الفصل الحادي والعشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين

موقع أيام نيوز

مرسومة، نظر إليها وتسللت الطمأنينة إلى صوته وهو يقول بنعومة
ادخلي يا حبيبتي خطت بخطواتها المترددة نحو منتصف الغرفة، ثم وقفت مشدودة القامة، وسألته بنبرة يمتزج فيها الفضول بالريبة
قاعد لوحدك ليه طالما خلصت المكالمة؟
وعلى الرغم من الابتسامات الدافئة التي حاول غزلها على شفتيها ليخفي وراءها ثقل المفاجأة، إلا أن عينه كانت تشي بهَمٍّ خفيّ وهو يجيبها
سرحت مع نفسي شوية.
انفرجت أساريرها عن ابتسامة بشوشة، وراحت تمازحه محاولةً تخفيف وطأة التوتر الذي طغى على محياه، ثم قالت بنبرة غلفتها المشاكسة
اللي واخد عقلك يا سيدي.
تألق الحب في عينيه اللتين اتسعتا بلهفة، ورمقها بنظرة غامرة يشع منها الهيامُ،مبرهناً على أن بريق حبهما لم ينطفئ بعد، ثم قال بنبرة يقفز منها الغرام
محدش واخد عقلي وقلبي ومتهني بيهم غيرك يا مُنمن.
اجتاحتها موجة من خجلها المعهود، وهو الخجل ذاته الذي طالما أسر قلب حبيبها وجعله يذوب عشقاً في ملامحها، لذا لم يتمكن من منع نفسه من مواصلة الغزل قائلاً
تعرفي اني بعشق اشوف ملامحك لما بتنكسفي، علشان خدودك بتحمر وتبقى شبه التفاح الامريكاني.
أطلقت ضحكة خاڤتة بددت بهما توترهما، وتقدمت خطوة إضافية وكأنها تحاول اختراق حصونه الدفاعية، ثم قالت بإصرار لطيف
ما تبلفنيش بالكلام وقولي، أشرف كان عاوزك ليه؟
تنهد بقوة كأنما يجمع شتات نفسه، وأشار بيد هادئة نحو المقعد القابع أمام مكتبه، وقال في رزانة
تعالي الاول اقعدي.
استجابت لطلبه وجلست، لكن الشكوك كانت قد حفرت مجراها العميق على وجهها، فسألته في ريبة
ياه، هو الموضوع كبير للدرجة دي؟
رفع يده ليحاوط ذقنه بأصابعه، متأملاً ملامح شريكة عمره، وقال بنبرة ممتلئة بالغموض
اكبر مما تتخيلي.
انقبضت أساريرها، وتملك الارتباك من نبرات صوتها وهي تسأله بقلب يرتجف
خير يا صادق؟، قلقتني. 
أجابها محاولاً بث السکينة في روعها
خير ان شاءالله يا حبيبتي.
ثم وبدون تمهيد ، ألقى بكلماته الصاډمة دفعةً واحدة
اشرف طلب ايد دليلة.
تسارعت دقات قلبها فجأة كأنها في سباق مع الزمن، لقد أصاب حدسها الأمومي كالعادة، وتأكدت مخاوفها من أن أشرف يطمع في نيل قلب ابنتها، وأنه يخطط لهذا الأمر منذ زمن بعيد.
ابتلعت ريقها، وحافظت على مظهرها الهادئ بصعوبة بالغة وهي تسأله
وانت قولت له ايه؟
هز كتفيه بلا مبالاة مصطنعة، مديراً وجهه قليلاً وهو يقول
قولت له انه مش وقته.
هنا، تلاشت رقتها، واندفعت نبرتها لحادة، جادة، وصارمة كالسيف، تعلن عن ڠضبها العارم
اسمح لي يا صادق دي قلة ذوق منه، ازاي يتجرأ ويكلمك في موضوع زي ده والبنت داخلة على امتحانات.
تابعت كلماتها الحانقة، وهي تستطرد بضيق لم تستطع كبحه
والأهم من ده كله هو ازاي يفكر في دليلة أصلا؟
ارتسمت علامات الاستغراب والدهشة بوضوح على ملامحه من هذا الھجوم المباغت والشرس على الشاب، لكن الأهم والأكثر غرابة في حديثها كان اعتراضها المطلق على مجرد تفكيره في ابنتهما. 
ضيق ما بين عينيه، ورمقها بنظرة حائرة مستنكرة، وهو يسألها
وايه اللي يمنع ان ابن عمتها يفكر فيها يا منى؟!
لم تتردد لثانية واحدة، بل اندفعت إجابتها سريعة وحاسمة، كأنها تخوض معركة ضارية لحماية صغيرتها من مخالب وحش كاسر، وصاحت بنبرة لا تقبل الجدال
ده اكبر منها على الاقل بعشر سنين يا صادق.
هز رأسه بهدوء حاول به نسف منطقها، ورد قائلاً بتبسيط الأمر
وإيه يعني عشر سنين، ما معظم الفرق بين الازواج من سبع لعشرة واتناشر سنة كمان، وجوازاتهم ناجحة جداً.
لكن كلماته لم تزدها إلا تمسكًا بموقفها، فهتفت بذات الحدة والصرامة،على غير عادتها
السن ده واحد من ضمن الاسباب يا صادق.
صمتت فجأة، وأطبقت شفتيها وهي تنظر إليه بغموض وإبهام غريب، مما أثار حيرته،لكنها سرعان ما استنكرت موقفه الدفاعي وهدوءه المريب تجاه الفكرة، فسألته بنبرة متشككة
افهم من كلامك ده انك وافقت؟!
تغيرت نبرته لتصبح أكثر رزانة وعقلانية، ورد قائلًا
وهل انا أملك الموافقة أو الرفض يا منى؟
أرادت أن تقطع الشك باليقين، فسألته بإلحاح
طب هترد عليه باية؟
أطلق تنهيدة حارة ومثقلة بالهموم، ثم نهض من خلف مكتبه مستجمعًا هدوءه، وتحرك بخطوات واثقة ومتمهلة حتى وصل إليها، مد يده نحوها ليمسك بكفها في حنان، وقال مسترضيًا
لسه بدري على الرد يا حبيبتي، أنا قولت له الموضوع هيتقفل لحد ما نتيجة دليلة تظهر.
تجاوبت مع لمسته الدافئة، فقبضت على يده ووقفت قبالته مباشرة، وتطلعت في عمق عينيه بنظرات تشع بالريبة والقلق، ثم سألته هامسة
طمني وقولي هترد عليه باية يا حبيبي؟
شعر برغبة ملحة في إغلاق هذا الملف تمامًا، فقد استشعر بذكائه حجم التوتر والاضطراب الذي أصابها، وأدرك أن الاسترسال في هذا الحديث الآن لن يجلب سوى الخلافات والنقاشات الحادة التي قد تعكر صفو حياتهما.
أراد أن يعيد الدفء والسکينة إلى قلبها، فابتسم برقة وقال محاولاً إنهاء الجدال
يا حبيبتي انت شاغلة دماغك من الوقت ليه، اصبري لما إمتحانات بنتك تخلص، وساعتها يبقى ربنا يدبرها من عنده.
وبحركة رقيقة ودودة، سحبها من يدها ممسكًا بخصرها برفق، واتجه بها نحو باب المكتب وهو يحاول تلطيف الأجواء قائلاً
تعالي نكمل قعدتنا، وأنا هدخل المطبخ أعمل لنا كبايتين شاي بالقرنفل يظبطوا الدماغ.
أطلقت تنهيدة استسلام طويلة، وكأنها تزيح عن كاهلها ثقل الهواجس مؤقتًا، سايرت خطواته متجهة معه إلى الخارج برضا وسكونٍ،ولكن بشكلٍ مؤقت.
____________
في غرفتهما، انكبت داليا على السرير تُلبس طفلتها ثيابها بعجالة تُسابق بها الزمن، بينما يقف علي أمام المرآة يُهندم رابطة عنقه بعناية.
نظر إلى انعكاسه بإعجاب راضٍ، قبل أن يلتقط زجاجة عطر فاخرة ويرش منها رذاذًا خفيفًا ملأ الأجواء.
كانت تراقب حركاته من خلال المرآة،لتقول بنبرة جادة لا تخلو من الاستعجال
خلص يا علي وتعالى خد البنت علشان ألحق ألبس أنا كمان.
الټفت إليها مبتسمًا وطمأنها باهتمام
حاضر يا حبيبتي، بس البسي بسرعة علشان نلحق ميعادنا.
اقترب منها وحمل ابنتهما بين ذراعيه، فضمھا إلى صدره بحنان وبدأ يلاعبها ضاحكًا
يا دولي يا حبيب بابي، أنت ازاي قمر كده يا واد أنت؟
شرعت في تبدل ثيابها، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام بسعادة وهي تراقب تفاعلهما، إذ راحت الصغيرة تقفز فرحًا وتناغي والدها بكلمات متلعثمة مبهجة
بابي، حبيبي. 
التفتت نحوهما، وقالت بغيرة مصطنعة
شوف البنت البكاشة، أفضل أحمي وألبس وأأكل، وحضرتها مركبة لي الوش الكشر، وأول ما ياخدها أبوها، من مجرد ما تبص في وشه هات يا ضحك ولعب وتنطيط
رفع حاجبه بغرور رقيق يداعبها به، وقال
أنت اټجننتي يا داليا؟ انتِ عاوزة تساوي نفسك بيا؟!
اڼفجرت ضاحكة، وعقبت بسخرية عذبة وهي تهز رأسها
لا إزاي! ما حضرتك اللي حملت فيها تسع شهور وكنت ھتموت من آلام الولادة، وتعبت وسهرت وياما غيرت كوافيل وعملت كمادات. 
ثم رمقته بنظرة ذات مغزى وأضافت
كفتك لازم تربح طبعًا. 
قهقه بصوت عالٍ وهو يعود لمداعبة ابنته، ثم قال لزوجته ممازحًا
هنبتدي نحقد وننفسن بقى؟
ثم نظر إلى ساعته وأردف بنبرة حانية يحثها على الاستعجال
بسرعة شوية يا داليا، عاوزين نلحق المعرض قبل الشمس ما تغيب علشان نعرف نختار العربيات كويس.
ضحكت بخفة وهي تضع اللمسات الأخيرة على مظهرها، وقالت بنبرة عابثة
ليه، هما هيغشونا بالليل ولا إيه يا علي؟
أجابها بثقة مطلقة
تم نسخ الرابط