الفصل العشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين حصري
المحتويات
عاندت أحلامهم،وسحقتها.
____________
وصلت أماني إلى منزل فاطمة، لتجد السيد عزام جالسًا بمفرده، وحين سألته عن شقيقتها، أشار بيده نحو الأعلى، صعدت درجات السلم المؤدي للدور الثالث بأنفاس متلاحقة، وحين أطلت على السطوح، وجدت فاطمة غارقة وسط سربٍ من الطيور التي تعتني بها.
كانت تنحني بهمة لتُلقمَ ذَكَر البط طعامه، فالتفتت بغتةً حين استمعت لصوت شقيقتها وهي تناديها بأنفاس متهدجة من أثر صعود السلالم
بتعملي ايه في الحر ده يا فيفي.
مسحت قطرات العرق عن جبينها والتقطت أنفاسها قائلة
تعالي يا اماني، انا قولت اطلع أأكل الطيور وازغط دكرين البط بالمرة.
جلست أمامها، ونظرت إليها بنظرة تحمل في طياتها ملامح خبر هام، وقالت دون تمهيد
نتيجة دليلة بنت صادق طلعت.
توقفت عما تفعله، ثم سألتها بلهفة التمعت في عينيها
وعملت ايه؟
أطلقت أماني زفيراً حاراً،ثم تنهدت تنهيدة عميقة امتزجت بالأسف والمرارة، وراحت تقول
مجموعها مش حلو، جابت 89.
اتسعت عيناها پصدمة وسألتها مستفسرة
وده ما يدخلهاش طب.
عقبت بنبرة يملؤها الانكسار
صادق بيقول صعب.
انقبضت ملامحها حزنًا، وظهر التأثر الشديد في صوتها وهي تقول
لا حول ولاقوة إلا بالله، ليه كده بس يا دليلة، صادق يا حبيبي كان نفسه يفرح بيها ويشوفها دكتورة.
علقت أماني بيقين
دي إرادة ربنا يا فيفي، واللهم لا اعتراض.
ثم صمتت للحظة قبل أن تتابع بنبرة ذات مغزى عميق وعينين تلمعان بمراقبة ردة فعل الآخرى
سبحان الله، ربنا ليه حكمة في كل حاجة بتحصل.
وتابعت بدهاءٍ تستجدي ردة فعلها
كأن ربنا عمل كده علشان يراضي أشرف ويطبطب على قلبه.
عقدت فاطمة حاجبيها بحيرةٍ، وسألتها مستنكرةً
وأشرف إيه اللي هيستفاده من الخيبة دي يا أماني؟!
جاء جوابها مباشراً
ابنك بيحب دليلة وعاوز يتجوزها يا فيفي.
وقعت الكلمات على مسامعِ فاطمة كالصاعقة، فانسحبت من ملامحها اللهفةِ ليحل محلها وجومٌ ثقيلٌ وإحباط مرير، لم يكنِ الخبرُ مفاجأةً مطلقةً لها، فهي في النهاية أمهُ، وتستطيعُ قراءةَ ما وراءَ نظراته
كانت تشعر دائمًا ب نبضات قلبه وتعلّقه بدليلة من كثرة سؤاله اللحوح عنها، وفرحته الطفولية العارمة التي تضيء وجهه كلما رآها، وما أكد لها تلك الشكوك، تلك السلسلة الذهبية التي اشتراها لها خصيصًا في ذكرى ميلادها.
انتبهت أماني إلى التغير المفاجئ الذي حل بشقيقتها، والتمعتْ عيناها بالدهشة وهي ترى ذلك الانكسار يشعُ من نظراتها، وحين شاحت الأخيرةُ بوجهها والتزمت بالصمت التام، سألتها أماني بدهشةً
مالك يا فيفي؟!
تنهدت كأنما تزيحُ عن صدرها جبالاً، ثم قالت باقتضاب
مفيش يا أماني.
هتفت أماني باستغرابٍ يشوبه التوجس من هذا البرود المريب
مفيش ازاي، هو ده رد فعلك على خبر زي ده يا فاطمة؟!
واستطردت وعلامات الحيرة تملأ ملامحها
ده انا قولت انك هتتحزمي وترقصي لما تعرفي الخبر.
خرجت تنهيدة حارة من بين ضلوعها، لتتبعها بكلمات تقطر شجناً وعمقاً
هو انتِ فاكره اني ما فكرتش قبل كده اجوزها له، من يوم ما رجعت من السعودية آخر مرة وانا أول ما شوفتها اتمنيتها تكون ليه
ثم استطردت حديثها وعيناها تفيضان بمشاعر الحب والحنان
دليلة دي ست البنات كلهم، وأي أم ما تتمناش لابنها أحسن من كده، ادب وأخلاق وجمال وعقل الله اكبر.
عقدت أماني حاجبيها وسألتها باستغراب
امال المشكلة فين بقى يا فيفي؟!
تأرجحت بين القلق والخۏف، وقالت بصوت متهدج
خاېفة يا اماني، خاېفة النسب يبوظ علاقتي مع صادق ويضيع حُبي وهيبتي عنده
أطلقت تنهيدة حارة، ثم استطردت حديثها بنبرة يكسوها تأثر بالغ
انتِ عارفة العلاقة بيني وبين صادق عاملة ازاي، ده ابني اللي ما خلفتوش، ربيته بعد مۏت ابويا انا والحاج علام، كبير عيالي مش بس خالهم.
ضمت أماني كفها بحنو لتسكب في روحها السکينة، ثم طمأنتها قائلة
المفروض كلامك ده يطمنك اكتر، صادق بيحبك انتي والحاج علام وبيحترمكم، يعني ان شاءالله لو حصل واشرف خطبها، مش هتختلفوا على حاجة
هزت رأسها بتخوف وقلق، بينما مر شبح تجربة مريرة أمام عينيها، وقالت بغصة في حلقها
من يوم اللي حصل في جوازة بنت اخت علام وابن اخوه صلاح، وانا كارهة نسب القرايب كله، وجت لي عقدة منه
وتابعت بتذكير، مستدعية تداعيات تلك التجربة المريرة
اديكي شوفتي بنفسك، محمد وصفاء مكنش فيه اخوات قريبين من بعض زيهم، من يوم ما صلاح ابنه حط عينه على بنت صفاء وخطبها من سنتين، والمشاكل بدأت ما بينهم، وكملت وكبرت بعد ما اتجوزها، واهي رسيت على الطلاق، ومقاطعة الأخ لاخته اللي كان روحه فيها.
نظرت إليها أماني محاولة بشتى الطرق أن تزيل مخاوفها وتبدد هذا القلق الجاثم على صدرها، فقالت
صوابعك مش زي بعضها يا فيفي، وبعدين انتِ وصادق غير الدنيا كلها.
أومأت بهدوء، لكن صوتها خرج مثقلاً بالقلق والوجوم وهي تعقب
محدش كبير على فتنة وتحريض الشيطان يا اماني.
وتابعت بتأثرٍ
يبقى العقل بيقول، الباب اللي يجي لك منه الريح، سده واستريح.
لم تستسلم الآخرى أمام عناد شقيقتها، بل تابعت لتضعها أمام الأمر الواقع
ده رأيك انتِ يا فيفي، بس ابنك ليه كلام تاني.
ثم صمتت لبرهة، وأردفت لتكشف عن سيلٍ من المشاعر الدفينة
ابنك مش بس بيحب البنت، ده عايش على أمل جوازه منها يا فيفي.
توقفت عما تفعل، ونظرت إليها باستغراب، ثم سألتها بدهشة
وانتِ عرفتي الكلام ده منين؟!
خرجت من صدر أماني تنهيدة عميقة، وبدأت تسرد لها بتأثرٍ وتفصيلٍ ما دار وهز الوجدان،حكت لها ما جرى في الحرم المكي، وكيف تضرع ابنها وبكى في أطهر بقاع الأرض لأجل دليلة.
ومع كل كلمة كانت تنطق بها أماني، كانت فاطمة تشعر وكأن قلبها ينخلع على عزيز عينيها، سرى في عروقها فيض من اللوعة، إذ غمرتها رغبة عارمة، وتمنت لو كان أمامها الآن، لضمتهُ إلى صدرها، ولمسحت على قلبه العاشق وهدهدتهُ حتى استكان وهدأت لوعته، ولكانت خففت عنه وطأة هذا العشق الصامت.
________________
مع حلول الليل،حل ذاك السكون الثقيل أرجاء منزل صادق،داخل حجرةدليلة، حضرت ندى لتواسي صديقتها وحالها، إذ كانت خيبتهما مشتركة بعد أن حصلت هي الأخرى على مجموع تسعين بالمئة.
كانتا تجلستان على الفراش في غرفتها بالطابق الثاني، يحيط بهما ركام من خيبات الأمل ومرارة سكنت بحلق كلتاهما، ساد صمتٍ موحش، قطعته ندى حين تنهدت بعمق وقالت بصوتٍ يملأهُ الاحباط
انا هحول ادبي يا دليلة.
وقع النبأ كالصاعقة على مسامعها، فشعرت بذهول يداهم أركان ثباتها، التفتت إليها بجسد مرتجف وقالت لها
انتِ اټجننتي يا ندى
ثم سألتها والدموع تترقرق في عينيها بحړقة
طب وحلمنا، هتتخلي عنه؟
رمقتها بنظرة مغلفة بالمرارة، وردت بواقعية ممتزجة بالإحباط، محاولةً لجم عواطف لم تعد تجدي نفعاً
خلينا نفكر بواقعية يا دليلة، احنا عملنا اللي علينا وذاكرنا بكل طاقتنا السنة دي، ما قصرناش، بالعكس، احنا مكناش بنام، ومع ذلك مجموعنا مش حلو، ومحتاجين معجزة علشان نجيب 98، وندخل بيهم كلية الطب
واسترسلت بواقعية مريرة
للاسف يا، هي دي قدراتنا، ولازم نعترف بكده.
ابتلعت غصتها، وهزت رأسها بموائمة، وتابعت كلماتها بقوة وثبات بعد أن اتخذت قرارها الحاسم
أنا مش هقدر أكمل واضغط على نفسي تاني، وفي الاخر ألاقي نفس المجموع السنة الجاية، ونفس الصدمة ونفس خيبة الأمل ليا ول
متابعة القراءة