الجزء الثاني من الفصل الثالث عشر لولا الغرام روز أمين
بغيوم سوداء أمطرت بغزارة، تحول الأمر سريعاً إلى عاصفة هوجاء، غمرت المياه الشوارع، واختلطت بالأتربة لتتحول الطرقات إلى برك عميقة من الطين اللزج الذي شل الحركة تماماً.
وفي بيت عزام، جلس عزام وصادق وفاطمة وأشرف يراقبون العاصفة من خلف النوافذ بوجوم، انتظرت منى حتى هدأت الامطار ثم انتفضت فجأة وهي تشعر بالخۏف ينهش قلبها على ابنتها، فالتفتت إلى صادق قائلة بهلع
أنا هروح أجيب دليلة من عند عمتها يا صادق.
استوقفها على الفور،وتحدث محاولاً تهدئة روعها
تروحي فين بس والشوارع برا معجونة بالطين يا منى؟ اصبري لما الدنيا تهدى شوية وأنا بنفسي هروح أجيبها.
تدخلت فاطمة بعفوية تحاول تبسيط الأمر
ما تسبيها تنام عند عمتها النهاردة يا منى.
هزت رأسها برفض قاطع، فكرة مبيت ابنتها خارج المنزل كانت مرفوضة تماماً في قاموسها، خاصة وأن بيت عمتها ليس خالياً من الرجال،فلديها ولدان، محمد مسافر إلى قطر، و عاصم يعمل هنا في المدينة ويعود كل ليلة متأخراً.
التفتت إلى فاطمة وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش
مش هينفع يا أبلة، أنا مبعرفش أنام وبنتي بعيدة عن حضڼي.
وافقها عزام الرأي، وأشرف أيضًا كان يرفض الفكرة من أساسها، ويشعر بضيق ېمزق صدره منذ أن ابتعدت عن هنا، وقف ببسالة وقال بهدوءٍ
ارتاحي إنتِ وأنا هروح أجيبها يا مرات خالي.
جذبت فاطمة كف المرأة برفق لتجلسها وهي تقول لطمأنتها
أهو أشرف هيروح يجيبها لك بنفسه، اقعدي بقى واشربي الشاي بتاعك وهو سخن.
استسلمت منى وجلست لتأخذ منها كوب الشاي، وعيناها تلاحق أشرف الذي كان يستعد للخروج، ارتدى قبعةً فوق رأسه، وحمل في يده آخرى ليحميها من المطر، ثم انتعل حذاءً بلاستيكياً طويلاً ليتمكن من خوض الطين.
وصل أشرف أخيراً إلى منزل خالته بعد عناء، ولم تمضِ دقائق حتى كان يخرج برفقة حبيبته، ليبدأ رحلة العودة وسط تلك الأجواء الصعبة، لم يكادا يبتعدان خطوتين عن عتبة الباب حتى توقفت دليلة فجأة، ونظرت بحزن وانكسار إلى حذائها الأبيض الأنيق المزين بفيونكة وردية رقيقة، ثم هتفت بملامح مستاءة
استنى يا أشرف.
ثم تابعت وهي تنظر بأسى إلى الحذاء
الجزمة اتبهدلت خالص.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة أمام برائتها، ونقل بصره إلى حذائها، فلمح بقع الطين اللزجة بدأت تتسلل إلى قدميها، أمسك كفها برفق وقادها نحو درجات سلم بيت جانبي ليحتميا به، وبكل هدوء، انحنى يخلع حذاءه البلاستيكي الطويل، ثم الټفت إليها قائلاً بحنوٍ تجلى بنبراته
اقلعي جزمتك وخدي البوت ده البسيه عشان رجليكي ما تتبهدلش .
نظرت إلى ضخامة الحذاء، ثم قطبت جبينها بملامح ممتعضة، ورفعت عينيها لتنظر في خاصتيه مباشرة، نظرة اخترقت حصونه وأحدثت هزة عڼيفة في قلبه، وتابعت بتذمر لطيف
بس ده كبير أوي عليا، هلبسه إزاي بس؟!
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يشعر بالذوبان في سحر عينيها ولونهما الآسر، فحاول الهروب من ارتباكه بالمزاح قائلاً
مش أحسن ما جزمتك الغالية دي تتبهدل وتتقهري من الزعل عليها؟
تنهدت بعمق، وفكرت في صحة كلماته، فهي تعشق هذا الحذاء وتعتبره الأقرب إلى قلبها، لذا وافقت على الفور رغبةً في إنقاذه.
انحنى على الأرض يبسط يديه ليساعدها في إدخال قدمها الصغيرة داخل الحذاء العملاق، كانت رقبة البوت طويلة للغاية، وحين استقرت قدمها فيه، ارتفعت الرقبة لتصل إلى حدود ركبتيها تماماً.
لم تستطع تمالك نفسها، فاڼفجرت ضاحكة بهستيرية وهي تقول
أنا شكلي بقى مسخرة أوي يا أشرف.
ثبّت نظراته عليها، وخرج صوته دافئاً، عميقاً، يفيض بهيام جارف لم يستطيع مداراته
إنتِ شكلك زي قمر في كل حالاتك يا دليلة.
تعثرت الكلمات في حلقها، واحمرت وجنتاها خجلاً، ثم ابتسمت ورفعت رأسها تشكره بنبرة رقيقة
ميرسي.
انحنى والتقط حذاءها الأبيض بحرص شديد، قابضاً عليه بيد واحدة، بينما امتدت يده الأخرى لتحتضن كفها الصغير، انتفضت وحاولت سحب يدها، فاستوقفها قائلاً بنبرة تحذيرية
لو سبتك هتتزحلقي وتقعي، الشارع كله طين زي ما انتِ شايفة.
لكنها أصرت وجذبت يدها بقوة وهي تقول بعناد
ما تخافش، هسند نفسي كويس وهعرف أمشي.
تنهد مستسلماً لعنادها، ثم أشار بيده نحو الطريق وقال
اتفضلي وريني شطارتك.
سارت خطوة، لكنها تذكرت شيئاً، فنظرت إلى قدميه العاړيتين وقالت بضيقٍ وشعورًا لالذنب
طب وإنت هتلبس إيه؟
رفع كتفيه بلامبالاة وأجابها
ولا حاجة.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت
هتمشي حافي في الطين ده؟!
ابتسم لها بحنان وسألها
عندك حل تاني؟
رفعت كتفيها بحيرة، فبادلها هو بابتسامة،وقال مشجعًا
طب يلا بينا.
تحركت بجانبه، عادت حبات المطر تتساقط بخفةٍ ونعومة، لتتراقص فوق القبعة، الذي وضعها على رأسها لكي يحميها، رفعت وجهها نحو السماء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساحرة وهي تشعر ببرودة قطرات المطر تلامس بشرتها بنعومة.
كان يراقب حركاتها وتعبيرات وجهها، وقد غمرته فرحةً هائلة، لرؤيتها سعيدة، وفجأة، اختل توازنها وانزلقت قدمها فوق الطين، كادت أن تسقط لولا ذراعه التي أسرعت ليتلقفها بمهارة ممسكاً إياها من خصرها، شعر بنبضات قلبه تتسارع وتنتفض پعنف لشدة قربها، نظر إلى عينيها المذعورتين، وقال بنبرة لائمة يغلفها الخۏف عليها
مش قلت لك لو سبتك هتقعي؟
استعادت توازنها وثباتها بمساعدته، فمد يده إليها مجدداً، منتظراً استسلامها، نظرت إلى كفه الممدودة، وشعرت أنه لا مفر، وبكل استسلام، مدت كفها الصغير لتستقر داخل قبضة يده الدافئة، لم يكن أمامها حل آخر، تابعا السير معاً.
كان يشعر بأن قلبه يتراقصُ طربًا من شدة سعادته، فبرغم مشقة السير، وغزارة المطر، والطين الذي يملأ الشوارع، إلا أن تلك اللحظات القاسېة تحولت في وجدانه إلى أمتع وأجمل الذكريات، لحظاتٌ حُفرت تفاصيلها في أعماقه، وأدرك يقيناً أنه لن ينساها ما حيا.
__________
انتهى الليل وحمل الصباح معه بداية يوم جديد. اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار في أجواء دافئة، وانضمت إليهم عايدة وأماني لقضاء الساعات الأخيرة مع شقيقهم وعائلته قبل انتهاء إجازتهم والرحيل غدًا.
في المطبخ، كانت عايدة تقف بتركيز أمام موقد الغاز تُعد مشروب القهوة للجميع، حين دلف أشرف بهدوء ووقف إلى جوارها وعلامات التشتت واضحة على وجهه.
التفتت إليه وسألته باهتمام
أخدت رأي دليلة في موضوعك؟
هز رأسه نفيًا وعيناه مثبتتان على الأرض، فقالت باستنكار ولوم
ليه يا فالح؟
أجابها بصوتٍ مكظومًا بالغيظ
هو أنا عارف أستفرد بيها دقيقة واحدة؟ دي مرات خالي ماشية وراها زي ضلها، مابتسيبهاش لحظة واحدة.
رمقته بنظرة ازدراءٍ وقالت عاتبة
ما كانت معاك إمبارح لما جيت أخدتها من عندي
نظر إليها بدهشة واستنكار لتفكيرها الغريب، وقال مستنكرًا
إنتِ عاوزاني أعترف للبنت بحبي ليها واحنا في وسط الطين يا خالتي؟
اڼفجرت ضاحكة وقالت مداعبة
وماله؟ دول حتى بيقولوا إن الشتا رمز للرومانسية.
تنهد أشرف بضيق شديد، فربتت على كتفه قائلة بجدية
حاول تتكلم معاها النهاردة قبل ما يسافروا، أنا مش عاوزة أفاتح خالك وانتَ مش ضامن رأي البنت يا أشرف.
أومأ لها موافقًا، ثم حملا أكواب القهوة وخرجا إلى الصالة حيث يجلس الجميع، خرجت فاطمة من الحمام وهي تحمل وعاءً بلاستيكيًا كبيرًا مليئًا بالملابس المبللة، وقالت بصوت لاهث من التعب
وحياتك يا دليلة تاخدي الهدوم بتاعت الجيش بتاعت أشرف تنشريها على السطوح، مش قادرة أطلع السلالم.
كانت ترتشف مشروب الكاكاو الساخن، فوضعت الكوب بسرعة وقامت لتلبي طلبها، أخذت الوعاء وصعدت السلالم، بينما اندمج صادق مع الجميع في حديث عائلي.
استغل أشرف انشغالهم، وتحرك بذكاء ليلحق بها قبل أن تذهب من بين يديه الفرصة الأخيرة،
فوق السطوح، كانت تقف أمام الحبال تنشر الملابس بهدوء، شعرت بحركة خلفها، فالتفتت پذعر لتجد أشرف يقف على مقربة منها والارتباك يكسو ملامحه. انتفض جسدها بالكامل وسرت فيه رعشة خوف حين قفزت إلى ذهنها نصائح والدتها الصارمة بعدم التواجد مع أي شاب بمفردهما في مكان معزول.
كانت تُمسك بآخر قطعة ملابس في يدها، ألقتها على الحبل بعشوائية، وتحركت بسرعة مغادرة المكان دون أن تلتفت حتى لأخذ الوعاء البلاستيكي.
ناداها بنبرة غلفت بالرجاء
استني يا دليلة، عاوز اتكلم معاكِ في موضوع مهم.
لم تعره اهتمامًا، بل تسارعت خطواتها ونزلت على الدرج راكضة، وباندفاع أخرق ناتج عن إحباطه، ركض خلفها مباشرة محاولاً إيقافها واللحاق بفرصته الأخيرة.
في الأسفل، لمح صادق ظلالاً تتحرك بسرعة على السُلم، وحين دقق النظر، رأى ابنته تنزل ويتبعها أشرف وعيناه معلقتان بها ، جن جنونه واشټعل الخۏف والشك في قلبه على ابنته.
لم يشعر بنفسه إلا وهو ينتفض من مقعده كالبرق، متوجهًا نحوها، ليقبض على يدها بقوة ويجرها خلفه بغضبٍ مكتوم إلى الغرفة المخصصة لهم، تاركًا خلفه علامات الذهول والصدمة على وجوه الجميع.
تلبكت الأم وهي ترى زوجها يسحب الفتاة خلفه بعنفٍ فعلمت أن شيئًا ما قد حدث مما جعل زوجها الهاديء يثور، نهضت سريعًا لتلحق بهما، بالكاد أمسكت بالباب قبل أن يقوم بغلقه، أغلقته هي بعدما دخلت ليهتف الأب متسائلاً بعينين تطلقُ شزرًا
كنتي بتعملي إيه مع أشرف إبن عمتك فوق لوحدكم؟!
أنا كنت بنشر الغسيل وهو اللي طلع ورايا...بالكاد أنهت جملتها لتُصيب بصاعقة هزت جسدها بالكامل عندما نزلت تلك الصڤعة القوية التي استقرت على وجنتها، اتسعت عيناها بذهولٍ وهي تتطلع بعتابٍ إلى والدها، وقد شل عدم الاستيعاب حركتها، فتلك هي المرة الأولى التي ېعنفها فيها والدها جسديًا، لم يكتفي بصفعها فحسب، بل اندفع نحوها وقبض على رسغها بقوة، وراح يهزها بعنفٍ مدفوعاً بذعرٍ شديد على فلذة كبده البريئة
..........
انتهى البارت
لَوْلاَ_الغَرَامُ_بقلمي ىوز أمين
إنتظروني الإثنين القادم مع الفصل الرابع عشر.