الفصل العشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين حصري
المحتويات
يتجوزوا على طول.
ضحكت أماني بقوة، وقالت بدهشةٍ من تسرع والدتها
جواز ايه يا ماما، البنت لسه صغيرة، طب قولي خطوبة.
شوحت بيدها في الهواء معترضة، وقالت بنبرة قاطعة مستشهدة بزمنها
هي مين دي اللي صغيرة، ده وانا في سنها، كنت مخلفة فاطمة ومحمد، وكنت حامل في عايدة كمان.
ردت أماني بمحاولة لإقناعها وتوضيح الفارق
الزمن اتغير يا ماما.
تدخلت عايدة تؤيد رأي والدتها قائلة
لا اتغير ولو حاجة، ما بنات البلد كلهم بيتحوزوا خمستاشر وستاشر سنه لحد الوقت.
هنا حسمت فاطمة الجدال، واستعادت هدوءها وعقلانيتها، فقالت بلهجة قاطعة
اصبري يا ماما لما اشرف يكلم خاله بنفسه، البنت لسه فاضل لها سنة فى الثانوية، تخلصها على خير، وبعدها يحلها الحلال.
______________
مرت الأيام متلاحقة كأنها في سباق مع الزمن، انتهى رشيد وأصدقاؤه من أداء الخدمة العسكرية، لملموا أحلامهم وتقدموا معاً للعمل في إحدى كبرى شركات البترول بالقاهرة، واليوم، كان الموعد المنتظر، يوم ذهابهم إلى المقر الرئيسي لاستلام عناوين مواقع عملهم الرسمية.
دلف الأربعة إلى مبنى الشركة الفاخر، وكانت خطواتهم المتزامنة توحي بأن القدر قد عاهد نفسه على ألا يفرقهم، أو يكسر رابط صداقتهم.
بعد دقائق من الانتظار ، أُذن لهم بالدخول إلى مكتب المدير العام، رحب بهم الرجل بابتسامة وقورة، ووزع عليهم الأوراق الرسمية قائلاً بنبرة مشجعة
أهلاً بيكم يا شباب، ألف مبروك تخرجكم ونورتوا الشركة، إن شاء الله دي تكون بداية خطوة جديدة وموفقة، لمشواركم الطويل.
رد رشيد وعيناه تلمعان بحماس واعد
إن شاء الله يا فندم
بدأ بفرز ملفات التعيين الموضوعة أمامه، وتابع وهو يسلم كل منهم ورقة موقعه
اتفضلوا، دي عقود وقرارات تعيينكم، وكل واحد ورقتة فيها مكان توزيعه بالظبط.
واستطرد بنصحٍ
حابب أقولكم كلمتين حطوهم حلقة في ودنكم، أنتم هنا مش في شركة عادية، دي شركة أمريكية ومن أكبر شركات البترول في العالم، ومكان زي ده حلم لأي مهندس إنه بس يدخل من بابه.
واستطرد موضحًا
وجودكم هنا معناه إنكم متميزين، بس التميز الحقيقي لسه ما ابتداش
الشغل في البترول عاوز التزام، سعي، وإن كل واحد فيكم يثبت نفسه ويطور من مهاراته، الشركة دي ميزتها إنها بتكافئ المجتهد، الفرص قدامكم مفتوحة، واللي هيثبت كفاءته ويشتغل على نفسه بجد، الشركة مش بس هترقيه هنا، لا دي هتسفره يمسك شغل في فروعنا اللي برة مصر.
وتابع بنبرة يملأها الحماس
المستقبل قدامكم، ركزوا واثبتوا وجودكم، وبالتوفيق ليكم جميعاً.
استطرد آمرًا
جهزوا نفسكم ورتبوا أموركم، عشان قدامكم يومين بالظبط وتسافروا تستلموا الشغل في المواقع.
تبادل الاصدقاء نظرات سريعة سرعان ما انطفأت حين وقعت أعينهم على أسماء المحافظات، فلم يكن هناك موقع يشبه الآخر.
التمعت عينا سامر بمسحة من الحزن لم يستطع مداراتها، وخرج صوته بوهنٍ
هو ماينفعش يا فندم نستلم كلنا في موقع واحد؟
رفع المدير رأسه، ونظر إليهم بمزيج من الاستغراب والجدية الصارمة التي تفرضها هيبة المكان، شعر سامر بالارتباك، لكن دافع التعلق بأصدقائه جعله يكمل بتأثر وصوت متهدج
أصل إحنا طول عمرنا مع بعض من أيام الثانوي، وصعب قوي نتفرق دلوقتي في الشغل بعد كل السنين دي.
هدأت ملامح المدير الصارمة، وتلاشت حدة نظرته لترتسم ابتسامة هادئة حملت الكثير من الحكمة والخبرة الحياتية، ثم علق بوعظ أبوي
احمدوا ربنا إنكم لقيتوا شغل في شركة واحدة، كمان عايزين تشتغلوا في نفس الموقع؟، وبعدين هو فيه موقع بيحتاج أربع مهندسين؟!
صمت لبرهة ليتأكد من أن كلماته حفرت في عقولهم، ثم ختم موجهاً حديثه للجميع بصرامة تحفيزية
زي ما قولت لكم، اثبتوا وجودكم، واشتغلوا بجد، الشاطر فيكم واللي هيثبت كفاءته مش بس هيترقى، ده ممكن يمسك مناصب كبيرة، ويسافر فروع الشركة بره مصر.
واسترسل بجدية ومغزى
المستقبل بين إيديكم، بلاش تضيعوه عشان مجرد تعود.
______________
انطلقوا معًا نحو الطريق المؤدي إلى الحي، يمشون بخطى هادئة تحت ضوء أعمدة الإنارة التي بدأت تتناثر على الرصيف الهادئ، كان المساء يحمل نسمة باردة تلمس الوجوه، وكأنها تبشر بفصل جديد من حياتهم.
الټفت سامر نحوهم فجأة، وتوقفت خطاه لثانية وعيناه تلمعان ببريق افتقده طويلاً، ثم قال بنبرة تفيض بذهول السعادة
شباب، أنا بجد مش مصدق إني همسك المرتب ده كل شهر في ايدي.
ابتسم رشيد برصانته المعهودة، ووضع يده على كتف سامر وقال بنبرة غلفتها السخرية
ما تهدى شوية وتبطل قر وقول الله أكبر يا سي سامر، وبعدين عامل لينا زيطة وهليلة من أول مرتب لسه حتى مشوفناش منه جنيه؟
وتابع مستبشرًا
أمال هتعمل إيه لما نسافر ونشوف فلوس البترول اللي بجد؟
اڼفجر محمود ضاحكًا، لترتد أصداء ضحكته في الشارع ، وعقب بتهكمه المرح المعتاد
ساعتها هنحجز له غرفة في الرعاية المركزة، ترقبًا وتحسبًا لما يمكن حدوثه من وطأة الصدمة.
علت أصوات ضحكاتهم لتمحو بقايا تعب اليوم، وفي غمرة تلك البهجة، لمعت في عيني عمر فكرة عابرة، فخفتت نبرته قليلاً وهو يلقي بحجر في مياه الماضي الراكدة
يحيى عبد الحق لو عرف إننا اتعينا في الشركة دي، ممكن يحصل له حاجة.
تصلبت ملامح محمود،وهتف بنبرة حادة حملت ترسبات مرارة قديمة لم تندمل بعد
هو حب يعلي علينا ويحس إنه مميز، فاختار يتطوع تلات سنين عشان ياخد لقب ظابط، بس لو عرف إننا اتعينا بجد في مكان زي ده، ممكن يتجلط فيها فعلاً.
تلاشت الضحكات تدريجيًا، وساد صمت ثقيل عكر صفو الأجواء، وكأن اسم يحيى شبحًا شريرًا يرفض مغادرتهم.
زفر رشيد بضيق مكظوم، ونظر إليهم بعينين حاسمتين لا تقبلان الجدال، قبل أن ينطق بحدة
وبعدين معاكم يا شباب؟ إحنا مش اتفقنا نرمي الماضي كله ورا ظهرنا؟ وأول شخص لازم يتنفي من ذاكرتنا تمامًا مش بس يتنسي، هو يحيى.
تبادلوا النظرات في صمتٍ مريب، واستقرت كلمات رشيد في نفوسهم كعهدٍ جديد، أومأ الجميع برؤوسهم، عازمين على إغلاق ذلك الكتاب القديم.
تفرقوا عند نهاية الطريق، ومضى كل منهم نحو منزله، والخطوات التي كانت ثقيلة بالأمس، أصبحت اليوم خفيفة، يملؤها حماسٍ جارف، وصخب داخلي يعيد ترتيب أحلامهم لاستقبال حياة جديدة تمامًا.
______________
عاد رشيد والټفت أفراد عائلته حوله لتهنأته، وحين كشف لهم عن عقد التعيين وقرأ بلسانه ذلك الرقم المدون في خانة الأجر،غمرتهم سعادةٌ هائلة
تنفست والدته الصعداء، واشتعلت عيناها ببريق انتصارٍ امتزج بلمعة دموعها الفطرية، فقالت بنبرة اهتزت من فرط التأثر
اللهم صلي على حضرة النبي، ربنا يبارك لك يا ابني
لم يجد كلمات تضاهي شعوره في ذلك الحين، فامتدت يده لتقبض على كفها ومال عليه يطبع قبلةٍ تحمل كل معاني الإجلال والعرفان.
انقشعت غيوم التعب عن وجه أبيه وتراجعت تجاعيد جبهته لتفسح المجال لابتسامة هادئة وقورة،وهو يقول
ألف مبروك يا باشمهندس، ربنا يجعلها فاتحة خير عليك يا ابني.
تطلعت عيناه في وجه أبيه بامتنانٍ جارف تشع منه أسمى مشاعر العرفان
الله يبارك فيك يا بابا.
وتابع بنبرة تقطرُ فخرًا بذلك الرجل
اللي انا فيه ده بفضل ربنا ثم فضلك يا حبيبي، لولا تعبك واصرارك انك تعلمنا وتدفعنا للامام، مكنتش هوصل لاي حاجة.
تطلع إليه عبدالرحمن بعينين تفيضين بالحنان، تبددت تلك الشحنة العاطفية حين قاطعهم شقيقه كريم بروح الشباب المشاكسة،
متابعة القراءة