الفصل العشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين حصري
المحتويات
بابا وماما.
ثم حركت رأسها باستنكار ورفض لمجرد تخيل تكرار ذلك السيناريو القاسې، وقالت بنبرة قاطعة
انا فكرت وخدت القرار خلاص.
أطبقت دليلة جفنيها بقوة، تبحث عن ذرة تماسك داخلها، ثم سألتها بصوتٍ مهزوز
طب وعمو مجدي، هيوافق على قرارك ده؟
أجابتها محاولةً حسم الشكوك بملامح هادئة
بابا سايب لي حرية القرار،قال لي شوفي انتِ عاوزة إيه،وأنا معاكِ.
تنهدت دليلة وكأنها تلفظ آخر أنفاس المقاومة في معركتها الخاسرة، وقالت بتردد امتزج بمرارة الهزيمة
هي الفكرة فيها استسلام شوية يا ندى، بس للاسف، واقعية
وتابعت باستسلام والدموع تنحدر على وجنتيها
انا كمان هكلم بابا فيها ونفكر سوا، ولو شاف القرار مناسب، هحول معاكِ.
تلاقت نظراتهما، وفاضت عيونهما بدموع القهر والأسى؛ إذ تبادلتا نظرة طويلة عاجزة، وكأنهما تودعان حلماً عاش ملازماً لهما لسنوات، واليوم تشيعانه إلى مثواه الأخير.
_____________
جلس في بهو مسكنه مستسلمًا للهدوء بعد يوم حافل بالتعب،قبض على هاتفه المحمول وهاتف خاله عبر الخط الأرضي، مدفوعًا برغبة عارمة في الاطمئنان على مجموع معشوقته، وليهدئ من روع قلبه المرتجف بعدما علم أن نتائج الثانوية العامة قد أُعلنت رسميًا.
لم تمر سوى لحظات حتى أتاه صوت خاله، فابتلع ريقه وهتف بنبرة يملأها الخۏف والرهبة
ازيك يا خالي انا اشرف عزام.
أجابه بنبرة يملؤها الشجن، وصوته متأثرٍ من أثر حلم ابنته الذي تهدم وتلاشى أمام عينيها
ازيك انتَ يا اشرف، عامل ايه يا حبيبي
شعر بنبرة الانكسار في صوت خاله، فرد باقتضاب
بخير الحمد لله.
تخلت عنه رصانته ليتحدث بلهفة وشغف كاد أن يقتلع صدره
طمني على دليلة، عملت ايه
أطلق زفيرًا مثقلاً بالهموم، وجاء رده بصوت يقطر بخيبة أملٍ حاړقة
الحمد لله يا ابني على كل حال.
ضاقت الأنفاس في صدره، فسأله بلهفة أشد مستجديًا تفاصيل تبدد هذا الغموض الخانق
يعني عملت ايه يا خالي.
خيم الحزن على نبرة صادق وهو يلفظ بالحقيقة المرة
مجموعها مش احسن حاجه يا اشرف، للاسف مش هتدخل كلية الطب بيه.
ولدت في أعماقه مشاعر متناقضة، فرغم حبه الهائل واللا محدود لها، ومحبته الكبيرة لخاله وتمنيه الخير والتوفيق لهما في كل حين، إلا أنه لم يستطع منع الفرحة من أن تتسلل إلى أعماق روحه.
إذ تدفق في أوصاله شعورًا هائلاً من الطمأنينة، واجتاحت نفسه فرحة عارمة باغتته كمعجزةٍ، فقد تجلت له تلك اللحظة كإشارة ربانية، تعدهُ ببعث حلمه المؤجل، واقتراب الفتاة من حياته، بعد أن كان يظنها حلمًا بعيد المنال.
وتحت تأثير تلك الغبطة المفاجئة، تحدث بصوت غلفته سعادة عجز عن إخفائها تمامًا
معلش يا خالي، كل شيء نصيب، واكيد ربنا كاتب لها الخير في مجموعها ده.
استند صادق إلى إيمانه الراسخ، وتحدث بيقين وبصوت خاڤت يداري به لوعته
الحمدلله ، رب الخير لا يأت إلا بالخير.
عقب متأثرًا
ونعم بالله.
ثم صمت برهة، وتابع بصوت حاول جاهدًا أن تبدو نبرته عادية وتخلو من أي إثارة
ممكن بعد اذن حضرتك اكلم دليلة أبارك لها.
أجابه ممتنًا لمواساته
طبعاً يا حبيبي، ثواني هنده لها من اوضتها.
وضع سماعة الهاتف على الطاولة بجانبه، وخطا بخطوات هادئة مثقلة بالهم ، وقف تحت درج السُلم وبصره معلق بالأعلى، ثم نادى بصوت مرتفع
دليلة، دليلة.
تطلعت ببصرها نحو الأسفل قائلة بنبرة واهنة يكسوها الحزن
نعم يا بابا.
اشرف ابن عمتك على التليفون وعاوز يبارك لك.
حاولت استجماع شتات نفسها، وردت بأدب واقتضاب
حاضر، نازلة حالا
تهادت على درجات السلم بخطوات متثاقلة، ثم رفعت السماعة وقالت بنبرة مجهدة قفز الحزن منها
ألو.
ما إن انساب صوتها عبر الهاتف حتى تزلزلت أركانه، وكالعادة أغمض عينيه ببطء مستسلمًا لسحر نبرتها، ظهر على ملامحه الاستمتاع العارم وكأنه يستمع إلى أجمل سيمفونية عُزفت في الوجود.
غاب عن واقعه وتحدث بصوت هائم يقطر عشقًا وهيامًا قد طال كتمانه
ازيك يا دليلة، الف مبروك.
خرج صوتها خافتاً يحمل مرارة الانكسار، وعيناها تلمعان بدموع متمردة، كادت أن تشق طريقها على وجنتيها وهي تقول
الله يبارك فيك يا أشرف.
آلمته نبرة انكسارها، فلم يطقها وحاول ترميم روحها، وبادر بمواساتها،وهو يتمتمُ في حنوٍ
إوعي تزعلي، إن شاء الله ربنا كاتب لك الخير كله في الخطوة دي.
ثم صمت للحظات، يترقب نبرتها ويقيس أثر كلماته عليها، قبل أن يتابع محاولاً حثها على التمسك بالأمل الزائف
وبعدين ذاكري، وإن شاء الله السنة الجاية هتحيبي مجموع أكبر.
راقب رد فعلها بتلهفٍ، بينما هي تنهدت بإحباط شديد، وقد تملكتها كلمات ندى وتغلغلت في أعماقها، فقالت بيأس استقر في روحها
خلاص بقى، مش هعلق نفسي في حلم تاني وأنا عارفة إنه مش هيتحقق.
ثم صمتت لبرهة، قبل أن تحسم أمرها بمرارة
أنا هحول أدبي خلاص.
كانت منى تقف خلفها مستمعة إلى كل كلمة، اشتعلت بداخلها موجة من الڠضب العارم، لكنها ضغطت على شفتيها والتزمت الصمت التام، مفضلة الانتظار حتى تنهي ذلك الاتصال الغير مرغوب فيه.
في المقابل، كانت كلماتها تتساقط على مسامع أشرف كالغيث الذي أحيا أرضًا قاحلة، شعر بقلبه يرفرف بين ضلوعه، يرقص فرحًا وطربًا.
حدث نفسه بذهول ممزوج بالامتنان
ما هذه إلا آيةٌ وبشارةٌ من الله جلّ وعلا، ساقها إليّ لتؤكد أنه سبحانه قد استجاب لندائي الذي أودعته رحاب الحرم.
لم يستطع كبح جماح مشاعره، وانطلق صوته هادرًا بحماس لم يقدر على مداراته
برافو يا دليلة، ده أحسن قرار ممكن تاخديه، بكرة تنجحي وتتميزي في الكلية اللي هتدخليها، وأكيد هتحبي دراستك فيها.
وتابع بتفاؤل شديد وعينين تلمعان بالأمل
وصدقيني، بكرة شايل لك كل الخير.
أطلقت تنهيدة حاړقة تخرج من جوفها المټألم، وتمتمت بجمود
مبقتش فارقة، من بعد خسارتي لحلمي وحلم بابا، مبقاش فارق معايا حاجة.
أجابها على الفور، بنبرة تدفق منها الشغف واليقين
مين قال إنك خسړتي حلمك يا حبيبتي؟
تصلبت في مكانها، وارتبكت دقات قلبها فور سماعها لتلك الكلمة المفاجئة، بلعت ريقها بصعوبة جافة، بينما استرسل هو في حديثه بنفس الحماس، والبهجة تقفز من نبراته
الحياة لسه قدامك، مقابلاكي وفاتحة لك دراعاتها، والسعادة مستنياكي يا دليلة.
كانت كلماته عذبة، تلمس الروح برقتها، لكنها أثارت استغرابها، كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها معها بهذا العمق، وشعرت بأن خلف عباراته ألغازًا لم تفهمها.
غير أن عقلها المثقل بالهموم لم يكن مستعدًا للتحليل أو التفسير، فقد ضړب الحزن سياجًا حول قلبها، لدرجة جعلتها تضيق ذرعًا بالحديث كله، لذا قاطعته قائلة بنبرة منسحبة
بعد إذنك يا أشرف، أنا لازم أقفل.
أجابها مسرعًا،قبل أن يفقد تواصله معها
تمام، بس عشان خاطري ما تزعليش، وخليكي واثقة إن ربنا هو اللي عمل كده عشان يحقق لك حلم أكيد هيكون أكبر وأحسن.
هزت رأسها بقلة حيلة، واليأس يكسو ملامحها وهي تقول
إن شاء الله، باي باي يا أشرف.
أغلقت الخط دون أن تنتظر سماع رده، أما هو، فقد أبعد الهاتف عن أذنه ببطء، أخرج تنهيدة عميقة بينما عينيه التمعت بفيضٍ من العشق الجارف.
رفع بصره نحو السقف، وهمس بنبرة تقطر امتنانًا
اللهم لك الحمد والشكر.
ثم أغمض عينيه وتابع والرجاء يملأ صدره
يارب تكمل دعوتي على خير وتفرح قلبي بيها.
أرخى جسده للوراء، ورمى رأسه على ظهر الأريكة مستسلمًا لخياله الحالم، راحت ملامحها ترتسم في عتمة
متابعة القراءة