الفصل الرابع عشر من لولا الغرام، حصري بقلمي روز أمين

موقع أيام نيوز

تفيضُ طيبةُ وحنانًا 
يعني أنا هشيل لأغلى منكم يا ابني؟
ثم وجهت نظراتها نحو سامر وتابعت بترحيبٍ حار
عملت لك محشي الكرنب اللي بتحبه من إيدي يا سامر، علشان يدفي جسمكم وأنتوا بتذاكروا في البرد ده.
اتسعت ابتسامة سامر وامتنّ للطفها قائلاً
تسلم إيدك يا طنط، تعبناكي معانا.
أجابته بحنو قبل أن تغادر الغرفة
تعبك راحة يا حبيبي، بألف هنا وشفا على قلوبكم.
جلسا معاً يتناولان المحشي حيث كان الدخان يتصاعد منه، بينما انتشرت رائحته الذكية والشهية لتملأ أركان المكان وتطرد برودة الشتاء، التقط سامر صباعًا وقضمه، وقال وهو يستمتع بمذاقه الحُلو
أموت وأعرف سر طعامة المحشي بتاع مامتك، ماما بتعمله حلو وكل حاجة، بس محشي طنط سامية حرفياً مدقتش زيه في أي مكان.
نفخ رشيد في إصبع المحشي بين يديه استعداداً لالتهامه، وقال بكبرياء مصطنع أثاره مزاح صديقه
يا ابني دي أم الباشمهندس رشيد المسيري، يعني نابغة في كل حاجة، طالعة لإبنها.
تعالت ضحكات سامر على غرور صديقه المرح، لكن ملامحه تبدلت إلى الجدية فجأة، وسأله بنبرة هادئة
ما قولتليش، بتكلم نهلة؟
تلاشى وميض البهجة من عينيه فجأة، ليطلق تنهيدةً عميقةً محملة بثقلٍ شديد، قبل أن يجيب بأسى
بنتكلم، بس مش زي الأول طبعاً، كل يومين تلاتة بتتصل بيا ربع ساعة بالكتير، مامتها حطاها تحت الميكروسكوب طول الوقت، مش عارفة تتنفس منها.
صمت لبرهة يبتلع غصته، ثم تابع مستشهداً بواقعه المرير
وزي ما انتَ عارف، مبقناش حتى بنتقابل، هي متأكدة إن إخواتها حاطين ناس يراقبوها في كل مكان، وهي مش عاوزه تعاديهم ،لحد ما تقدر تقنع باباها بارتباطنا.
أشاح سامر بنظره، وعاد يلوك طعامه بصمتٍ دون أن ينطق ببنت شفة، كان يؤمن في داخله أن هذه العلاقة قد حُكم عليها بالمۏت قبل أن تبدأ، وأن الفوارق الطبقية الشاسعة تجعل ارتباطهما شبه مستحيل، لذا كان يتعجب بشدة كيف لصديقه العاقل ونهلةأن يتمسكا بقصة حبهما الضائعة، ويقبضا بأيدٍ مرتجفة على هذا الحلم الواهي.
____________

بعد مرور قرابة الأسبوع على تلك الأحداث العاصفة، كانت دليلة تجلس في فناء المدرسة، والحزن يكسو ملامحها، راحت تبث شكواها وحزنها الدفين لصديقتها ندى، تلك الفتاة التي لم تعد مجرد زميلة دراسة، بل أصبحت في وقت قصير أقرب إليها من روحها.
إسبوعٍ كامل انقضى كأنه دهر، فوالدها يتعمد تجاهلها بشكل قاطع، فلا هو يوجه إليها حديثاً، ولا حتى يمنحها نظرة عابرة تداوي بها انكسار قلبها.
ربتت ندى على يدها بحنو، ثم احتضنت كفها الصغيرة باحتواء دافئ وقالت بلهجة حماسية 
طب ما تتكلمي انتِ معاه يا دليلة، روحي له وصالحيه.
هزت رأسها بحزن دفين، وعيناها تلمعان بالدموع وهي تجيبها
هو مش مديني فرصة خالص يا ندى، على طول قلعد في مكتبه،ولو خرج منه بيبقى مكشر ومش راضي حتى يبص في وشي.
تنهدت الآخرى بأسى على حال صديقتها، وسألتها بحيرة
طب هتعملي إيه ؟
أجابت بنبرة تملؤها الحيرة واليأس التام
مش عارفة، بجد مش عارفة.
ساد الصمت لبرهة بينما أخذت ندى تفكر وتفتش في عقلها عن مخرج ينهي تلك المشكلة، وفجأة التمعت عيناها بفكرة، فالتفتت نحوها وقالت
طب إيه رأيك تكتبي له جواب؟
صمتت لحظة تردد الفكرة وتتخيلها داخل عقلها، ثم تبدلت ملامحها الحزينة وتحدثت بحماسٍ جارف أنار وجهها المنطفئ
حلوة أوي فكرة الجواب يا ندى، أنا هكتبه وأقول له فيه كل اللي جوايا واللي مزعلني منه، وأدخل أحطه على المكتب بتاعه. 
__________
عادت إلى المنزل بمفردها بعد يوم دراسي طويل، فقد قرر والداها أن تذهب وتعود برفقة ندى التي تسكن في الحي ذاته.
تناولت غداءها وسط صمتٍ جارف من الجميع ، وكالعادة، كان والدها يتجنب حتى النظر إليها، صعدت إلى غرفتها بقلب يعتصره الخذلان، جلست خلف مكتبها، أمسكت بالقلم وبدأت تخطّ كلمات تبللها الدموع
حبيبي بابا، أنا بكتب لك علشان حضرتك مش مديني فرصة اتكلم معاك، أنا مش عارفة انت زعلان مني ليه؟
انهمرت عبراتها لتسيل فوق خديها كشلالٍ، لكنها تابعت بقلب يقطر ألمًا
المفروض أنا اللي ازعل من حضرتك، لأنك ظلمتني وضربتني لأول مرة في حياتي، ومن غير حتى ما تسألني إيه اللي حصل، من حقي أعرف إيه الذنب اللي عملته وأستاهل عليه المعاملة دي؟، عقابك شديد أوي يا بابا، وأنا والله مظلومة وما عملتش أي حاجة غلط.
توقفت للحظة، تشهق پقهر تحجر بحلقها، قبل أن تكتب الاعتراف الأكثر إيلامًا
عايزة أقول لك على حاجة، أنا بقيت بخاف منك يا بابا، أيوا بخاف منك، تصور؟ بعد ما كنت بحس إنك أكتر حد بيحميني وبيخاف عليا، بقيت بخاف لما بسمع صوتك عالي شوية، وأحس إنك ممكن تيجي تضربني تاني، ليه عملت كده يا بابا؟ ليه كسرتني كده؟
مسحت دموعها بظهر يدها، ونبضات حبها النقي تدفع بالقلم لتختم رسالتها
أنا مسمحاك، وهدعي لربنا إنه هو كمان يسامحك، وبرغم كل اللي حصل، أنا لسه بحبك، وبرغم إني معرفش إنت زعلان مني ليه، بس أنا بعتذر لك وبقول لك أنا آسفة، بنتك حبيبتك، دليلة.
رسمت قلبًا صغيرًا في نهاية الورقة، ثم طوتها بعناية، تسللت للأسفل ، خرجت إلى الحديقة وقطفت زهرة باللون الأبيض، ثم عادت لتضع الورقة والوردة فوق مكتب والدها.
في ذلك الوقت، كان والداها يستسلمان لنوم القيلولة، فصعدت هي الأخرى إلى غرفتها، وڠرقت في النوم هروبًا من واقعها المرير.
استيقظ صادق بعد ساعة، اتجه إلى المطبخ وأعد فنجان قهوته، ثم تحرك صوب مكتبه ليبدأ في تصحيح كراريس طلابه.
وضع الفنجان، واستدار ليجلس، فاستوقفه مشهد الورقة المطوية والوردة المستلقية فوقها، التقط الوردة ، وفتح الورقة بفضول سرعان ما تحول إلى خناجر تطعن صدره مع كل كلمة كان يقرأها، كان قلبه ېصرخ من شدة الۏجع والندم، اهتزت الورقة بين يديه، وحدث نفسه بمرارة قائلًا
ليتكِ تدركين يا صغيرتي أن ملامحي المُعرضة عنكِ، والتي فسرها قلبكِ بالجفاء، ليست سوى خزيٍ يمنعني من النظر في سحر عينيكِ البريئتين، بعد تلك الخطيئةٍ التي جنيتُها في حقكِ.
سالت دموعه رغماً عنه، دموعًا امتزجت بندمٍ أحرق روحه ، انتفض واقفًا، وقبض على الرسالة بقوة، ثم اندفع نحو السلالم صاعدًا بسرعة هائلة، بعد أن اتخذ قراره الحاسم بإنهاء هذا الۏجع واحتضان طفلته مجددًا.
إنتهى الفصل 
لَوْلاَ_الغَرَامُ_بقلمي_روز_أمين

تم نسخ الرابط