رواية لولا الغرام الفصل الأول بقلمي روز أمين
الشقة وجد والدته تضع أطباق الطعام فوق الطاولة التي تتوسط تلك الصالة البسيطة، مال بطوله عليها يضع قبلة حنون فوق وجنتها وهو يقول
مساء الفل على ست قلبي وست الناس
إبتسامة خجولة ملأت وجه تلك السيدة البسبطة التي تحدثت بابتسامة هادئة
ربنا يحظك يا رشيد يا ابني، ويسعدك ويفرح قلبك يا حبيبي، واشوفك أعلى الناس وأحسنهم يارب
احتضنها مدللاً إياها بكلماته المعسولة
ويخليكِ ليا يا سمسم يا قمر انتِ
صدحت ضحكتها متمتمة بحياءٍ تربت عليه
يا واد اختشي لابوك يطلع من الحمام وانتَ بتقولي كدا
قهقه عاليًا وهو يدللها
طب يطلع بس الحاج، وأنا أعلمه الدلع على أصوله بيبقى ازاي
انتِ جيت يا رشيد
إلتفت ناحية الصوت ليرى والده يجفف ذراعيه بالمنشفة، أقبل عليه ليقبل كتفه احترامًا وإجلالاً،ليربت الرجل على رأسه متمتمًا بخفوت
يلا اتوضى بسرعة وتعالى نصلي العصر سوا، على ما أمك تغرف الأكل
أومأ له وبعد قليل كانوا يجتمعون حول طاولة الطعام،بدأت الأم بسكب شوربةالعدسثم تطلعت إلى نجلها وهي تقول
هات طبقك يا رشيد علشان أغرف لك.
ناولها صحنه وابتسامة رضا فوق ثغره،ما أن تناول إحدى اللُقيمات المنغمسة بهذا الحساء الثقيل حتى أغمض عينيه وهو يتذوق باستمتاعٍ ظهر على ملامحه ليتمتم
ياسلام على العدس من أديكي يا ست الكل،احلى واحدة تعمل عدس في مصر كلها،تسلم إيدك وعيونك.
تبرمتبسمةبدعابة
بلاش وحياتك تُشكر في العدس أوي كدا،حاكم ماما اللي يشكر في أكلة من اكلاتها، تمسك فيها اسبوع بحاله على ما تنقل على غيرها
تعالت القهقهات بينما لامتها والدتها
ماله العدس يا بت، فضل ونعمة ربنا يديمها علينا
مازحها كريم وهو يلوك لقمته
بلاش الدعوة دي أبوس إيدك،العملية مش ناقصة نافخة قولون
وتابع وهو يُشير لشقيقه
ناولني بصلاية خضرا من اللي قدامك دي يا رشيد
تدخل والده ليجاريهم في الحوار قائلاً بفخر
العدس اللي مش عاجبك دا بيصنع رجالة،وياما خرج وحوش تقرقش الزلط من الجيش
داعب والده بفكاهة أدخلت الجميع في نوبة من الضحك
وهو انا علشان ربنا كرمني وأخدت إعفا من الجيش، تقوم تجيبهولي لحد عندي يا حاج؟.
تحدثت والدته بلومٍ
لو مش عاجبك العدس شخلل جيبك وأنا أعمل لك المحمر والمشمر،قال على رأي المثل،اطبخي يا جارية كلف يا سيدي
رفع كتفيه بقلة حيلة وتمتم
منين بس يا حاجة،ما كل حاجة على يدك، دانا حتة محاسب غلبان في شركة فكسانة،اللي جاي يدوب على قد المواصلات والقهوة والشاي،واللي بيفيض يدوب ملاليم، بساعد بيها هنا
حول بصره إلى رشيد الذي يتناول طعامه بهدوء،ليغمز بعينيه مسترسلاً
الليلة الحلوة دي على الباشمهندس، الأمل كله فيه هو، يأكلنا المحمر والمشمر اللي بتقولي عليه
ثم مازحها متسائلاً
ألا بالمناسبة يا ماما، المحمر وكلنا عارفينه، لكن يطلع إيه المشمر دا؟!
رفعت كتفيها في حيرة وتمتمت
والنبي يا ابني ما أعرف، أهو طلعنا لقينا أهالينا بيقولوها كدا، المحمر والمشمر
تعالت القهقهات وصدحت بين جدران المنزل الذي يأج بالسعادة والرضا رغم ضيق الحال.
داخل إحدى وحدات التدريب التابعة للجيش المصري،يتسطح فوق سريره الصغير بالحجرة المشتركة مع زملائه،واضعًا رأسه فوق ذراعيه المشبوكتين خلفه،مثبتًا بصره في سقف الحجرة ويبدوا على ملامحه الإنزعاج،اقتحم لحظات خصوصيته أحد المجندين حيث جاوره الجلوس متسائلاً
مالك يا أشرف، شايل طاجن ستك ليه ؟
أطلق تنهيدة حارة قبل أن يتمتم باستياءٍ
أخويا كلمني من شوية وبلغني إن خالي رايح المنصورة بكرة، وهيقعد كام يوم هناك
تنهد بأسى قبل ان يسترسل
كان نفسي أكون هناك واستقبله بنفسي
سأله الأخر بجبينٍ مقطب
هو خالك مش عايش معاكم في المنصورة ولا إيه؟
اعتدل في جلسته مسنداً ظهره إلى خلفية السرير، ثم تحدث بجدية
كان بيشتغل مدرس في السعودية ومنزلش أجازة من سنتين
وهو دا اللي مضايقك،يا سيدي لما تنزل أحازة خليه ينزل المنصورة تاني، ويقعد معاك كام يوم اشبع فيهم منه.
تمتم بخفوتٍ وشرود
ربنا يسهل إن شاء الله.
إنسحبت خيوط النهار وتوارت في خجلٍ، لتشرع السماء في إسبال ستائرها السوداء بنعومة،وتغطي الكون بوشاحٍ من السکينة والوقار،
وقفت في شرفتها الخاصة متشبثةً بسورها، وأطلقت العنان لنظراتها لتجوب المكان، متأملةً تلك الزهرات التي تزين الحديقة بألوانها وأنواعها المختلفة ، اغمضت عينيها وبدأت تتنفسُ بانتظامٍ للحصول على بعضًا من السکينة استعدادًا لموعدها اليومي،استمرت على هذا الوضع ما يقارب من العشرة دقائق،ارتسمت على ثغرها ابتسامة هادئة لتنسحب إلى الداخل تزامنًا مع دقات الساعة التي أعلنت للتو تمام الحادية عشرة مساءًا،جلست على مقعدها الملاصق للسَرير، بسطت كفها إلى تلك الطاولة الصغيرة وأمسكت هاتفها المحمول صغير الحجم، حيث كانت بداية دخوله إلى مصر في العام 1996،ولم يكن متاحًا حينها للجميع لغلاء سعره في هذا الوقت،انتفض قلبها بسعادة ولما لا،فقد حان الأن الموعد المحدد للمكالمة اليومية المتفق عليها بينها وبين من رَق له القلب ودَق، ضغطت على زرائر الهاتف لترتفع دقات قلبها مع استماعها لصوت الرنين، وما هي إلا ثواني وكان صوته الحنون يردد،حيث كان يجلس على سريره ممُسكًا الهاتف المنزلي وبانتظار حديثهما الممتع
ألو
أرادت أن تبدأ المكالمة بمشاكسة لطيفة وهي تعاتبه
مفيش مرة تفرحني وترد عليا وانتَ بتقول لي ايوا يا حبيبتي
مطت شفتيها وتابعت مشاكسته بدلالٍ راق له، وتلاعبت بكلماتها على أوتار قلبه
كله ألو، ألو، زي ما تكون بتكلم واحد صاحبك، مش حبيبتك ونور عيونك.
بصوتٍ هامس كي لا يستمع إليه أيًا من عائلته في الخارج، تمتم بابتسامة زادت من وسامته
ما أنا لو ضامن ان انتِ اللي على التليفون مش حد تاني، كنتي هتشوفي الدلال كله
تحولت ملامحها لحادة من شدة غيرتها عليه، لينطلق صوتها جادًا
وانت بقى بترد على مين غيري في الوقت دا يا باشمهندس؟!
أراد أن يشعل قلبها ويرى ڼار غيرتها التي طالما أرضت غرور رجولته، وطمأنت قلبه على مكانته بلُبها،تمتم ببرودٍ أشعلها
كتير، متعديش يا نانا
رشيد...قالتها بلكنة ټهديدية،وتابعت بصوتٍ مخټنق بفضل الدموع التي تكونت بمقلتيها
إوعى تلعب معايا اللعبة دي، أنا قلبي مش متحمل هزارك دا النهاردة
انزعج من صوتها ليسألها سريعًا
مالك يا حبيبتي، فيكِ إيه طمنيني؟!
متضايقة شوية وكنت عاوزاك تنسيني زعلي
ابتسم يجيبها بحنان
بس كدا، دانا هنسيكِ إسمك مش بس زعلك.
رق قلبها وبصوت فتاةٍ عاشقة حتى النخاع همست
ربنا يخليك ليا يا حبيبي، وميحرمنيش منك ابدًا
ويخليكِ ليا يا قلبي
سألته متأففة
مش ناوي تجيب تليفون محمول علشان نتكلم براحتنا
وتابعت مبررة انزعاجها
مش عاجبني إنك بترد عليا وانتَ مش عارف مين معاك
إن شاء الله بعد ما اتخرج واشتغل، وعد مني هجيبه بأول مرتب ليا ك مهندس بترول.
وأنا لسه هستنى كل دا يا رشيد؟
قالتها بتأففٍ، ثم صمتت تفكر في أمرٍ ما وعلى حين غِرةٍ تابعت هاتفة بحماسٍ زائد
طب أنا عندي فكرة هايلة، وهتوفر علينا الوقت، تليفونك هيكون هديتي ليك في عيد ميلادك الشهر الجاي
قاطع حديثها بحدة قائلًا
تبقي كتبتي باديكي شهادة ۏفاة علاقتنا لو عملتي كدا يا نهلة
بدى انكسارها واضحًا في صوتها الحزين بعد أن خيبت كلماته آمالها
انتَ ليه بتعمل كدا يا رشيد، هو احنا مش واحد؟!
واحد في كل حاجة إلا في الفلوس... ثم حسم الأمر بكلمة واحدة أنهت النقاش
الموضوع دا مش هنتناقش فيه تاني ، مفهوم؟
ازدردت ريقها من حدته، وبصوتٍ مهزوم همهمت
أوكِ.
أراد أن يسحبها من حزنها فانتقل لحديثًا أخر لتندمج معه وتنسى ما حدث منذ قليل، ما أنقى عشقها له، بلحظة
تستطيع كلماته بأن تحملها من قمة إحباطها لعڼان السماء، تحلق كفراشةً تتراقصُ من فيض حبورها.
تجاوزت عقارب الساعة منتصف الليل، استيقظت الأم من غفوتها العميقة لتجد المنزل غارقًا في سكونٍ تام، فمنذ أن غادرت عائلتها بعد مأدبة الغداء، استسلم الجميع لسلطان النوم وغرقوا في سباتٍ عميق، فقد ألقى عناء السفر ومشقة الطريق للوصول إلى أرض الوطن بظلاله على أجسادهم المتعبة.
التفتت بجانبها فتأملت وجه زوجها الغافي، وقد ارتسمت عليه علامات السلام والسکينة، وكأنه وجد أخيرًا في تراب الوطن وطمأنينة البيت، الراحة التي طال انتظارها.
تحركت إلى غرفة صغيرهاأحمد وقد اطمئن قلبها حين وجدته يغط في سباتٍ عميق،ثم تحركت إلى غرفة ابنتها، انزعجت حين وجدت سريرها فارغًا،انتقلت عينيها ببديهية إلى باب الحمام فاړتعبت حين وجدته مظلمًا، هرولت للطابق الأرضي تبحث في جميع زوايا المنزل عن الفتاة،لم تترك شبرًا في إلا وفتشت به، ولم تعثر على أثرٍ لها، كانت على وشك الإنهيار والصړاخ بصوتٍ عالٍ لولا أهداها الله لفكرة الخروج إلى الحديقة، هرولت لتتسع عينيها بذهولٍ وهي ترى الفتاة ممسكة بسكينٍ حاد وبكامل قوتها ت.....
ترى ماذا تفعل الفتاة في الخارج بهذا التوقيت؟!، وما الذي رأته الأم بالتفصيل لتفزع هكذا؟!
تابعوني لكشف المزيد من الأحداث المبهرة.
لَوْلاَ الغَرَامُ
بقلمي روز أمين