الفصل العشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين حصري
ملوحًا بيده بذهولٍ غلفتْه الدعابة
ايوا يا عم مين قدك، أول مرتب ليك قد مرتب بابا سبع مرات.
انتفضت سامية في مكانها، وقد تملكها ذلك الذعر المتوارث في قلوب الأمهات الكلاسيكي من عين الحسود، وقالت بلهفة وهي تزيح بصرها وتنفث في الهواء
قل اعوذ برب الفلق من شړ ما خلق، يا ابني قول الله اكبر.
رفع كريم كفيه مبررًا براءة نيته وهو يبتسم
هو انا هحسده يا ست ماما.
لاحت على شفتي رشيد ابتسامة صامتة، بينما تحركت بسمة من مكانها، وتدثرت بقربه ملقيةً برأسها على كتفه بدلال طامع في كرمه
انا عاوزة هدية حلوة من اول مرتب يا باشمهندس.
الټفت إليها ، وضمتها ذراعه بحنان دافق قبل أن يقول وهو يمسح على شعرها
عنيا ليكي يا بسوم، شوفي عاوزة ايه وانا تحت امرك.
تهلل وجهها، وتهادت في جلستها بامتنان غامر،وراحت تتمتمُ بدلال
ربنا يخليك ليا يا رشيد.
وهنا، استيقظ وعي سامية، تلك المرأة التي تعلم جيدًا قيمة المال،لتنظر في عيني نجلها،وتحدثت بعقلانية وعاطفة تبتغي فيها المنفعة
ايه رأيك ادخلك في جمعية كبيرة كل شهر، بدل الفلوس ما تتبهدل عليك.
أومأ لها برضا تام، وقال پسكينة نفسية تنم عن نضج مبكر وقلبٍ سليم
اعتبري المرتب كله في ايدك كل أول شهر يا ماما، انا هاخد منه اللي يكفيني للشهر والباقي اعملي منه جمعية، علشان توضبي منه البيت ان شاءالله.
رفرف قلب سامية فرحًا، وشعرت بيقين جارف أن الله قد كافأ جهادها الطويل، وأن يد نجلها البار جاءت لتمسح عنها تعب السنين، لكن كبرياء الأب وعزته جعلاه يحرك رأسه وهو يقول بصوت حاسم معترض
دي فلوسك يا ابني، ابني انتَ منها مستقبلك، وما تشلش همنا.
نهض باصرار واتجه صوب مقعد أبيه، وانحنى بجسده ليطبع قبلة طويلة على رأسه، وقال له بصدق تزلزلت له نبرته
انا وفلوسي بتوعك وملك اديك يا حاج، ربنا يبارك لنا في عمرك، ويقدرني واقدر ارد لك ولو جزء صغير من تعبك وجمايلك الكتير عليا.
الآن فقط، غمرت السکينة قلب عبد الرحمن المنشرح بعد طول عناء، فثمرة كفاحه قد أينعت أمامه، تملكه يقينٌ قاطع بأن ظهره لن ينحني مجدداً، فقد شبَ صغيره وغدا رجلاً يعتمد عليه، وأصبح من صنف الرجال الذين يُستأمنون على العهود، وتُعمر بأكتافهم البيوت.
____________
كان ليل الشتاء قد أرخى ستائرة على المدينة، والبرودة تلسع الوجوه بنسمات قاسېة،وبرغم هذا الصقيع، وقف أشرف وحيدًا أمام امتداد البحر الغامض، يراقب تلاطم الأمواج في العتمة، مستنشقًا الهواء البارد العاطر الذي يحمل رائحة الملح والمطر، محاولًا لم شات أفكاره التي تلاطمت داخل رأسه كالأمواج.
مرت الايام پجنون، ولم يعد يفصل دليلة عن اختبارات الشهادة الثانوية سوى شهرين اثنين، شهران فقط يقرران الكثير، لقد أزاحت عن كاهله عبء الحيرة، وطمأنت قلبه المتوجس حين اتخذت قرارها الحاسم بالتحويل من القسم العلمي إلى الأدبي، ممهدةً الطريق أمام أحلامهما التي أصبحت مشتركة بالنسبة له.
لكنه في هذه اللحظة، شعر بأن قلبه يعلن العصيان، لم يعد قادرًا على الاحتمال، واستنفد كل طاقته في مقاومة الاشتياق ولوعة الانتظار الطويل.
لقد اشتاقها حد الۏجع، وباتت عيناها الآسرتان تلاحقانه كظله في كل زاوية يلتفت إليها، حتى شعر أنه شارف على فقدان آخر ذرات صبره.
وتحت وطأة هذا الاندفاع العاطفي الجارف، جذب هاتف المحمول من جيبه، وحسم أمره بكسر القرار الذي قطعه على نفسه سابقًا، فقد كان ينوي ألا يفتح هذا الباب إلا بعد أن تنهي حبيبته اختباراتها ويطمئن على مستقبلها، لكن الشوق كان أسرع من خططه.
على الجانب الآخر، وفي تلك الأوقات الحمېمة من ليالي الشتاء، كان الدفء يحاوط منزلصادق،حيث يجلس الرجل مسترخيًا بجوار زوجته وابنه، يتابعون التلفاز بينما تتصاعد أبخرة مشروب الكاكاو الساخن من الأكواب التي تحتويها كفوفهم للتدفئة.
بينما تجلس دليلة في غرفتها تسابق الزمن.
قطع صمتهم اهتزاز هاتف صادق المحمول، وحين أضاءت الشاشة باسم أشرف، ارتسمت على ثغره ابتسامة تلقائية ممتنة، وضغط على زر الرد بسرعة قائلًا بنبرة ترحيبية دافئة
السلام عليكم.
بينما كان قلب أشرف في تلك الثانية يقرع في صدره كطبلٍ حربي، ابتلع ريقه ورد بصوتٍ مرتبك تلعثمت فيه الحروف، وأنفاسه تتلاحق كأنه كان يركض أميالاً
وعليكم السلام، ازيك يا خالي
شعر بتوتر نبرة ابن شقيقته، فرد بحنان أبوي
الله يسلمك يا اشرف، اخبارك ايه يا حبيبي، طمني عنك.
أدارت منى رأسها نحوه، ورمقته بنظرة تعجب خاطفة، قبل أن تعود لترتشف من كوب الكاكاو الساخن بهدوء.
بينما استجمع أشرف شتات شجاعته، وأخذ شهيقًا عميقًا ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا
خالي، انا كنت عاوز اكلمك في موضوع مهم.
اعتدل صادق في جلسته قليلاً، وأصغى إليه باهتمام قائلاً بصوتٍ حنون
اتفضل يا حبيبي، انا سامعك.
ولأن المشاعر فاضت عن حد الكتمان، وتلاشت قدرته على المواربة، ألقى بقنبلة شوقه دفعة واحدة دون أي مقدمات تذكر
انا عاوز اخطب دليلة.
انتهى الفصل.
لَوْلاَ_الغَرَامُ_بقلمي روز أمين