الفصل الثالث من رواية لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
فناولته الكوب وقالت بابتسامة يملؤها الرضا
اتفضل الشاي يا ابو كريم
تناوله منها وتحدث بابتسامة هادئة
تسلم ايدك يا ام كريم
وأشار لجواره
تعالي ريحي رجليكي،ربنا يجازيكي خير على تعبك معانا
جاورته الجلوس وأمسكت بكوبها، فيما ارتشف هو من كوبه بشرودٍ لاحظته سامية، فسألته باهتمامٍ
مالك يا اخويا؟ فيه حاجة مضايقاك؟
أخذ يتنفسُ بعمقٍ قبل أن ينطق بصوتٍ يملؤه الهم
الدنيا بقت صعبه أوي يا سامية، البنت كبرت ومحتاجه تتجهز، وزي ما انتِ شايفه، الحال على القد، ويا دوب اللي جاي على قد اللي رايح
مسحت على كتفه بمؤازرة، ونطقت بنبرة يملؤها التفاؤل لتخفف عنه
روق كده وصل على النبي، ما تشيلش هم بكرة، ربك هيدبرها ان شاء الله، بكره رشيد يتخرج ويشتغل
وتابعت بنبرة متفائلة
بيقولوا فلوس البترول دي حلوة أوي، يمكن ربنا يكرمنا فيه ويشتغل في مكان حلو، وساعتها يساعدك في جهاز اخته
وعلى ذكر اسمه خرج من غرفته لينطق بممازحة وهو يتطلع على والديه
ده ايه الروقان اللي انتوا فيه ده،قعدة حلوة وأم كلثوم، وشاي
وتابع وهو يغمز لأبيه ممازحًا
مش كبرنا على الشقاوة دي ولا إيه يا حجوج.
تعالت ضحكاتهما على ملاطفة نجلهما، قبل أن يلتقط الهاتف ويمضي نحو غرفته، تاركاً خلفه نظرات والده المستغربة وتساؤلاته الحائرة
هو ابنك بيكلم مين كل يوم في نفس الميعاد يا سامية ؟!
ردت ببرود
هيكون بيكلم مين يعني، تلاقيه واحد صاحبه.
عاد إلى منزله بصحبة والديه،وما إن خطت قدماه إلى الداخل حتى هرع إلى غرفته متلهفاً، أمسك بسماعة الهاتف وطلب رقم عزيزة العين والروح، فجاءه صوت والدتها مرحباً به بحفاوة
ازيك يا عليوازي ماما وبابا
بخير يا ماما الحمدلله... قالها بفتورٍ ليتابع متلهفًا
ممكن بعد اذنك أكلم داليا
أه طبعاً يا حبيبي، هدخل لها التليفون حالاً...وضعت سماعة الهاتف جانبًا وتحركت صوب غرفة ابنتها، فتحت الباب لتجدها مستلقية بوضعية الجنين فوق السرير، فنطقت وهي تتطلع إلى الهاتف القابع على الطاولة المجاورة لسريرها
ارفعي سماعة التليفون علشان علي على الخط يا داليا
بعينين ثابتتين في نقطة اللا شيء، همست بخفوتٍ وروحٍ مکسورة
قولي له نايمة.
رفعت حاجبها استنكارًا، ثم قالت بلهجة حادة
ما انتِ صاحية يا بنتي وبتردي عليا اهو!
هتفت بنبرة حادة وقد اسټنزفت آخر قطرات صبرها
يو يا ماما، قولي له زي ما قولت لك وخلاص.
أشاحت الأم بيدها وهتفت بلهجة غاضبة
وأنا هوجع قلبي ليه، يكش ټولعوا انتوا الاتنين.
رفعت السماعة وتمتمت ببرودٍ
بتقول لك نايمة يا علي
أغمض عينيه يعتصرهما بشدة، ثم تمتم بنبرة غُلفت بانكسارٍ مرير
تمام يا حبيبتي، تصبحي على خير.
أطلق زفرة حارة، ثم تحرك نحو سريره ليلقي بجسده المنهك فوق الفراش، راح يتأمل سقف الغرفة، ويمزقه الندم وهو يلوم نفسه على ما بدر منه، وكيف تسبب في حزن حبيبته ونزول دموعها.
في الصباح، اجتمعت السيدة رقية وعائلتا نجليها في الفيراندا بعد تناول وجبة الإفطار، هتفت دليلة تسأل جدتها ببراءة
هما عماتي هييجوا امتى يا تيتا، أصلهم وحشوني أوي
ارتشفتْ السيدة من كوبِ الشاي وهمت بالردِ، لكن صوت لُبنى الساخر قاطعها
لحقوا يوحشوكي امتى يا دليلة، دول لسه ماشيين من كام ساعة يا ماما؟!.
رمقتها الجدة بنظراتٍ فاحصة، ثم قالت بتهكمٍ لاذع
ماشاء الله عليكِ يا بنت محمد، طالعة لأمك في كل حاجة
ثم لوت ثغرها بازدراء وأردفت بلهجة متهكمة
على رأي المثل، إكفي القدرة على فمها تطلع البنت لامها
تجهمت ملامح سوزان، وانتفضت تسألها بنبرة جافة
حضرتك تقصدي إيه يا طنط؟
تطلعت منى على زوجها بريبة، بينما تدخل محمد مسرعًا ليقطع عليهما حبل الحديث، حاسمًا صراعًا كاد أن يشتعل
ماما ما تقصدش حاجة يا سوزان.
ومال يهمس لها
أرجوكِ عدي الزيارة دي على خير، وأنا اوعدك، مش هتنزلي البلد تاني غير في المناسبات المهمة أوي
أجابته بهمسٍ غاضب
والله ما بقيت طايقة انزلها ولا حتى في المناسبات يا دكتور.
وقف صادق وتحدث إلى والدته
أنا هتصل بالبنات ييجوا علشان ننزل نشتري الهدايا يا ماما
نطقت منى بصوتٍ خاڤت مراعاةً لمشاعر زوجة أخيه، كي لا تشعر بالتفرقة في المعاملة بينها وبين شقيقاته
خد دكتورة سوزان ولُبنى معاك يا صادق
رمقتها رقية بنظراتٍ ڼارية، قبل ان تهتف برفضٍ قاطع
هتروح فين يختي وتسيب البيت يضرب يقلب، مواعين امبارح مكومة جوة محتاجة تتغسل،وهتزودو أكل على بتاع امبارح علشان يكفي
وتابعت بوجهٍ عابس
البنات مش هيعملوا حاجة النهاردة، كفاية عليهم هدت حيلهم في اليومين اللي فاتوا
تطوعت لمنع تجدد الاشتباك مرة أخرى بين المرأتين
انا هعمل كل حاجة يا طنط، لازم يختاروا الهدايا على ذوقهم ومقاساتهم
تحدث صادق بهدوء
اتفضلي اجهزي يا دكتورة، وانا هكلم البنات حالاً.
ردت بترفعٍ وعزة نفس
ميرسي لذوقك يا أستاذ صادق ،وصدقني ملوش لزوم، أنا والولاد مش محتاجين حاجة
هترفضي الهدية ولا ايه يا دكتورة؟
رد محمد سريعًا
هي ما تقصدش يا صادق، بس احنا مش حابين نغرمك
يا سيدي غرمني أنا راضي... قالها ممازحًا شقيقه، وتابع
قوم جهز نفسك انتَ كمان علشان نخرج كلنا مع بعض
ثم الټفت نحو والدته وتابع حديثه بنبرة حنونة
وانتِ يا ست الكل، مش هتنزلي معانا؟
هو انا بقى فيا حيل للخروج واللفلفة يا صادق
حاوطت كفه بخاصتها وهي تقول
أهم حاجة تراضي اخواتك البنات، دول غلابة وأي حاجة بترضيهم.
انسحب محمد وعائلته إلى الأعلى لتبديل ملابسهم، بينما توجهت منى إلى المطبخ؛ ليخلو المكان للسيدة ونجلها المقرب إلى قلبها، تحدث إليها بهدوء
مالك ومال سوزان يا ماما، مش طايقة وجودها في البيت ليه؟
هتفت وكأنها كانت تحتاج لمن يبادر بسؤالها
دي هي اللي مش طايقة نفسها من ساعة ما رجلها خطت البلد يا ابني، شايف قاعدة تبص علينا وعلى البيت ازاي؟ محسساني إنها الملكة نازلي واحنا عبيد أبوها
لم يستطع كبح ضحكاته أمام سخرية والدته، ليقول بعدما استعاد هدوءه
معلش يا حاجة، تعالي على نفسك شوية واستحملي علشان خاطر محمد ما يزعلش، وبعدين دي في بيتك ، يعني ضيفة والضيف ليه حُسن الضيافة، ولا إيه يا حاجة رقية
مال يقبل يدها لتبتسم، وتمرر يدها الأخرى فوق شعره بحنان، استمتع بلمستها كأنه عاد طفلاً، تمدد على الأريكة واضعًا رأسه في حجرها، فغمرت السعادة قلبها،مررت أصابعها الدافئة بين خصلات شعره برفق وعطف شديدين، كانت حركاتها البطيئة تداعب خصلات شعره كأنها تغزل له خيوطًا من الأمان والطمأنينة،ومع كل لمسة حانية من أناملها، كان يفرغ شحنات تعبه ، فتساقطت أثقال الحياة عن كاهله، استسلم تمامًا لهذه اللمسات، وأغمض عينيه بارتياحٍ عميق، مستمعًا إلى أنفاسها الهادئة التي بدت له كأجمل لحن في الكون يعيد لروحه السکينة التي افتقدها طويلًا في رحلة سفره الشاقة.
همس يسألها وقد تملك الحنين للماضي من كيانه
فاكرة زمان يا ماما، ما كنتش بنام ولا عيني تغمض إلا لما تلعبي لي في شعري
من يومك وانتَ حنين يا صادق.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يقول
ربنا يخليكي لينا وتفضلي منورة دنيتنا يا ماما.
تسللت الراحة إلى صدرها من جراء كلماته، فأتسعت ابتسامتها تلقائيًا، ولم تتوقف يدها الحنون عن تخلل خصلات شعر ذلك الخلوق.
تحدث إليها من جديد
بقول لك إيه يا ماما، ما تيجي معانا تقعدي لك أسبوع؟ وبالمرة تشوفي ذوقي في البيت الجديد، الجو هناك هيعجبك أوي.
أشرق وجهها بابتسامة دافئة وهي تهمس لولدها بملاطفة
أسبوع بحاله!، طب قول يوم ولا حتى يومين تبقى
متابعة القراءة