الجزء الثاني من الفصل الثالث عشر لولا الغرام روز أمين

موقع أيام نيوز

دقائق معدودة وكان يقف أمام مرآته مرتديًا ثيابًا بيتية، يمرر المشط في خصلات شعره المائل للاصفرار، وينثر عطر المفضل.
تطلع إلى انعكاس صورته برضا كامل، فملامحه الأوروبية وعيناه الخضراوان اللتان تشبهان ملامح معظم سكان مدينة المنصورة تمنحانه جاذبية خاصة.
تنهد بعمق، ساحبًا كمية كبيرة من الهواء في محاولة يائسة لتهدئة عاصفة صدره، ثم خطا بضع خطوات إلى الخارج، بالكاد لمح وجهها فانتفض قلبه بين ضلوعه بضربات متسارعة تكاد تُسمع.
يا الله، ما الذي يحدث له مؤخرًا؟، لم يعهد نفسه ضعيفًا هكذا، لكن تلك الصغيرة سلبته لبّه، وجعلته يشارف على الجنون في حضورها.
أشاح بنظره عنها فورًا، يحتمي بالهروب ليقهر ارتباكه ويخفي مشاعر تكاد أن تفضحها عيناه، ألقى تحية الصباح بنبرة حاول جاهدًا أن تكون ثابته، لترد عليه أمه فاطمة بعيون تشع دفئًا وحنانًا
أنت صحيت يا حبيبي؟
نهض صادق ليستقبله بعناق حار، لتعلق الأم بابتسامة خاڤتة
أصله لسه واصل إمبارح من الجيش، إن شاءالله دي آخر أجازة وهيروح يقعد شهر ويخلص على خير.
تمتمت منىبمباركة
مبروك يا أشرف، تخلص على خير ان شاءالله.
صافحها بامتنان قائلاً
الله يبارك فيكِ يا مرات خالي، تسلمي.
انتقل بنبضه الهائج ليواجه ملاكه الصغير، امتدت يده لتتلقف كفها، واحتضنها بنعومة وهو ينظر إليها بعينين يقفز منهما العشق والاشتياق الذي فاق قدرته على الكتمان
إزيك يا دليلة.
وعلى النقيض تمامًا، قابلت فيض مشاعره المتدفقة بابتسامتها الهادئة المعتادة،لتجيبه بخفة وبرودٍ 
الله يسلمك يا أشرف.
سحبت يدها برقة من حصار كفه الدافئ وعادت لتجلس مكانها، تنفس ببطء ليتجاوز خيبته المؤقتة، ثم الټفت نحو الصغير، وقبل رأسه بحنوٍ وهو يقول 
إزيك يا أحمد.
رد الصبي بأدب
الحمد لله يا أبيه.
جلس أشرف وانخرطوا في حديث عائلي دافئ، بينما كانت عيناه تتجولان، لتسرقا نظرات متسللة إلى عينيها العسليتين التي يذوب في تفاصيلهما، لم تمر سوى ساعة حتى اكتمل شمل العائلة بوصول عايدة وأماني برفقة أزواجهما والحاضر من أولادهما، وقد قام صادق بإجراء اتصال بمحل الطعام من قبل، ليطلب مزيدًا من الأصناف لتكفي هذا التجمع، تناول الجميع غداءهم في أجواء غمرها الدفء والألفةِ والحنان.
_______________
انقضى اليوم الدراسي، خطى رشيد خطواته خارج أسوار الجامعة،ليجد رفاقه الثلاثة، سامر وحسن وعمر، بانتظاره في الخارج، بعد أن دخل قرار الفصل بحقهم حيز التنفيذ فورًا.
نظر إليهم والأسى يفيض من عينيه، ثم قال بنبرة تفيضُ آسفًا
أنا آسف، حقكم عليا.
ابتسم عمر برضا، وربت على كتفه قائلًا
بتتأسف على إيه يا ابني؟ ما احنا عارفين إن كل ده هيحصل من الأول،وبعدين مش مهم، ده مجرد أسبوع فصل وهنرجع تاني.
أراد سامر أن يكسر حدة الحزن ويخفف عن صديقه وطأة اللوم، فضحك قائلًا بمرحه المعتاد 
أهو على الأقل نرتاح شوية من الصحيان بدري، ونقضيها بقى سهر وديسكوهات أنا والشلة.
تعالت ضحكات الأصدقاء، وتحركوا معًا يقطعون الطريق، لكن راحتهم لم تدم طويلًا، إذ تفاجأوا بيحيى يقف في طريقهم كالشيطان، ما إن لمح رشيد حتى اندفع نحوه وعيونه تشتعل بالغل، وهتف پحقد أعمى
بقا أنا تعملوا فيا كده يا شوية رمم؟!
وقبل أن يرفع يده ليوجه ضړبته، كان رشيد الأسرع، إذ خرجت من يده لكمة قوية ومباغتة، استقرت في وجه يحيى لتطيح به أرضًا، بدت تلك اللكمة وكأنها القنبلة التي فجر فيها رشيد كل غضبه المكتوم وحنقه على خېانة يحيى الدنيئة له.
نهض من الأرض بنفضة سريعة، وعاد يندفع نحو رشيد وهو ېصرخ بتهديدٍ واعد 
والله يا رشيد لأدفعك تمن اللي عملته فيا أضعاف.
لم يتراجع رشيد، بل سدد له ضربتين متتاليتين في وجهه شلتا حركته، ثم وقف أمامه يلهث بقوة، وعيونه مصوبةً نحوه وترمقهُ بنظرات حاړقة، ثم هتف بزفير ساخن
تمن إيه اللي هتدفعهوني؟ تمن خېانتك ومرواحك لمكتب أخو نهلة علشان تحكي له اللي بيني وبينها، وتنهي بإيديك قصة حبنا؟!
تجمدت الډماء في عروق يحيى، وارتبكت ملامحه تمامًا، إذ لم يكن يتوقع أبدًا أن ينكشف أمر ذهابه لشقيق نهلة،ثم ثبت رشيد عينيه في عيني يحيى المرتعشتين، وتابع بحدة وڠضب زلزلا المكان
ولا تكونش ناوي تدفعني تمن كسرتي قدام أبويا وأمي لما كشفت لهم سري مع نهلة؟!
اشتعلت النيران في صدره، فلم يأتي بمخيلته أن يفتن والدا رشيد عليه، رغم أنه ترجاهما ألا يذكرا اسمه، لكنهما خذلاه في النهاية.
صړخ رشيد فيه مجددًا وهو يرى صمته 
ما ترد عليا، ولا مش لاقي كلام ترد بيه على وساختك وحقارتك وخېانتك ليا؟!
ورغم محاصرته بالحقائق، إلا أنه قرر أن يستمر في قناع الكذب والتمثيل حتى النهاية، فهتف بنبرة مصطنعة مليئةً بالعتاب
جاي بتحاسبني على إيه يا رشيد؟ أيوه أنا اللي قولت لهم، بس ما سألتش نفسك ليه؟!
قاطعه سامر بضحكة ساخرة يقطر منها المرارة
أكيد علشان بتحبه وخاېف عليه.
تعالت ضحكات الأصدقاء بتهكمٍ، لكن يحيى لم يستسلم، بل أكمل مسرحيته وتشبث بموقفه صائحًا فيهم
إنتَ بتتريق؟ أنا فعلاً عملت كده من خۏفي عليه.
ثم أشار بإصبعه نحوهم باتهام وتابع بنبرة مسرحية
وده الفرق بيني وبينكم، أنتم بتزقوه وبتشجعوه على أذية نفسه وضياع مستقبله، لكن أنا بفكر بعقلي وبحميه من نفسه.
اقترب رشيد منه حتى تلاقت أنفاسهما، ورفع سبابته في وجهه بتهديدٍ صارم، وقال بصوت برغم انخفاضه لكنه حاد 
اسمع يَلاَ، لآخر مرة هقول لك تبعد عني، وده علشان مصلحتك، وأديك شوفت النهاردة جزء بسيط من اللي ممكن أعمله فيك.
وتابع تهديدهُ 
وإياك تفتكر إني جبت آخري معاك وتفكر تلعب معايا تاني، علشان أنا جرابي لسه مليان، واللي فيه ممكن يدمرك وما تقوملكش قومة تاني.
صمت للحظة ليترك لكلماته أثرًا، ثم أردف بوعيد أكثر حدة
وزي ما جيت لأهلي وكشفتني قدامهم، أنا كمان ممكن أجي لأهلك وأقول لهم على چريمة السړقة، وأخليك واقف بلبوص قدامهم، تلاشانى وبلاش تخليني أخرج أسوأ ما فيا عليك، لأنك والله يا ابني ما هتتحمل .
ثم أشار لأصدقائه بالتحرك، واستداروا تاركين ذلك الندل خلفهم، غارقًا في بحر من الهزيمة والندم،راح يلعن حظه العاثر، فكل ما خطط له بدقة انقلب ضده كالسحر على الساحر، وكالعادة، خرج رشيد في ثوب البطل المنتصر، بينما خسر هو كل شيء، احترامه، ومستقبله، وهيبته أمام الجميع.
_______________
مع حلول الليل، خيم الهدوء على أرجاء المنزل، وحمل معه مشاعر دافئة غمرت قلوب الجميع، داخل غرفة الضيوف التي ضمت سريرين متقابلين، استسلمت عائلة صادق للنوم،غفى صادق وابنه أحمد على تختٍ ، بينما ضمت منى ابنتها إلى حضنها على السرير الآخر.
أما في الغرفة المجاورة، كان أشرف يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا،لقد جافاه النوم، وظل عقله يدور في حلقة مفرغة من التفكير، كيف سيخبرها أن عشقها قد تغلغل في القلب واستوطن؟ وكيف لها أن تتقبل رغبته في التقرب منها لطلب يدها للزواج؟
توقف عند شرفة الغرفة، وراح يتطلع إلى السماء المرصعة بالنجوم، جذب شعره للخلف محاولاً ترتيب كلماته، وعيناه تعكسان إصرارًا جديدًا على إخبارها، فلن يترك تلك الفرصة التي أتت إليه أن تمر دون أن يقتنصها.

في اليوم التالي، وتحديداً بعد العصر، تألقت الفتاة بثوبٍ جعلها تبدوا كفراشة،توجهت إلى منزل عمتها عايدة، لقضاء وقت ممتع برفقة ابنتها شهيرة، وابنة عمتها الأخرى هالة، وعلى حين غرةٍ، انقلب الطقس فجأة وبلا مقدمات، وتلبدت السماء
تم نسخ الرابط