الفصل الحادي والعشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين

موقع أيام نيوز

البريمة.
ابتسم سامر وعلق بامتنان
ربنا يديم البريمة وصداعها نعمة علينا يا باشا.
أمن على دعوته، كانت هناك طاولة مقابلة تجلس إليها فتاتان، لم تتوقفا عن النظر باتجاه رشيد، راحتا تتبادلان الهمس وعيونهما تفيضان بإعجاب صريح. 
غمز سامر لصديقه بخبث، وقال ساخرًا بممازحة
طب قابل اللي قدامك دول وحن شوية يا عم الهندسة.
ألقى رشيد نظرة جانبية باردة لا تتعدى اللمح، ثم عاد لصديقه قائلاً بلا مبالاة
سيبك منهم، أنا واخد بالي من أول ما قعدنا، بس طنشت.
عقب الأخر ممازحًا
متبقاش قاسې كده يا باشمهندس، بص لهم وخليهم ييجوا نتسلى معاهم شوية.
سحب نفسًا هادئًا من سيجارته، وبدت طريقته الواثقة في الإمساك بها وأسلوب طرده المتمهل للدخان من فمه، كفيلة بزيادة انبهار الفتاتين له، ثبت نظراته في عيني سامر، وتحدث بجدية صارمة تنبثق من مبادئ راسخة في روحه
عيب يا باشمهندس، إحنا عندنا أخوات بنات، واللي ما نرضاهوش على بناتنا، مانرضاهوش لبنات الناس.
ثم رفع سبابته ووجهها نحو جبهة سامر مكملاً بحزم 
خلي الجملة دي دايماً قدام عنيك، وحط أخواتك البنات دايماً مكان أي بنت قدامك.
لوح سامر بيده معتذرًا أمام شهامة صديقه
خلاص يا سيدي، مكنتش كلمة قولناها.
ثم الټفت بطرف عينه نحو الفتاتين اللتين استمرتا في مراقبة رشيد بكل جرأة دون أدنى خجل أو خوف من الله، فتمتم سامر بأسفٍ مصطنع 
طب والله خسارة. 
ابتسم رشيد بهدوء، ثم أطفأ سيجارته في المنفضة وبدأ يجمع أشيائه قائلاً
يلا خلينا نمشي، ماما مستنياني علشان أوديها لخالتي.
نظر إليه سامر بشك وتساءل
هي إيه حكاية أمك يا رشيد؟ كل إجازة تخليك توديها لخالتك، لا وتروح تجيبها كمان.
أجابه ببرود تام وهو ينهض
عوزاني أتجوز نسرين بنت خالتي، من ساعة ما اشتغلت وهي كل شوية تفاتحني في الخطوبة، أقول لها يا ستي مش لما نجوز كريم الأول؟ تقول لي ما هو خاطب، وأنت اخطبها بس واحجزها قبل غيرك.
ثم تنهد بسخرية لاذعة وأردف 
أوضة سفرة هي، هحجزها قبل ما تعجب حد غيري ويشتريها. 
سأله باهتمام وجدية هذه المرة
طب وإيه المانع؟ ما تتجوزها، دي زي القمر، وفي صيدلة، يعني مناسبة جداً ليك.
تغيرت ملامحه تمامًا في تلك اللحظة، وانطفأ البريق في عينيه ليحل محله حزن دفين غلف نبرته وهو يجيب بصوت خفيض
أنا مبفكرش في الجواز يا سامر، الخطوة دي أنا شيلتها من حساباتي نهائي، أو على الأقل الفترة دي.
ساد صمت مرير، نقل فيه رشيد بصره إلى مياه النيل الراكدة، وكأنه يستمد منها القوة، ثم تابع حديثه بجدية وصرامة لا تقبل النقاش
أنا مبقتش شايف غير مستقبلي اللي لازم أفحر في الصخر علشان أبنيه على أساسات متينة، والسفر للخليخ اللي بقى حلمي.
تنهد صديقه بعمق، وعيناه تراقبان صديق عمره بأسى جارف، إذ أدرك أن چروح الماضي ما زالت غائرة في أعماق روحه، ولم تندمل بعد رغم مرور كل هذا الوقت.
أراد رشيد أن يتلاشى هذا الثقل الذي خيّم على المكان، فالټفت من حوله، ثم أشار للعامل وطلب منه الفاتورة. 
لم تمر دقائق حتى أقبل العامل يحمل الشيك، فأخرج رشيد ماله ودفع الحساب، ثم نهض مستعدًا للمغادرة.
وبينما كانا يهمان بالخروج، مر سامر بجوار طاولة الفتاتين، والټفت نحوهما متمتمًا بصوت مسموع غلفه الإعجاب والمداعبة
حد يرفض النعمة ويسيبها ويمشي كده يا مفتري؟!. 
انطلقت ضحكة رشيد لتبدد غيوم حزنه المؤقت، ومد يده يضعها على كتف صديقه محتضنًا إياه، ثم جذبه برفق ليحثه على التحرك أمامه ومغادرة المكان.
_______________
مساءًا، حيث كان صادق يجلس مستسلمًا لأفكاره، قبل أن يقطع هدوء المكان رنين الهاتف الارضي،رفع السماعة ليجد المتصل والدته ، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة بددت بعضًا من إرهاق يومه، لم يكد يسترسل معها في السؤال عن الحال، حتى فاجأته بنبرة جادة ألقت بها الكلمات دون تمهيد
أشرف عاوز يتجوز دليلة يا صادق.
انعقد حاجباه بذهولٍ باغته، فقد كانت كلماته الحازمة لأشرف بالصمت لا تزال ترن في أذنيه، لذا سألها وعلامات الاستنكار تفرض نفسها على نبرته
وإنتِ عرفتي منين يا ماما؟!
جاءها صوته الواثق عبر الهاتف ليزيد من حيرته
ما هو قايل للحاج عزام وفاطمة من زمان، وكانوا مستنيين لما دليلة تخلص الثانوية، وكمان أماني عارفة.
اجتاحت الصدمة تفكيره، وعاد يكرر وراءها بغير تصديق
وأماني كمان عارفة؟!
راحت تنقل إليه تفاصيل ما جرى في الحرم الشريف، حكت له عن دموع أشرف المنهمرة ودعائه الساخن وتضرعه للمولى، كانت الكلمات تقع على قلب صادق كالمطر على أرض قاحلة، فبدأت قسوته تتلاشى وحصونه تلين.
تراجع بجسده إلى الخلف وهو يفكر بتأثر عميق أإلى هذا الحد تغلغل حب ابنته في قلب ابن شقيقته؟ حتى يخصها بأغلى دعواته في أطهر بقاع الأرض، راجيًا أن يجمع الله شتاته بها؟
أحس برقة تجتاح روحه، فسألها مستسلمًا لخبرتها
طب إنتِ إيه رأيك في الموضوع يا حاجة رقية؟
أجابته بنبرة تتدفق حنانًا وفخرًا
وهي دي محتاجة رأي يا حبيبي؟ الولد إنت اللي مربيه على إديك، مؤدب ومحترم وأبوه راجل ونعم الناس، واللهم صلي على حضرة النبي، بيجيب نهر فلوس كل سنة.
وراحت تقص عليه مميزاته 
ده بعت لأبوه فلوس عمل له الدور التالت ولا القصر، ومهني أختك ومغرقها في الدهب، ومعاه فلوس هيعيش بنتك بيها ملكة.
أطلق تنهيدة محملة بثقل المسؤولية، وقال معقبًا 
وهو أنا لما أجي أختار لبنتي عريس، هفكر في الفلوس برضوا يا ماما؟ دليلة بريئة وغلبانة، محتاجة واحد يصونها ويحطها جوة عنيه.
على الجانب الآخر في المطبخ، كانت منى تشرف على إعداد وجبة العشاء، لكن حواسها كلها كانت معلقة بتلك المكالمة التي وصلت إليها بوضوح لقرب المكان، زفرت بأنفاس حارة غاضبة، وعقدت العزم داخلها على مواجهة زوجها وإعادة فتح هذا الملف فور إغلاقه الهاتف، فقد فضلت التريث حتى ينتهي.
أما رقية، فقد تابعت نسج خيوط إقناعها قائلة بنبرة خبيرة
الواد بيحب البت ومتعلق بيها، وإنت عارف لما الراجل يحب بيعمل إيه، بكرة يغرقها في الدلع ويوريها الهنا كله.
وتابعت وهي تلوي فاهها باستنكار 
ما هو طالع لك، يعني هيجيبه من برة
تنهد صادق وغرق في بحر من الحيرة، ساد الصمت لثوانٍ، فقد كان يعيش صراعًا حقيقيًا بين حيرته وعاطفته، في واقع الأمر هو يحب أشرف كثيرًا، ويرى فيه امتدادًا لشبابه وقيمه، فقد نشأ الصبي تحت ناظريه ويثق في معدنه وأخلاقه ثقة عمياء، حتى ذلك الڠضب العارم الذي تملكه جراء موقف السطوح القديم، لم يكن نابعًا أبدًا من قلة ثقة في أخلاق أشرف، بل كان مجرد ثورة خوف فطري من أبٍ يغار على عرض ابنته ويخشى عليها من نسمة الهواء.
بعد قليل خرج صوته واهنًا، يحمل بين طياته كل ما يمر به من تردد وحيرة
أيوا يا ماما بس البنت لسه صغيرة.
انتفضت في مكانها، وجاء صوتها المعترض حادًا عبر الهاتف
هي مين دي اللي صغيرة يا صادق؟! بنتك اللهم بارك بقت شابة أطول منك، وبعدين هو حد قالك إنه هيتجوزها أول ما يتخطبوا؟ وافق إنت بس وبعدها يحلها الحلال.
تنهد بعمق، محاولاً التمسك بآخر حصون المنطقية
في النهاية الرأي رأي البنت يا ماما، إن شاء الله تخلص امتحاناتها، وأفاتحها في الموضوع.
ردت بنبرة واثقة
تم نسخ الرابط