الفصل الحادي عشر من لولا الغرام بقلمي روز أمين

موقع أيام نيوز

مش ټهديد يا منير، ده حقي في الدفاع عن ولادي اللي تعبت وضيعت عمري عليهم، علشان أطلعهم بالصورة اللي كل الناس بتحسدك عليها دلوقتي.
لم يكن يوماً جاحداً أو ناكراً للجميل، لذا ابتلع غضبه تدريجياً، وحلّ السكون في ملامحه وهو يرد بنبرة هادئة ورصينة
وأنا عمري ما أنكرت ده، ولا بخست حقك في تربيتك ليهم، وعارف إنك السبب في المراكز اللي وصلوا لها، حتى نهلة لما عارضتي رغبتها وصممتي على إنها تدخل حقوق، برغم إن كان نفسها تدخل تجارة علشان تساعدني في إدارة الشركات،وبرغم اني كنت محتاجها جنبي،لكن احترمت وجهة نظرك وقتها وسيبت لك القرار.
صمت للحظة، ثم تابع وعيناه تحملان عتاباً عميقاً
من صغرهم وأنا سايب لك حرية التعامل معاهم لأني وبكل بساطة كنت بثق في عقلك، وعارف إنك دايمًا بتختاري لهم الأفضل، لكن لما ألاقي بنتي الوحيدة تعيسة ومقهورة في قلب بيتها ، وكلكم بتفكروا في نفسكم وفي شكلكم الاجتماعي وتولع هي ومشاعرها، يبقى هنا لازم أتدخل يا راندا.
وتابع بصرامة 
لازم يكون لي رد فعل قوي ومساند ليها، على الأقل علشان ما تحسش بالغربة وهي في وسط عيلتها.
طالعته راندا بحزنٍ وعتاب، وعدم الاقتناع يرتسم على كل إنش في وجهها، لكنها سرعان ما رفعت رأسها بكبرياءٍ كعادتها.
قرر رفيق التدخل، محاولاً تهدئة الأجواء المشحونة، وقال بصوتٍ رزين
خلاص يا باشا، سيب لنا موضوع الولد ده، وإحنا هنجيب لجنابك كل المعلومات عنه.
لم ترق له الفكرة، فهو يعلم جيداً أن أولاده لن يتعاملوا بضميرٍ في أمر يتعارض تماماً مع أهوائهم وأهواء والدتهم،لذا رمقهم بنظرة صارمة أخرست الجميع، وهتف بحسمٍ أغلق به النقاش في هذا الامر 
أنا قولت أنا اللي هتصرف يا رفيق، الكلام انتهى في الموضوع خلاص، ولحد ما أجمع معلوماتي بنفسي، وأرجع أبلغكم بقراري النهائي،مش عاوز مخلوق منكم يتدخل.
نهض واتجه نحو مكتبه بخطوات واسعة، تاركاً خلفه الجميع في حالة من التذمر الساخط، أسندت راندارأسها للخلف بقلة حيلة، ليهمس سامحبيأسٍ وسخطٍ ظهرا على محياه 
أنا من الأول عارف إن اڼهيار الإمبراطورية اللي بنيناها مع بعض، هتبقى على إيد الهانم.
تنهد الجميع والڠضب تملك من قلوبهم،باستثناء ماياالتي لمحت بارقة أملٍ تلوح في الأفق، واصل الحاضرون مناقشتهم بوجوه واجمة وعقول يملؤها القلق من قرار منيرالمترقب.
ولجت غرفتها والتوتر ينهش داخلها، وراحت تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً، تهاوت بجسدها فوق الفراش واستسلمت لنحيب مرير زلزل كيانها، فقد كان يسكنها شعور جارف بأن حلمها يقترب من الاڼهيار، ولم تفلح كلمات والدها المطمئنة في اقتلاع جذور الألم، أو محو تلك النهاية التي باتت راسخة في وجدانها.
قاومت ضعفها، نهضت ومسحت عبراتها، ثم التقطت هاتفها المحمول، قررت الاتصال برشيد، رغم علمها أن عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا، وهو وقت قد لا يكون فيه متاحًا أو متواجدًا بالمنزل، غير أن وطأة الوحدة والخۏف دفعتاها لخوض التجربة، كانت تتوق لكلمة منه تطمأن داخلها، وتمدها بالقوة التي تفتقر إليها.
طلبت رقم منزله، وعلقت بصرها بالسماء تهمس بدعوات خفية أن يكون هو من يجيب، بعد لحظات من الانتظار، جاءها صوت أنثوي عرفت على الفور أنه لشقيقته، من نبرتها ومن حكايات رشيد المستمرة عنها، تعالت نبرات الفتاة عبر الهاتف متسائلة
ألو،ألو
لم تجب نهلة،بل أغلقت عينيها بألمٍ، وتركت لدموعها العنان وهي تغلق الخط بصمت.
على الجانب الآخر، كانت والدة رشيد تخرج من المطبخ حاملةً بين يديها صينية معكرونة بمعجون البشاميل، تنضح بسخونة الفرن ورائحتها الشهية تنتشر في أرجاء المنزل.
اتجهت نحو المائدة وسألت ابنتها باهتمام
مين اللي كان على التليفون يا بسمة؟
ردت بلا مبالاة وهي تهز كتفيها
مش عارفة يا ماما، فضلت أقول ألو ألو، بس يظهر صوتي معجبش اللي بيتصل، فقفل السكة في وشي.
أومأت الأم وقالت وهي تضع الصينية بعناية
طب ادخلي هاتي البانيه وباقي الأكل من جوة، ويلا اندهي لأخواتك وأبوكي.
خرج رشيد من غرفته على وقع أصواتهم، فجذبته الرائحة الذكية، اقترب من والدته وانحنى فوق الصينية يستنشق عبيرها بانتشاء، قائلاً بمزاحٍ
الله الله الله،ده إيه الجمال ده كله يا سمسم؟ ريحة المكرونة بتاعتك جايبة لآخر الشارع.
طالعته بابتسامة حانية لتهمس 
أنا قلت بمناسبة نجاحك وإنك طلعت من الأوائل، أعملك الأكل اللي بتحبه.
سألها بملاطفة
أفهم من كده إن الأكل ده معمول على شرف حضرتي؟
لم تستوعب حديثه فاجابته
اسم الله عليك وعلى شرفك يا حبيبي.
تعالت ضحكات رشيد وبسمة التي كانت تقترب حاملة صحنًا من لحم الدجاج المقلي، فراحت تهز الطبق بمداعبة أمام عينيه وهي تقول
وادي كمان يا سيدي البانيه اللي بتحبه، ولسه لما تعرف المفاجأة الكبرى.
اتسعت ابتسامته وقال بحماس
إشجيني.
تابعت بغمزةٍ عين
ماما مجهزة لك فرخة محشية رز بالكبد، يعني عاملة لك وليمة كاملة متكاملة.
عدل من ياقة قميصه بغرورٍ زائف وهو يقول
طبعًا يا بنتي، هو أي نجاح؟ دول جايزتين، جايزة للطالب المثالي، والتانية لسعادة رئيس اتحاد الطلبة.
رصت الأم الأطباق، ثم اقتربت منه وتلمست كتفه بحنان غامر
ألف مبروك يا حبيبي، يا رب دايماً ناجح ومن الأوائل على طول يا رشيد، عقبال ما ما تتخرج آخر السنة وتشتغل وأشوفك باشمهندس قد الدنيا.
التقط يدها وطبع عليها قبلة امتنان عميقة
في حياتك يا سمسم.
ثم لمعت عيناه بفيض من الشجن والحنين وهو يضيف
كان نفسي تبقي معايا امبارح وتشوفيني وأنا بتكرم، وكان نفسي أديكي وسام التكريم ده ليكِ إنتِ
وتابع بصدقٍ تجلى بنظراته 
لأنك أحق بيه مني يا أمي، إنتِ اللي تعبتي وسهرتي وحطيتي القرش على القرش عشان توصلينا للي احنا فيه ده دلوقت.
ابتسمت له وعلقت بنبرة هادئة
ما أنت عارفني يا رشيد، أنا لا بتاعة طلوع برة ولا بحب الدوشة، كفاية إن أنت كنت مبسوط، وده عندي بالدنيا.
طوقها بذراعيه في عناق دافئ وهمس مبتسمًا
هفوتها لك المرة دي، بس خلي بالك، في حفلة التخرج لازم تكوني معايا، أنا بقولها لك من دلوقتي عشان تبقي عاملة حسابك.
أومأت له والسعادة تملأ قلبها
إن شاء الله يا حبيبي.
ثم التفتت إلى ابنتها وقالت على عجل
يلا يا نسمة، ادخلي اندهي لأبوكِ وأخوكِ من أوضتهم قبل الأكل ما يبرد.
مر يومان على نهلة، قضتهما حبيسة غرفتها بأوامر صارمة من والدتها ، التي لم تكتفي بالحجر عليها، بل انتزعت منها هاتفها عنوةً، لتقطع عنها أي سبيل للتواصل مع ذلك الشاب، بزعم انها في انتظار قرار حاسم من والدها، وبناءً عليه ستُحدد إن كانت ستسمح لها بالحديث معه مجددًا أم ستضع حدًا للأمر برمته.
لم يكن الأمر هينًا على رشيد أيضًا،فكان يعيش جحيمًا من القلق عليها، لم يتحمل غيابها المفاجئ، فتوجه إلى الكلية يبحث عنها بقلبٍ متوجس، تعقب خطواتها حتى عثر على صديقتها المقربة، وسألها بلهفة ، لتجيبه الفتاة بحيرة
والله يا رشيد ما أعرفش عنها حاجة، بس هي بخير ما تقلقش.
وتابعت موضحة
أنا اتصلت على تليفونها ومامتها اللي ردت عليا، وقالت لي إنها واخدة دور برد شديد وهتقعد في البيت اليومين دول لحد ما تخف خالص.
برغم كلماتها المطمئنة، إلا أن الخۏف تسلل إلى قلبه واستقر ، وبدأ عقله ينسج سيناريوهات مرعبة، تملكه شعورًا سئء بالعجز، فلم يجد خيطًا واحدًا يوصله إليها.
فكر مرارًا أن يتصل برقمها، لكن فكرة أن تجيب والدته
عليه شلت تفكيره وجعلته يتراجع ، فماذا سيقول لها حينها؟ وكيف سيبرر اتصاله؟ لقد كان يكره الخداع، ولم يعتد طيلة حياته على الكذب أو مواراة الحقائق، لذا فقد عدل عن الفكرة.
بمنزل منير الخولي، عاد من عمله يحمل في جعبته قرارًا طال انتظاره، جمع أفراد العائلة جميعًا في غرفة المعيشة، حيث ساد صمتٍ مريب حبس معه الانفاس.
استدار بجسده، وثبت نظراته الثاقبة والمحملة بالجدية صوب نهلة، ثم قال بصوتٍ رخيم قطع ذلك السكون......... 
انتهى الفصل 
ترى، أي طريقٍ سيختار منير؟ هل ينتصر لأبوته ويقف بجانب ابنته ليزوجها بمن تحب، أم يلوذ بالفرار ويتخلى عنها ليصطف مع الجميع في خندق الطبقية البغيض؟
لَوْلاَ_الغَرَامُ_بقلمي_روز_أمين

تم نسخ الرابط