الفصل التاسع من لولا الغرام بقلمي روز أمين
يا بابا، يارب.
ربت على كتفها بلطفٍ وهو يقول
يلا ادخلي علشان متتأخريش.
اقتربت بخطوات واثقة نحو بوابة المدرسة، بينما تحرك صادق بسيارته متجهًا إلى مدرسته الجديدة،دلفت إلى الفناء تتلفت حولها بقلبٍ يفيض بالآمال ، لكن خطواتها تباطأت أثر الصدمة، أصابتها الأعداد المهولة للفتيات ببعض الريبة، استرجعت في مخيلتها مدرستها الهادئة في المملكة العربية السعودية، حيث كانت الأعداد محدودة، والنظام يفرض هيبته على المكان، على عكس هذا الصخب المربك الذي يبتلعها الآن.
حاصرتها مشاعر الغربة، وشعرت بأنها ضئيلة وتائهة وسط هذا الزحام الهائل، وقفت في الطابور مستسلمة للحركة من حولها، حتى أرشدها أحد المعلمين إلى فصلها الجديد هي وزميلاتها، صعدت الدرج بصحبتهن بقلبٍ يخفق بإيقاع متناقض،ما بين سعادة ببدء مرحلة جديدة، يصارعها قلق جارف وارتباك من هذا العالم الواسع، والوجوه الغريبة التي لا تعرف عنها شيئًا.
دخلت الفصل وهي تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع تحتمي به، ووقفت عند الباب بملامح حائرة، تائهة بين المقاعد المزدحمة، لا تدري أين تجد لنفسها متسعًا، وفي غمرة حيرتها، اندفعت فتاة مسرعة لتصطدم بكتفها بقوة كادت تفقدها توازنها، وبدلًا من أن تعتذر، التفتت إليها الفتاة بملامح متهجمة وصاحت بنبرة حادة
مش تفتحي وتبصي قدامك؟ ولا إنتِ عامية يا قطة؟!
تسمرت دليلة في مكانها، وفغرت فاها من الصدمة والذهول، مما جعل الفتيات ينفجرن بالضحك والسخرية حولها،ترقرقت الدموع في عينيها وشعرت پانكسار قلبها الصغير، وبخطوات متعثرة اتجهت نحو المقعد الأخير في زاوية الفصل، حيث انزوت وجلست تخفي وجهها بين كفيها، وانهمرت دموعها بغزارة، وفجأة، شعرت بلمسة دافئة على ذراعها.
رفعت عينيها الباكيتين، لتلتقي بنظرات فتاة رقيقة الملامح، يشع من وجهها السماحة، عينيها بلون العسل الصافي، سألتها الفتاة بصوتٍ ودود
بټعيطي ليه؟
أجابتها بنبرة طفولية ټخنقها العبرات
مفيش.
مدت الفتاة يدها نحوها بابتسامة مشجعة وقالت
أنا ندى، ندى مجدي عبد الغفار.
جففت دموعها المنسكبة، ومدت يدها لتصافحها، وقالت من بين شهقاتها المتتابعة
دليلة صادق بدران.
عادت تسألها باهتمامٍ
قولي لي بقى، بټعيطي ليه؟
أشارت بسبابتها المرتجفة نحو الفتاة، وهمست بصوتٍ متهدج
البنت اللي واقفة هناك دي.
ثم راحت تقص عليها ما حدث والدموع تجدد هطولها على وجنتيها لم تكد دليلة تنهي كلماتها حتى انتفضت ندى واندفعت نحو الفتاة، ودفعتها من كتفها بقوة، وقالت هاتفة بذات النبرة الساخرة
مش تبصي قدامك وتفتحي؟ ولا إنتي عامية يا قطة؟!
ارتفعت ضحكات الفتيات مجددًا في أرجاء الفصل، بينما انتفض قلب دليلة توجسًا من نشوب شجارٍ عڼيف بين الفتاتين.
رفعت الفتاة الأخرى حاجبيها بذهول ممتزجًا بالتحدي، ورمقت ندى بنظرة ڼارية، لتجيبها ندى ببرودٍ وهي ترفع كتفيها باستهانة
واحدة بواحدة يا فاتن، وكده خالصين.
كانت تعرفها منذ المرحلة الإعدادية، تطلعت فاتن إلى دليلة بنظرة متفحصة، ثم وجهت حديثها لندى قائلة
هي تخصك؟
ردت ندى بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش، وهي تقف كحائط صد
آه تخصني، ويا ريت متضايقيهاش تاني، علشان لو ده حصل هتلاقيني في وشك، مفهوم يا تونة؟
تراجعت فاتن خطوة للخلف، وعلامات الاستسلام تكسو وجهها وهي تمتم بحنق
مفهوم يا ست ندى.
وصل إلى مقر قصر والدها الفخم، تسمرت قدماه في مكانه ونظر حوله بذهولٍ، نعم، كان يعلم يقينًا أنها تنتمي لعائلة ثرية، فكل تفصيلة فيها كانت تنطق بذلك، بدءًا من ثيابها الراقية، مرورًا بسيارتها الفارهة، وصولًا إلى إكسسواراتها الثمينة، لكن، مهما شطح به خياله، لم يكن ليتوقع هذا البذخ.
تنفس بعمقٍ ليجمع شتات نفسه، ثم تقدم بخطى ثابتة نحو الحارس الواقف عند البوابة الضخمة، وقال بنبرة هادئة
لو سمحت،عاوز أقابل والد الآنسة نهلة الخولي.
رمقه الحارس بنظرة تفحصية مستغربة، وسأله بنبرة جافة
مين انتَ؟
رد عليه بثقة حاول جاهدًا إظهارها
أنا زميلها في الجامعة، وعاوز أقابل منير بيه في موضوع ضروري.
أجابه بعملية
الباشا في الشركة .
لم يستسلم، وسأله مجددًا
طب عاوز أقابل أي حد من إخواتها؟
رد البواب هازًّا رأسه
البهوات كلهم في شغلهم، والست نهلة راحت الكلية، مفيش حد موجود في القصر غير الهانم الكبيرة.
أجابه بسرعة ودون تردد
تمام، عاوز أقابلها، قولها واحد زميل نهلة وعاوزك في موضوع ضروري جدًا.
تراجع الحارس خطوة وقال
حاضر، خليك مكانك هنا لما أروح أدي للهانم خبر.
تحرك الرجل عبر الممرات الخضراء الواسعة حتى وصل إلى الحديقة الخلفية، حيث كانت راندا تجلس حول حمام السباحة، ترتشف قهوتها الصباحية وتتبادل أطراف الحديث مع مايا زوجة ابنها.
انحنى الحارس إحترامًا وقال
صباح الخير يا ست هانم.
تجاهلت تحيته ، وسألته ببرود
سايب البوابة لوحدها وداخل ليه يا عبدالحميد؟
أجابها بنبرة حذرة
فيه واحد واقف برة، بيقول إنه زميل نهلة هانم في الكلية، وطالب يقابل جنابك.
ارتفع أحد حاجبيها باستنكار، وقالت بدهشة
يقابلني أنا؟! وده عاوز مني إيه؟
إرتعبت مايا واضطربت نظراتها، قامت بوضع فنجان القهوة من يدها بسرعة أحدثت رنينًا خفيفًا، وظلت تترقب بتردد وخوف ما سيقوله الحارس، الذي تابع قائلاً
هو في الأول سأل على منير باشا، وبعدها على البهوات، ولما قولت له إن مفيش حد هنا غيرك، طلب يقابل حضرتك.
ضيقت عينيها بوجومٍ، وشردت للحظات وهي تحاول تخمين هوية هذا الزائر الغامض.،ثم قالت......
إنتهى الفصل
لَوْلاَ_الغَرَامُ_بقلمي_روز_أمين
لمعرفة من هذا الزائر تابعوني.