الفصل العشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين حصري
المحتويات
جفونه، ليتخيل تفاصيل وجهها شديد الجمال، لاحت على شفتيه ابتسامة دافئة، نابعة من حنينٍ جارف يسكن أعماقه.
_____________
أنهت المكالمة والتفتت لتجد والدتها تقف أمامها وعيناها تتطاير منهما شرارات العتاب، سألتها بنبرة حادة ممزوجة بالاستنكار
إيه الكلام اللي قولتيه لأشرف ده؟
نظرت إليها باستغراب، وكأنها لم تستوعب خطأ ما قالته، فذكرتها بحدة بقرار تحويلها للقسم الأدبي الذي ألقته كحقيقة مسلم بها في الهاتف.
تنهدت دليلة ونطقت بدفاع
دي فكرة ندى، وبصراحة يا ماما عجبتني واقتنعت بيها.
لم يرق للأم هذا القرار المنفرد، وحدثتها بعتاب لاذع
ويا ترى اتناقشتي فيها مع بابا وأخدتي موافقته؟ ولا كبرتي وبقيتي تتصرفي من دماغك يا دليلة؟
أحنت رأسها خجلاً، ثم تنهدت قائلة بطاعة
حاضر يا ماما، لما ندى تمشي هنزل وأقعد مع بابا وأتكلم معاه.
تركت والدتها وصعدت درجات السلم متجهة إلى غرفتها حيث تنتظرها ندى، وعند نهاية الرواق، فوجئت بشقيقها يخرج من غرفته، وقف أمامها، وكانت عيناه تفيضان بحزن وهمّ أكبر من سنه، نظر إليها بأسف، وسألها بصوت متهدج من شدة الخجل
أنتِ زعلانة مني يا دليلة؟
عقدت حاجبيها وسألته بدهشة
وانا هزعل منك ليه يا أحمد؟
طأطأ رأسه وقال بنبرة مليئة بالذنب
عشان كنت السبب إنك متجبيش مجموع.
برغم الۏجع العاصف الذي يسكن جوفها، والحزن والانكسار اللذين ېمزقان روحها، إلا أن قلبها رثى لحال شقيقها الصغير، ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة شقت طريقها وسط الدموع الحبيسة.
اقتربت منه، ومدت يدها تلمس وجنته بنعومة وقالت بيقين وصوت يشع حنانًا
إوعى تفكر كده يا حبيبي، أنت ملكش أي ذنب في اللي حصل.
وتابعت وهي تحاول بث الطمأنينة في قلبه الصغير
ربنا هو اللي عاوز كده، وأكيد فيه حكمة من ورا كل ده، إن شاء الله خير.
طبعت قبلة رقيقة على مقدمة رأسه وأردفت مبتسمة
انزل العب بالكورة في الجنينة وبطل تفكير، وإوعى تحمل نفسك ذنب أي حاجة.
تهللت أساريره، وارتسمت ابتسامة بهية على وجهه بعد أن انزاح عن قلبه حمل ثقيل، وقال بسعادة طغت على نبراته
حاضر يا دليلة.
ربتت على كتفه، ثم دلفت إلى غرفتها واستلقت على فراشها بإرهاق شديد، كانت ندى تتابعها باهتمام، فسألتها بفضول
كان عاوز إيه أشرف؟
ردت بتلقائية وعيناها شاردتان في السقف
كان بيبارك لي.
ثم أردفت بنبرة غلفها الشجن
على إيه، مش عارفة.
رفعت ندى حاجبها الأيسر بذكاء ممتزج بالخبث، ونظرت إليها نظرة فاحصة وهي تقول
أنا ملاحظة إن أشرف مهتم بيكِ أوي الفترة دي.
أجابتها بهدوء ولا مبالاة، وهي لا ترى في الأمر شيئًا غريبًا
ما طبيعي يهتم، مش ابن عمتي؟
ضحكت الآخرى بسخرية من بلاهة صديقتها، وقالت بنبرة تحمل مكرًا أنثويًا
لا يا ذكية، الموضوع مش موضوع إنه ابن عمتك.
ثم تابعت مستنكرة سذاجتها
طب ما علي وشهاب هما كمان ولاد عمتك، بس محدش فيهم اهتم في عيد ميلادك وجاب لك سلسلة ذهب عليها أول حرف من اسمك، ولا حد فيهم افتكر يتصل ويبارك لك على النتيجة.
ضاقت حدقتاها، واعتدلت في جلستها وهي تنظر إليها بعدم فهم، ثم سألتها
تقصدي إيه؟ أنا مش فاهمة من كلامك حاجة خالص.
غمزت بعينها، وقالت بابتسامة واسعة وهي تلقي بقنبلتها
أشرف بيحبك يا دليلة.
توسعت حدقتاها من الصدمة، لتطلق ضحكةً هيستيرية هزمت بها ركام الأسى، والغمامة الداكنة الجاثمة فوق قلبها، ثم تساءلت بتهكمٍ حاد واستنكارٍ صارخ
بيحبني أنا؟ مستحيل يا ندى! أشرف ده أخويا، هو وعلي إخواتي فعلاً وعمري في حياتي ما شوفتهم غير كده.
ثم صمتت للحظة وتابعت باستغراب ونفور من الفكرة
وبعدين ده أكبر مني بكتير، إنتِ إزاي تفكيرك وصلك لكده أصلاً؟
٠واسترسلت مستنكرة
سوري يا ندى، بس تفكيرك في الموضوع ده سطحي وساذج أوي.
ابتسمت بثقة ويقين، ولم تتأثر بكلماتها، بل هزت كتفيها قائلة بتهكمٍ
والله ما حد ساذج غيرك أنتِ يا دليلة، وبكرة الأيام هتثبت لك وهفكرك بكلامي ده.
ساد الصمت المكان، وشردت دليلة للحظات تفكر في نبرة أشرف وصوته الهائم، وفي كلماته العميقة وألغازه التي لم تجد لها تفسيرًا منذ قليل.
تذكرت قوله
مين قال إنك خسړتي حلمك يا حبيبتي؟، فداهمتها قشعريرة غامضة، لكنها سرعان ما نفضت الأفكار من رأسها وهزتها مستنكرة، معتبرة الأمر مجرد أوهام في خيال صديقتها.
نهضت ندى من فوق المقعد وبدأت في جمع أشيائها قائلة
أنا هقوم أروح بقى عشان بابا ما يضايقش من تأخيري.
تمسكت دليلة بوجودها، ففي وسط عاصفة حزنها كانت هي المتنفس الوحيد لها، لذا قالت برجاء
لسه بدري، خليكِ قاعدة معايا شوية كمان.
اعتذرت بلطف وهي تتجه نحو الباب
مش هينفع، الوقت سرقنا.
ردت دليلة بمحاولة أخيرة لإقناعها
هتأخري إيه؟ يا بنتي أنتِ ساكنة في الشارع اللي ورايا.
رغم محاولاتها، صممت ندى على المغادرة رافقتها لتوديعها حتى باب المنزل الخارجي، وبعد أن غادرت صديقتها، توجهت بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة حيث يجلس والديها، جلست معهما، وفتحت موضوع التحويل إلى القسم الأدبي بالثانوية العامة. دار بين الثلاثة نقاش هادئ وطويل، استمع فيه الأب لجهة نظر ابنته ومخاوفها، وبدت الأم متفهمة بعد أن هدأت ثورتها.
في النهاية، اقتنع الأب تمامًا ورأى أن هذا هو القرار الأفضل والأنسب لمستقبلها، فحصولها على مجموع عالٍ في القسم الأدبي سيفتح لها أبواب كليات قوية تناسب قدراتها، بدلاً من المغامرة في طريق فقدت شغفها به، شعرت براحة نسبية بعد موافقة والدها.
______________
فور انتهاء أشرف عزام من محادثته مع من ملكت الفؤاد، مازالت البسمة ترتسم على شفتيه، فقد شعر أن دعواته في جوف الحرم بدأت تتجسد أمامه واقعًا.
لم ينتظر كثيرًا،على الفور طلب رقم منزل والده، وحسم أمره ليلقي عليهما ذاك الآمر الذي طالما تاق إليه قلبه،أبلغهما رغبته الرسمية في خطبة دليلة.
تهللت أسارير عزام، ورحب بالفكرة ترحيبًا شديدًا، فهو يرى في دليلة الفتاة المثالية لولده، أما فاطمة، فرغم تخوفها الفطري من الخطوة، إلا أنها وافقت في النهاية نزولاً عند رغبة ابنها ولمعان العشق ولهفنته التي حسته من بين نبرات صوته الغارقة في العشق،
وقبل أن ينهي الحديث، استوقفهما أشرف بنبرة جادة ومحذرة، طالبًا منهما كتمان الأمر وعدم إثارته مع أي شخص، ولا سيما خاله صادق، حتى تتسنى له فرصة مفاتحته بنفسه لنيل موافقته الرسمية.
في اليوم التالي، كانت الشقيقات الثلاث مجتمعات في منزل والدتهن، وما إن فتحت فاطمة سيرة رغبة أشرف، حتى استغلت عايدة الفرصة، والتفتت إليها لتكشف عما دار بينها وبين ابنها قبل سفره، اتسعت عيناها بذهول وصدمة، وقالت بنبرة عاتبة
يعني الواد قايل للكل إلا أنا وأبوه؟!
أسرعت عايدة تبرر لتهدئة روع شقيقتها، فقالت
اكيد كان مكسوف يقول لك يا فاطمة.
التزمت فاطمة وراحت تفكر في الأمر، وهنا تدخلت الجدة رقية في الحوار، وقالت بابتسامة داهية تنم عن خبرة السنين
انا كنت عارفة وكاشفة بصاته ليها من زمان، كان دايمًا مركز معاها وعينه ما بتشالش من عليها.
أخرجت فاطمة تنهيدةً عميقة وهي تشعر بوخزة ذنبٍ تدمي قلبها، ثم التفتت تلوم نفسها بانكسارٍ وهي تقول
يعني كلكم حسيتوا بابني وباللي في قلبه، وانا اللي امه، محسيتش بيه ولا بوجعه؟!
ربتت رقية على يدها في مواساة، وقالت بيقين حاسم
بعد الشړ عليه من الۏجع، انا بكرة هكلم صادق في الموضوع اتفق معاه، وبعد ما دليلة تخلص ثالتة ثانوي،
متابعة القراءة