الفصل الثالث من رواية لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
مبلوعة،ما انتَ عارف إني مبعرفش أقعد ولا ارتاح غير في بيتي يا صادق
تعجب من حديثها فنطق مستنكرًا
طب ما هو بيتي هو بيتك يا ماما.
ربتت على ذراعه وهي تقول
ربنا يجعله عامر بحسك وحس عيالك يا حبيبي
وتابعت بنبرة حنون
انتَ مش بتقول انك هتدبح عجل علشان ربنا يبارك لك في البيت ويكفيك شړ العيون
أومأ لها فتابعت
خلاص، يوم ما تدبح هاجي لك أنا واخواتك البنات، نبارك لك ونجيب لك الواجب بتاع البيت معانا، ونقعد يومين معاك.
تنوري القاهرة كلها يا ست الكل...تبسمت له وتابعت بمداعبة شعره بلمساتٍ تشعُ حنانًا.
تجلس خلف مكتبها في أجواءٍ مشحونة بالتوتر، الكل يراقب تلك العابسة التي تعقد حاجبيها بشدة، عينيها مثبتتين على الأوراق التي أمامها بتركيزٍ مبالغ، على بُعد خطوات قليلة، وفي المكتب المواجه لها تماماً، كان ساندًا ظهره للخلف، تاركاً مكتبه شاغراً بملفات لم يلمسها منذ أن حضر، كانت عيناه تتبعان كل حركة تصدر عنها، يراقب ڠضبها الطفولي، طريقة قلبها للأوراق وحتى زفراتها الحارة، ينظر إليها بحزن عميق، متمنياً لو ترفع عينيها لثانية واحدة، ليخبرها عبر النظرات عن حجم أسفه وعن الرغبة العارمة في محو ذلك الخلاف السخيف.
لم يعد يحتمل فهب واقفًا ليتجه نحوها، مال على مكتبها وهمس
هو احنا هنفضل زعلانين كده كتير؟
لم تعر لحديثه أدنى اهتمام، بل تابعت عملها بجدية تامة، زفر بحدة قائلاً
داليا
لم يجد منها ردًا فتابع
بصي لي يا داليا، داليا بصي لي.
قال الأخيرة بعصبية حادة لترفع وجهها إليه هاتفة بحدة
عاوز إيه يا علي؟
بنبرة أشبهُ بالهمس الباكي أجابها
عاوزك ترضي يا داليا، مش عارف أركز لا في شغلي ولا في أي حاجة من امبارح
والمطلوب؟!... قالتها بجدية وصرامة، لينطق بضعفٍ
ترضي يا داليا.
هتفت بقوة
انتَ عارف كويس إيه اللي هيرضيني، بس انتَ ولا عاوز تريحني ولا تريح نفسك
تنهد قبل أن يقول بوعدٍ
هعمل لك كل اللي انتِ عوزاه
امتى؟! قالتها بحزمٍ ليجيبها واعدًا
أول ما خالي صادق يمشي هفاتحهم في الموضوع
رمقته بنظراتٍ حاړقة ليتابع هو متعللاً
مهو مش معقول يعني الراجل جاي يقعد معانا كام يوم، أقوم أنا ضارب كرسي في الكلوب وأقفل الليلة،
وتابع مفسرًا
هو انتِ فاكرة إن فيفي هتعديها؟!، دي هتخرب الدنيا وهتقلب الترابيزة على الكل .
دي أخر فرصة ليك يا علي
استفزه اسلوبها ليسألها متحديًا
وبعدها هتعملي ايه بقى ان شاءالله؟!
لم تستطع التماسك أكثر فاڼهارت لتقول وهي تحجز دموعها بمقلتيها بصعوبة
حرام عليك اللي بتعمله فيا ده يا علي ، أنا تعبت، والله تعبت.
اعتصر قلبه حزنًا عليها وهمس بصوتٍ حنون غامرًا إياها بنظراتٍ تشع غرامًا
هو انتِ مش بتثقي فيا يا داليا؟
همست بهدوءٍ
لو ما بثقش فيك مكنتش سلمتك قلبي وأمنتك على نفسي يا علي، بس ماما كل شوية تسألني عن الموضوع وانا أصبرها وأقول لها خلاص هانت، وهيفاتحهم قريب، وانتَ مش مقدر حجم الضغط اللي انا فيه،ماما قلقانة من رد فعل أهلك ودا حقها يا علي.
نطق يوعدها
والله العظيم هقول لهم أول ما خالي يسافر، عاوزة حاجة تاني؟
تلاقت العيون فتوقف الزمان عن الدوران لينصت فقط لنبضيهما، تطلعت في عمق عينيه، ليغوصا معاً في بحرٍ عميق من الغرام المتجدد، حيث لم يعد هناك مكانًا للخصام، طالعته بدفءٍ وهي تتأمل صدق اعتذاره المرسوم في تفاصيل ملامحه،وترقرقت في عينيها لمعة رضا ،أشرقت على شفتيها ابتسامة حنونة، حملت في طياتها صك الغفران، لتعلن بها نهاية الجفاء وولادة فجر جديد لقصة عشقهما العظيم.
كان يذرع موقع حراسته إيابًا وذهابًا، وعلامات الاضطراب باديةً عليه،ما أن انتهت مناوبته حتى هرع إلى الكانتين وطلب من الشاويش فتحيأن يهاتف عائلته مرةً أخرى، وبعد عدة محاولات منه وافق الرجل مضطرًا، بناءًا على المعرفة التي تربطه بالسيد عزام، طلب رقم منزل جدته، ثم انتظر الرد.
كان البيتُ شبه خالٍ إلا من السيدة الجالسة فوق مقعدها الأثير بالفيراندة، تتأمل ملكوت الله وتسبح بحمده على مسبحتها الخشبية، والسيدة منى المنغمسة في شؤونها المنزلية وتجهيز ما نقص من وجبة الغداء، في الحديقة، كان بعض أطفال العائلة يركضون ويمرحون، وكانت هي الأخرى تلهو مع شقيقها والبقية، حين تناهى إلى مسامعها صوت جدتها تناديها
التلفون بيرن يا دليلة، اجري بسرعة شوفي مين ليكون أبوكِ
هرعت صوب الهاتف الأرضي، والتقطت السماعةَ بلهفةٍ قائلةً بصوتٍ يفيضُ حماساً
ألو،مين بيتكلم
لم يتعرف على صاحبة الصوت فسألها
أنا أشرف عزام، مين اللي معايا؟
هتفت بحماسٍ بعود لعشقها لكل ما هو تابع لعمتها فاطمة
أنا دليلة يا أشرف
انتفض قلبه فرحًا دون أن يعي السبب، ليتساءل بلهفة
أزيك يا دليلة، عاملة إيه يا بنوتة
إبتسمت لدلال ابن عمتها المفضلة وقالت
الحمدلله كويسة.
ارتفع صوت الجدة وقد تملكها الفضول
مين يا دليلة؟!
رفعت صوتها لكي يصل إلى تلك العجوز
دا أشرف إبن طنط فيفي يا تيتا
طب هاتي لي التليفون بسرعة... استمع لصياح جدته فتحدث سريعًا
طمنيني الأول عليكِ، مبسوطة إنك رجعتي مصر؟
اتسعت ابتسامتها وهي تقول
أوي أوي، متتخيلش فرحت قد إيه
هشوفك لما أنزل أجازة أكيد...قالها بنبرة ناعمة فابتسمت تجيبه بمجاملة
إن شاءالله.
ناولت الهاتف لجدتها وهرولت إلى شقيقها تتفقده كما وصاها والديها.
عاد صادق وباقي أفراد العائلة قبل غروب الشمس، محمّلين بالهدايا الثمينة التي أدخلت الجميع في حالة مزاجية رائعة، لم يبخل عليهم بأي شيء، بل غمرهم بمحبته وكلماته الطيبة وحسن لسانه قبل ماله، مما جعل شقيقاته، وبالأخص عايدة، يشعرن بسعادة تطال عنان السماء.
اشترى عِقدًا من الذهب الخالص وقدمه لوالدته مما أدخل السرور على قلبها، لا لحاجتها للمشغولات الذهبية فلديها منها العديد من القطع،بل لأنها لمست مدى اهتمامه الكبير وحرصه على كل ما يسعدها.
تناول الجميع الطعام والحلوى التي اشتراها صادق، ثم رحل محمد وأسرته محملين بالهدايا التي غمرهم بها شقيقه.
بعد عدة أيامٍ، تحركت عائلة رجل الأعمال الثري منير الخولي في قافلة من السيارات السوداء الفارهة، تتهادى ببطء مهيب كأنها موكب ملكيّ يشق صمت المدينة، استقل السيد منير وزوجته المقعد الخلفي لسيارتهما خلف السائق الخاص، بينما استقل سامح وزوجته سيارة ثانية، وفي سيارة أخرى، جلست نهلة برفقة شقيقها رفيق الذي رافقته خطيبته يارا. ويُعد رفيق الابن الثاني بعد سامح، والوحيد الذي ارتبط عن قصة حب نشأت بينه وبين شقيقة صديقه بالجامعة، ولولا التوافق المادي والاجتماعي بين العائلتين، لما وافقت السيدة رانيا على تلك الخطبة .
وفي سيارة أخرى، كان تامر يرافق شقيقه الأصغر، وكيل النائب العام رائد الخولي، تتبعهما سيارتان مدججتان برجال الحراسة الخاصة، لتأمين حوت الأعمال وعائلته
وقفت السيارات أمام بوابات ذلك المنزل المهيب، حيث يتأهب الحراس بملابسهم الرسمية المنسقة لفتح الأبواب، ترجل الجمع، وتحركت تلك العائلة الأرستقراطية بخطواتٍ مدروسة.
استقبلهم عند مدخل المنزل رئيس الخدم ببدلته الرسمية، ليقودهم عبر ردهة واسعة تتزاحم على جدرانها لوحاتٍ تجمع سيد المنزل ببعض رموز الدولة
في صالون الاستقبال الفخم، كان معالي المستشار وزوجته بانتظارهم، لم يكن اللقاء مجرد خطوبة، بل كان أشبه بجبهتين ديبلوماسيتين تلتقيان لتوقيع معاهدة سلام ومصالح مشتركة، جلست العائلتان وحضرت العروس كانت باهرة الحُسن، فتاة في مقتبل العمر تشع حيوية ونقاءً، مما أثار دهشة نهلة وعجبها من رضوخ هذه الجميلة لزيجة تراها مهينة بكل المقاييس،تحركت العروس لتُلقي تحيتها على الحضور، فبادر تامر بالوقوف متوددًا
متابعة القراءة