الفصل التاسع من لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
الدنيئة التي حيكت ضده في الخفاء، وسط ذهول وصدمة كل الحاضرين من مدى حقارة ذلك الصديق المزيف.
في ردهة قصر منير الخولي الفارهة، كانت نهلة تهبط درجات السلم الرخامي الممتد من الطابق الثاني، حين انفتح باب القصر الداخلي ليدلف منه شقيقهارائد، في التوقيت ذاته، خرجت راندا من مكتب زوجها، وقفت بشموخها المعهود وكبريائها الذي يغلف كل حركاتها، ووجهت نظراتها ترحيبًا بابنها قائلة بنبرة وقورة
حمد الله على السلامة يا سيادة المستشار.
رسم على شفتيه ابتسامة روتينية هادئة أملتها عليه طبيعته وأجابها
الله يسلمك يا ماما.
واستطرد يسألها عن شقيقه
هو حسام موجود؟
أجابته بهدوء وثقة
آه يا حبيبي، فوق مع مراته.
قطبت جبينها وسألته
بتسأل عليه ليه؟!
رد مقتضبًا
كنت محتاج أسأله في حاجة ضرورية في الشغل.
في تلك الأثناء، اقتربت نهلة منهما، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة وهي توجه حديثها لشقيقها
إزيك يا رائد.
رد بهدوء
إزيك انتِ يا نهلة، أخبارك إيه؟
نظرت إليه بهدوءٍ وصفاءٍ تجليا في نبرات صوتها وهي تقول
بيرفيكت.
ابتسم بهدوء، بينما اقتربت منه والدته لتعدل له ربطة عنقه بعناية، وسألته بنبرة عتابٍ مبطن
إنتَ مابتخرجش خطيبتك ليه يا رائد؟
ضيق بين عينيه باستغراب، وسألها مشككًا
هي اشتكت لحضرتك؟
نفت الأمر سريعًا، وهزت رأسها بثقة وثبات وهي تقول
خالص، البنت هايلة وفرحانة بيك جداً، مفيش مناسبة أشوفها فيها أو أكلمها في التليفون إلا وتقولي فيك شعر.
ثم تابعت بنبرة حذرة حملت نوعًا من الريبة
بس أنا مش عاوزاك تهملها، وتوصلها لمرحلة لإنها تشتكي من عدم اهتمامك.
أومأ لها بتفهمٍ، فتابعت هي بجدية وحزمٍ تحت نظرات نهلة التي كانت تتأملهما بتعجب، مستغربة من آلية تفكير هؤلاء البشر وجفاف مشاعرهم
أنا هحجز لكم بكرة في الأوبرا، في حفلة الساعة تمانية.
أجابها باقتضابٍ
أوك يا ماما، هبقى أعمل حسابي.
لم تستطع الصمت، وقررت التدخل بتلقائية،فتمتمت باعتراضٍ
أوبرا إيه يا ماما اللي هتحجزي فيها لبنت عندها واحد وعشرين سنة؟.
ثم التفتت إلى شقيقها، وتابعت بحماس جارف لمع في عينيها
وديها سينما يا رائد، احضروا فيلم رومانسي أو حتى أكشن، هات لها فشار وآيس كريم، واقعدوا اتكلموا مع بعض، اسألها عن نفسها واهتماماتها، بتحب إيه وپتكره إيه
وتابعت بنُصحٍ صادق
البنات بتحب الأجواء دي جداً، وأكيد ده هيقربكم من بعض أكتر.
وضع يديه في جيبيه ببرودٍ يخفي خلفه كبرياءً مفرطًا، ووجه إليها نظرة فاحصة، تحت مسمع ومرأى من والدته التي كانت تتابع الموقف بابتسامة ساخرة، الټفت إليها وسألها بنبرة حملت في طياتها تهكمًا مبطنًا
خلصتي كلامك؟
شعرت بسخريته عبر سؤاله، فالتزمت الصمت واكتفت بهزة واهنة من رأسها، معلنةً استسلامها أمام جبروته.
الټفت إلى والدته، وتحدث بنبرة آلية جافة
احجزي تذاكر الأوبرا يا ماما.
ثم عاد ببصره إلى نهلة، واكتست ملامحه بجدية صارمة وهو يقول بنصخٍ
اتعودي إنك تعملي حساب لكل خطوة بتخطيها كويس أوي، وقبل ما تتحركي احسبي الخطوة دي هتفيدك بإيه، وإيه الضرر اللي ممكن تتعرضي له من وراها.
وتابعت بطريقة غُلفت بالكبرياءُ
ولازم تفهمي إن الدنيا دي طبقات، وتتعاملي بناءً على الطبقة اللي إنتي منها.
طغى الضيق على ملامحها، وسرعان ما تبدل إلى تحدٍ صارخ وهي تسأله بنبرة ساخرة لم تحاول حتى إخفاءها
وإيه بقى الضرر العظيم اللي هيعود على جنابك لما تاخد خطيبتك وتروحوا السينما يا سيادة المستشار؟!
انتصب في وقفته بكبرياء مبالغ فيه، وأجابها بصوت قوي وحازم
شغل السينما والكلام الفاضي ده يمشي مع شاب عادي رايح هو وخطيبته يفرحوا لهم شوية، مش وكيل نيابة عنده طموحات بأنه يوصل لأعلى المناصب في السلك القضائي.
راق حديثه وكبريائه كثيراً إلى راندا، فراحت تهتف بفخرٍ وهي تشملهُ بإعجابٍ
برافو عليك يا رائد، أنا فخورة جداً بنُضج تفكيرك .
وقفت بينهما في حيرة، تشعر بتيهٍ وبغربة تبتلعها،راحت تسأله بعدم استيعابٍ
هو فيه لوايح بتمنع إن رجل القضاء يعيش حياته؟
اقترب منها خطوة، ومد ذراعه ليحيط كتفها باحتواء حانٍ حمل بعض التملك، محاولًا تهدئة ثورتها الصامتة،وهو يقول بنبرة هادئة
تعالي نحسبها واحدة واحدة ونتخيل بعض السيناريوهات اللي ممكن تحصل، خليني سمعت كلامك وروحت السينما وقعدنا، وحد من الشباب الصيع اللي موجودين، وما أكثرهم... قالها وتابع مسترسلاً
حب يستظرف ورخم علينا.
صمت للحظة، ثم أشار إلى صدره وتابع وعيناه تتفحصان رد فعلها
أنا هيبقى قدامي حل من اتنين، يا هبلع الإهانة وأكمل بقية حياتي مش راجل في عين الست اللي شافت إهانتي بعينيها، يا هتهور وأضربه ووقتها الشرطة هتتدخل وهيتعملي محضر، يفضل وصمة في تاريخي
واستطرد موضحًا
وانسي بقى إني أمسك أي منصب كبير بعد كده.
تأملت ملامحه بذهول واستغراب شديدين،فقد كان تفكيرهُ أشبه بآلة مضبوطة تحسب للخطوة ألف حساب قبل البدأ فيها، في حين تابع هو حديثه بنبرة المعلم
أنا بحكم شغلي بشوف من نوعية القضايا دي كتير، علشان كده قولت لك في أول الكلام لازم تعملي لكل خطوة في حياتك حساب.
إرتسمت على شفتاه ابتسامة هادئة خففت من حدة ملامحه، ثم الټفت إلى والدته مغيرًا مجرى الحديث
أنا طالع آخد شاور على ما تجهزوا العشا يا ماما.
أجابته بابتسامة حانية
تمام يا حبيبي.
انسحب بخطى واثقة صاعدًا درجات السلم، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً، التفتت نهلة نحو والدتها، وأشارت بيدها نحو غرفة المكتب،وهي تسألها بهدوء
بابا في المكتب يا ماما؟
أومأت برأسها وأجابتها بهدوء
آه يا نانا، ولو هتدخلي له بلغيه إن العشا هيكون جاهز بعد عشر دقائق بالظبط.
_____________
طرقت باب المكتب بخفة، ثم أطلت برأسها، والابتسامة تملأ وجهها المشرق،خرجت من شفتيها نبرة غنج رقيقة وهي تقول
ممكن أزعجك شوية؟
كان يجلس خلف مكتبه، وما إن وقعت عيناه عليها، حتى زالت أثار التعب عن وجهه، واتسعت ابتسامته لتزين عينيه، فتح لها ذراعيه مرحبًا وقال بنبرة دافئة
إنتِ تزعجيني زي ما انتِ عاوزة.
أسرعت تتهادى نحوه، وانحنت لتلقي بنفسها بين ذراعيه، ضمھا إلى صدره بقوة وأمان، واستنشق عبيرها وكأن رائحتها هي من تحييه، ثم تمتم بانتشاءٍ
حبيبة قلبي يا نهلة.
استقامت واقفة بينما ظل هو جالسًا، لكنها لم تفلت يديه، بل ظلت متشبثة بهما، تنظر إلى عينيه بفيضٍ من الحب والامتنان، تأمل ملامحها الجميلة وأردف وعيناه تلمعان
تعرفي إن ضحكتك دي هي اللي بتهون عليا كل تعب وهموم الدنيا يا نهلة.
لمست في نبرته مسحة من الشجن، فسألته باهتمام وقلق
وانتَ ليه مهموم يا حبيبي؟
تنهد بعمق، وكأنما يزيح جبلاً عن كاهله، ثم رد بنبرة مثقلةً بالهموم
ضغط الشغل يا بنتي، الفلوس الكتير دي ماجتش بالساهل، ده تعب ومجهود وشقى سنين كتير، والمسؤولية بقت كبيرة وتقيلة عليا أوي، خصوصًا مع سني ده.
صمت لحظة، ثم تنهد مجددًا وتابع باستسلامٍ
مش لو واحد من إخواتك مسك الشغل معايا، كان زمانه شايل عني المسؤولية شوية؟ بس نقول إيه بقى في حكم الملكة راندا
وتابع مسترسلاً بمشاكسة
لازم ولادها كلهم يتعينوا في السلك القضائي،علشان الصورة تكمل.
شعرت بوطأة الضغوط التي تحاصر قلبه، فأرادت أن تنزع عنه هذا الثقل بنعومتها المعهودة، اقتربت أكثر، وداعبت خصلات شعره قائلة بابتسامة رائعة
ما انت لسه شباب يا حبيبي، وزي القمر كمان
داعبت خصلات شعره من جديد وهي تقول
والكام شعرة البيض دول عاملين جو وحركات ومخليينك كاريزما، وزي ابطال السينما .
انطلقت منه ضحكة عالية رجت أركان الغرفة، ونظر إليها ممتنًا وهو يقول
يا بنت يا بكاشة، بس خلي بالك، إنتِ كده هتخليني أتمرد
متابعة القراءة