الفصل الحادي عشر من لولا الغرام بقلمي روز أمين

موقع أيام نيوز

دليلة الحقيقية عاجزة عن فهمه،برغم مرور كل هذه الاعوام. وللمشهد بقية.
جلس الجميع في ردهة المنزل الشاسعة، بعد أن حسم منير الأمر بظهوره المفاجئ، مستدعيًا إياهم للداخل لمناقشة المسألة بهدوء حذر، كانت ملتصقة بوالدها، بينما ضم كفيها الصغيرتين بين يديه في احتواءٍ دافئ، لتتشبث به وكأنها تحتمي بوجوده من قسۏة العالم.
استمع إلى كل الأطراف بإنصات شديد، وعيناه تتنقلان بين أبنائه وبين تلك الباكية، قبل أن يلتفت إليها قائلًا بنبرة صوت حانية غُلفت بهدوءٍ مربح 
اطلعي ارتاحي في أوضتك يا حبيبتي، ومتقلقيش، أنا بنفسي هشوف الموضوع ده، ولو فعلاً الولد طلع كويس ويستاهلك، ساعتها مش هيكون عندي أي مانع.
وقع كلماته على أبنائه كالصاعقة، فتبادلوا نظرات حادة ومستنكرة، لكنهم التزموا الصمت التام احترامًا لهيبته وتأجيلًا للمواجهة، ريثما يجدون فرصة أخرى للاعتراض، في المقابل، رمقته زوجته بنظرة ڼارية تفيض غضبًا، وقالت باعتراض فج
إيه اللي أنت بتقوله ده يا منير؟!
نظر إليها بحذر شديد، وبلهجة حاسمة لا تقبل الجدال أردف
خلاص يا راندا، الكلام في الموضوع ده انتهى لحد ما أبحث فيه بنفسي، وأقرر هنعمل إيه.
التفتت الفتاة إلى والدها وابتسمت له بامتنان، ورغم تعاطفه الواضح وكلماته المطمئنة، إلا أن غصة مرة سكنت قلبها، كان هناك شعورًا خفيًا مخيف يهمس لها بمرارة أن الحكاية قد انتهت بالفعل، لكنها فضلت التشبث بآخر حبال الأمل.
عاد والدها يتأمل ملامحها المجهدة، وقال بنبرة تقطرُ حنانًا وعيناه تفيضان بالوعود
اطلعي ارتاحي يا حبيبتي وزي ما وعدتك، كل حاجة هتبقى بخير.
نهضت من مكانها، علت شفتيها بسمةٌ ذابلة، وهي توديع والدها، ثم انسحبت بهدوء نحو الطابق العلوي، بجسدٍ منهك وروحٍ مضطربة، تاركة خلفها قلوبًا تشتعل غضبًا، والجميع يغلي كفوهة بركانٍ على وشك الانفجار.
كان الجميع يلتفون حول فاطمة، محاولين بكل السبل أن تعدل عن ذلك القرار الغريب ، لكنها وقفت كالجبل،وتملكها عنادٍ أعمى،وأصرت ألا تتراجع خطوة واحدة عن تنفيذه.
وسط هذا التشنج، حاول صادق أن يلطف الأجواء المشحونة، فوجه إليها حديثه بنبرة ضاحكة، مداعبًا إياها
يعني إنتِ هتعملي عقلك بعقل عيلة يا أبلة؟
لم تتقبل المزاح، بل لمعت عيناها بحدة صارمة، ونطقت بتهديدٍ حاسم جعل الجميع يندهش  
يكون في علمك يا صادق، لو بنتك غسلت الرز في الصفاية ومشت كلامها عليا، أنا هطلع أوقف تاكسي وأرجع المنصورة حالاََ.
تدخلت أماني لتهدأة الوضع 
ما تصلي على النبي كده وتروقي يا فيفي، الموضوع مش مستاهل زعلك يا حبيبتي.
هتفت بحدة لتجبر شقيقتها على التزام الصمت 
اسكتي انتِ يا أماني. 
بينما اتسعت عينا صادق بدهشة وصلت حد الذهول، وتطلع إلى شقيقته غير مستوعبًا أن يصل بها العناد والتحكم إلى هذا الحد، سألها متعجبًا
إنتِ بتتكلمي بجد يا أبلة؟
أجابته بحدة أظهرت كم جديتها بالحديث
أنا مبهزرش في الحاجات دي يا صادق، وأنت عارفني
وتابعت بجدية 
القصة مش قصة عِند، أنا بعلمها تتصرف بالإصول ، علشان لما تتجوز وتتحط في أي ظرف، تبقى ست بيت شاطرة وتسد.
لم يجادلها لتيقنه أنها وصلت لذروة ڠضبها، حول نظراته نحو ابنته التي كانت تتابع الموقف بحذرٍ وترقب ،تنهد وتمتم مستسلمًا، إحترامًا لشقيقته
اعملي اللي عمتك قالت لك عليه يا دليلة.
اتسعت ابتسامة الفتاة لتسأله لعدم استيعابها لما وصلت به عمتها من عبث 
ده بجد يا بابا؟
أطبقت منى جفنيها بقوة، وخرجت تنهيدتها حارة من صدرها، بفضل تحكمات شقيقة زوجها الكُبرى، كان بإمكانها الاعتراض ووضع حدًا لتلك المتسلطة، 
لكنها ابتلعت غصتها إجلالاً لمكانة زوجها بقلبها، واحتراماً لأصول الضيافة التي نشأت عليها،لذا التفتت نحو ابنتها، ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة لكنها متماسكة، ثم قالت بنبرة هادئة 
إعملي اللي عمتك وبابا قالوا لكِ عليه يا دليلة.
بمنتهى الهدوء نقلت الأرز ، وبدأت تغسله بطاعة ووداعة دون تذمر، لم تتمالك عايدة نفسها، فاڼفجرت ضاحكة وقالت متهكمة هي تهز رأسها باستنكارٍ واضح
أول مرة أعرف إن عقلك صغير كده يا فيفي، ده الله يكون في عون الحاج عزام على كده.
لم تكترث بكلمات عايدة ولا بنظرات اللوم التي تلقتها من أماني، فكل ما كان يشغل بالها في تلك اللحظة هو أن كلمتها فرضت على الجميع، فقد انتشى داخلها بلذة الانتصار وشعرت بزهوٍ غامر وهي ترى رغبتها تتحقق،وهذا ما ظهر على ملامحها وابتسامتها السعيدة حينذاك.
تنهدت براحة، ليقترب منها صادق وعينيه تفيض بحنانٍ جارف، وسألها متبسمًا
ها، مرضية يا أبلة؟
اختفى الحزن عن وجهها، وحل مكانه ابتسامةً واسعة، ثم قالت بنبرة تقطر حنانًا وكأنها تحولت إلى إمرأةٍ آخرى
ربنا يرضى عليك يا حبيبي، دايما مريح قلبي ومراضيني يا صادق.
إرتسمت على شفتيه إبتسامة خاڤتة، ثم التقط صَحن الفاكهة وغادر المطبخ متوجهًا إلى والدته، وما هي إلا دقائق حتى انتهت دليلة من مهمتها،تحركت متجهة نحو عمتها، وقالت بابتسامةٍ عذبة
اتفضلي يا طنط، رز مغسول في الحلة أهو.
مسحت على كتف الفتاة برفقٍ، وقالت بلهجةٍ مُوجهةٍ غمرها الرِضا 
شاطرة يا دليلة،اهو انا عوزاكِ كده دايمًا، مطيعة وقولة حاضر لازقة على لسانك.
ابتسمت، وتمتمت بوجهٍ بشوش 
حاضر يا طنط. 
____________
خرج الجميع من المطبخ بعد قليل، ولم يتبقَّ فيه سوى منى وأماني ليباشرا تسوية الطعام، التفتت أماني نحو زوجة أخيها، ونظرت إليها بنظرة تحمل أسفًا وهي تقول بلهجة معتذرة
متزعليش من فيفي يا منى، هي تبان صعبة شوية ومتحكمة.
صمتت للحظة وكأنها تبحث عن الأعذار لتهدئة الأجواء، ثم تابعت بحنانٍ وحديثٍ صادق 
بس والله غلبانة، وقلبها مفيش أبيض منه، بتصفى بسرعة وبتحب الخير للناس كلها، وعمر ما حد قصدها في خدمة وردته خالي أبدًا.
رسمت منى على شفتيها ابتسامة هادئة ، وردت بصوت يقطرُ صدقًا 
أنا عارفة الكلام ده كويس يا أماني، ومش زعلانة منها خالص.
عادت بذاكرتها إلى أيامٍ مضت، ثم أكملت بنبرة حانية
ده انا عمري ما انسى لها وقفتها مع صادق، وقت ما مامتك رفضت جوازنا لما صادق بلغكم إني مريضة.
تنهدت أماني بعمقٍ، ثم تحدثت مدافعة عن موقف والدتها حينها
ماما كانت معذورة وقتها يا منى، حطي نفسك مكانها، تخيلي ابنك يجي يقول لك إنه اتعرف على بنت في الجامعة وحبها وعاوز يتقدم لها؟
لم تنتظر إجابة، بل أكملت لتوضح الصورة كاملة
ماما وقتها فرحت جدًا علشان صادق كان طاير بيكِ، بس بعدها جه وقالها إن مامتك صارحته،وقالت له إنك مريضة سكر من وانتِ عندك تسع سنين. 
وتابعت حديثها بحرجٍ 
ماما خاڤت وقتها وقالت له دي مش هتقدر تخلف، ولو خلفت ممكن ولادك لا قدر الله يورثوا المړض منها.
اكتفت منى بابتسامة صامتة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر المختلطة، راقبت أماني ملامح وجهها الهادئة، وحاولت تبديد أي أثرٍ للحزن، فقالت بنبرة حماسية سعيدة وصلت للآخرى
وصادق وقتها اتمسك بيكِ ووقف قدام الدنيا كلها، وسانده الحاح عزام وفيفي، وأديكوا يا ستي اتجوزتوا وخلفتوا، وولادكم الله أكبر عليهم، ربنا يحميهم ويحافظ عليهم.
رمقتها بنظرةٍ ممتنة من أعماق قلبها، ثم همست بابتسامة رقيقة
تعرفي إنك جميلة أوي يا أماني؟ عندك سماحة ولين قلب مشفتهمش عند غيرك، وأحسن ما فيكِ إنك حقانية، مابتجامليش حد على حساب الحق، ولا بتهتمي بزعل حد طالما بتقولي كلمة ترضي بيها ربنا.
تهللت أساريرُ الأخرى بسكينةٍ، وردت بهدوء تام ونبرة ممتنة
الحمد لله يا منى، ربنا يجعلنا دايماً واقفين في
تم نسخ الرابط