساحرة واستدار يغادر المكان بخطوات سريعة متلاحقة، تاركاً إياها في حالة من الصدمة،
لتقف مشدوهةً بعينين متسعتين وملامح يكسوها الذهول.
حاولت تنظيم أنفاسها المتلاحقة، ووضعت يدها فوق موضع قلبها الذي كان يدق پعنف كطبول حرب طاحنة، لم تكن صورته وهو غاضب تفارق خيالها، والكم الهائل من الراحة والاعجاب الذي شعرت به حين تغزل بها، جعل قلبها يهوي صريعاً في شباك عشقه.
توجهت من الممر إلى القاعة بعد أن استعادت شتات نفسها، لتجده يقف مستأذناً من شقيقها رشيد الذي علق بأسف
على طول كدا يا فندم؟
أجابه بوقار ولباقة
كفاية كده علشان عندي ميعاد، وكمان علشان تعرف ترحب بضيوفك وتقف مع اخوك.
وتابع بابتسامة هادىة
انا من وقت ما جيت وانا مكتفك جنبي.
صافح الجميع مودعاً، وفي طريقه إلى البوابة برفقة رشيد، التقت خطواته بخطواتها. توقف أمامها مباشرة، ونظر إليها قائلًاازيك يا بسمة؟
ابتلعت ريقها محاولة السيطرة على ارتباكها الواضح، وأجابت بصوت مرتعش
الحمدلله.
نظر إليها بعينين تفيضان بالحنو والوعود، نظرة جعلت الفراشات تداعب أسفل بطنها وقلبها يرفرف عالياً في سماء عشق عينيه، ثم قال
عقبالك.
لم تقو على النطق، فاكتفت بهز رأسها بخجل، ليتابع هو طريقه إلى الخارج برفقة شقيقها الذي خرج لتوديعه.
تنفست الصعداء بعمق، وأطلقت زفرة طويلة وكأن أنفاسها كانت مكتومة ومحتبسة طوال فترة وجوده.
_______________
خرج من الحفل واستقل سيارته، يقودها بآلية وعقله مشتت بالكامل،راح يطوف بشوارع المدينة دون وجهة محددة، حتى وجد نفسه يصف السيارة أمام ضفاف النيل .
ترجل منها ووقف يستنشق الهواء البارد، وهو يستغرب حاله بشدة، لم يكن يفهم مطلقاً ما الذي يحدث له، ولا كيف تحول إلى شخص آخر لا يعرفه.
أخذ يوبخ ذاته على ما فعله مع تلك الفتاة منذ قليل، كيف سمح لنفسه بالضعف والركض خلفها كالمراهقين؟ كيف اندفع وراء غضبه ليحاسبها على هوية الشخص الذي تقف معه؟
عامت أفكاره في بحر من اللوم العڼيف وهو يتساءل كيف عرض هيبته واسمه للخطړ وهو يذهب خلفها، وماذا لو رآهما أحدًا، كيف كان سيكون موقفه وهيبته كضابط شرطة؟
كانت كل هذه الأسئلة تعصف برأسه پعنف وتطالبه بالتعقل، وفجأة، طاخ قلبه بكل هذا المنطق، وحطّم القواعد والقيود بكلمة واحدة صدمت روحه،
أنا أحبها
.نعم، لقد استطاعت تلك الشرسة المشاكسة أن ټقتحم عالمه الحذر بنعومة، وتكسر قيوده الحصينة التي طالما تفاخر بها.
نظر إلى السماء الصافية وكأنما يرى فيها وجهها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة غارقةً في الرضا، هو الذي قضى عمره كله لا يؤمن بالحب ويرفض الانصياع له، يقف الآن مبهوراً، غارقاً بكل كيانه في عمق عينيها، يحمل في صدره امتناناً عظيماً لتلك اللحظة التي هزمت كبرياءه، وجعلته يعشق هذا الضياعَ.
____________
مر الوقت سريعاً كقطارٍ لا يتوقف، تعلقت دليلة ب أشرف إلى حد الجنون، حتى أصبحت لا ترى الدنيا ولا تبصر جمالها إلا من خلال عينيه.
عاد من ديار الغربة في السعودية بالأمس، حيث استقبله علي في المطار واصطحبه مباشرة إلى المنصورة.
كان الشوق ېمزق صدره، وكاد يجن لولا أنه كبح رغبته في الذهاب إليها أولاً، فخوفه على مشاعر والدته، ومنعاً للمشاحنات التي قد تثيرها إن تركها وتجاهل تجهيزاتها الفاخرة واستعدادات الطعام التي عكفت عليها لأسبوع كامل، جعله يتراجع، فهو اليوم يعود إلى أرض الوطن للمرة الأولى منذ سنوات طوال.
قضى يومه الأول بين أحضان عائلته، وفي اليوم المشهود، احتشد أفراد العائلة جميعاً واستقلوا الحافلات متجهين صوب القاهرة إلى منزل صادق، لشراء الشبكة والمبيت هناك استعداداً لحفل الخطوبة المنتظر غداً.
في غرفتها، كاد قلبها يتوقف من فرط الفرحة الطاغية، انتقيت أجمل فساتينها وارتدته بعناية، فاليوم ستكحل عينيها برؤية حبيبها بعد غياب السنين، واليوم ستستقبله بثوب جديد، فطوال عمرها لم تره سوى ابن عمتها، أما الليلة، فستنظر إليه بعيون الحب.
كانت تقف أمام مرآتها والتوتر يغمرها، بينما تولت ندى تزيين وجهها برقة، لاحظت ندى ارتعاش جسدها، فأمسكت بيدها محاولة طمأنتها وقالت
يا بنتي اهدي شوية، جسمك كله بيتنفض يا دليلة.
التقطت أنفاسها بصعوبة بالغة وأجابت بنبرة واجفة
خاېفة اوي يا ندى، مش عارفة هعمل ايه لما اشوفه.
ابتلعت ريقها وتابعت بهمس مرتعش
خاېفة قلبي وعيوني يفضحوني قدامهم يا ندى.
تعالت ضحكات ندى لتبدد توتر الأجواء، وعقبت بمرحٍ
سبحان مغير الاحوال، اللي كان يسمعك من تلات شهور بس وانتِ بتتكلمي عنه ومش طيقاه، ما يشوفك الوقت وانتِ عيونك بتطلع فراشات.
انفتح الباب وولجت منى، وما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تسمرت في مكانها من فرط الذهول، فقد تجلى على ملامح دليلة جمال ساحر لم تعهده فيها من قبل، وكأن الفرحة الطاغية قد انعكست على وجهها لتزيده نورًا، بينما صبغت حمرة السعادة وجنتيها برقة.
تلمست موضع قلبها، وراحت تقرأ المعوذتين في سرها لتحصن ابنتها من كل عين حاسدة، فربما كانت هي الأخرى بحاجةٍ لأن يطمئن قلبها برؤية هذه الفرحة العارمة التي تشع من عيني صغيرتها. اقتربت منهما وسألت بنبرةٍ تفيض حناناً
جاهزين؟
أجابتها دليلة بنبرة متلهفة
اه يا ماما.
بينما كُنَّ غارقاتٍ في تبادل أطراف الحديث، تناهت إلى مسامعهنَ أصوات محركاتٍ تعلن وصول السيارات، ولم تكد دليلة تستمع إلى الصوت حتى نفد صبرها، فاندفعت تهرول صوب نافذة الغرفة لتسترق النظر وتُكحّل عينيها بطلته، تحت نظرات والدتها منى
التي وقفت ترمقها باستغرابٍ وذهولٍ شديد من هذا التحول المفاجئ لشخصية ابنتها إلى النقيض تماماً
أزاحت دليلة الستار بلهفة ونظرت من النافذة، وفجأة.
انتهى الفصل 
لَوْلاَ_الغَرَامُ_روز_أمين

تم نسخ الرابط