الفصل الحادي والعشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
وهو ينظر إلى طفلتهما
الأمر ما يسلمش يا دولي، لما العربية تبقى قدامك والدنيا نهار، درجة اللون نفسها بتبقى ظاهرة وواضحة.
وبعدين محدش ضامن، مش يمكن العربية مخبوطة من هنا ولا فيها حكة هنا ومش ظاهرة؟
رمقته بنظرة متهكمة، وصاحت بابتسامة يشوبها عدم الاقتناع
خبطة وحكة في عربية على الزيرو يا علي؟!، يا راجل اعقل الكلام.
الټفت إليها بملامح جادة، وقال بنبرة حملت الكثير من الخبرة
كل شيء جايز في الزمن ده يا حبيبتي، يعني لو العربية اتخبطت لأي سبب أثناء نقلها، وتاجر معندوش ضمير، هيحاول يلبسها لأي زبون وخلاص.
ردت بواقعيتها المعهودة، محاولةً تحكيم المنطق
ويلبسها لزبون ليه ويفقد مصداقيته وسمعته في السوق؟ لما ممكن بكل بساطة يرجعها المصنع تاني.
تنهد بضيق طفيف ظهر على ملامحه، فبرغم الحب الكبير والروابط القوية التي تجمعهما، إلا أن جدالها المستمر ونقاشاتها العقلانية كانت ترهقه أحيانًا وتشتت تركيزه.
لذا قال محاولاً إنهاء هذا الحوار السقيم
يلا يا ماما اتأخرنا.
أخذت نفسًا عميقًا وتحركت لتقف أمام المرآة، بدأت بلف حجابها بعناية وأناقة شديدة، ثم قالت بريبة لم تستطع إخفاءها
أنا مش مقتنعة بموضوع العربيتين دول يا علي.
وتابعت وهي تلتفت إليه
ما نجيب عربية واحدة كفاية، لازمتها إيه المصاريف دي كلها؟
اقترب منها خطوة، وراح يفسر لها بأسلوب عملي ومنطقي
يا حبيبتي افهمي، إحنا اللهم بارك شغلنا كبر ومناصبنا مبقتش قليلة في الشركة، العربيات دي هتفيدنا في شغلنا، إحنا بنحتاج نتحرك كتير ونتنقل ما بين المستشفيات وعيادات الدكاترة لعرض الأدوية الجديدة عليهم، وبناخد كوميشن حلو أوي على كده.
مرر يده الحانية على كتفها مكملًا بإقناع
وجود عربية لكل واحد فينا هيسهل علينا الحركة أكتر، ونقدر نتواصل مع أماكن أكتر، وبالمقابل فلوس ومكسب أكتر وأكتر.
وتابع مفسرًا بشرحٍ وافي
إنما لو استعملنا نفس العربية، يبقى بنعجز نفسنا وبنقلص دخلنا للنص يا داليا.
هزت رأسها ببطء علامة على الموافقة والاقتناع، والتفتت لتكمل ارتداء ملابسها مستسلمة لمنطقه السديد.
____________
بعد فترة وجيزة، كانا يستقلان حافلة الركاب الميكروباص معًا حتى وصلا إلى منزل والدتها، أودعت ابنتها بين يدي والدتها قائلة باستعجال
مش هنتأخر عليكِ يا ماما، أول ما نختار العربيات ونكتب العقود هنيجي على طول.
رمقت نعمة زوج ابنتها بنظرات ممتعضة، وارتسمت على وجهها علامات الاعتراض والضيق، ثم قالت بنبرة حادة تُعقب فيها على قراره الذي لم يرق لها
أنا مش عارفة إيه حكاية العربيتين دي كمان! ما كنت جبت لك شقة تمليك أحسن ما تروح ترمي فلوسك في عربيتين مرة واحدة؟!
ثم لوت شفتيها بتهكم، وأصدرت صوتًا من فمها يعبر عن شدة اعتراضها وتابعت
هو في حد لسه بيبدأ حياته ولما ربنا يبدأ يرزقه، أول حاجة يعملها يروح يشتري عربيتين؟!يا ابني أنت عاوز الناس تضربكم عين تجيبكم الأرض.
لقد بلغ ذروة غيظه منها، فلم يعد يطيق تدخلها المستمر في أدق تفاصيل حياتهما، ورغم أنه يكن لها المعزة، ويعلم يقينًا أنها تحبه وتخشى على مصلحته ومصلحة ابنتها، إلا أن أسلوبها بات ېخنقه ويقيد حريتهما.
نظر إليها، واستدعى هدوءه بصعوبة بالغة وهو يقول
أنا قولت لحضرتك قبل كده إن العربيات دي جايبها للشغل مش للمنظرة.
قاطعته باعتراض فوري
طب يا أخويا ما كفاية عربية واحدة تقضي الغرض، وبثمن التانية كملوا عليها واشتروا لكم حتة شقة تمليك بدل الإيجار.
أجابها بنبرة جافة محاولاً كبح جماحه
نجيب عربية واحدة إزاي وكل واحد مننا شغله لوحده وفي أماكن مختلفة عن التاني؟
ثم نظر إليها بضيق واضح ليضع حدًا لهذا الجدال العقيم
وبعدين يا طنط أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، وأخدت قراري خلاص.
ثم الټفت إلى زوجته وقال بنبرة آمرة حازمة
يلا يا داليا علشان مأنتأخرش.
أعادت تقبيل ابنتها قبل أن تهمس لها والدتها قبل أن تغادر
ابقي هاتي العربية بتاعتك لونها أحمر
هزت رأسها بطاعة صامتة، وأسرعت بخطواتها لتهبط الدرج خلف زوجها وتلحق به، كانت تنظر إلى ملامحه المتجهمة، تائهة بين مشاعر متضاربة، إذ تملكها الحنق من أسلوبه الحاد الذي بات يعامل به والدتها مؤخرًا، لكنها في الوقت ذاته كانت تعذره وتعلم تمامًا أنه على حق، فوالدتها تصر على فرض رأيها والاعتراض على كل قراراته.
وتفاديًا لأي صدام قد يشعل الموقف، التزمت الصمت ولم تنبس ببنت شفة.
انقشعت تلك السحابة الكئيبة بمجرد وصولهما إلى معرض السيارات، حيث غمرتهما بهجة عارمة وهما يتجولان بين السيارات، اختارا السيارتين بعناية وكتب كل منهما عقده المستقل باسمه، ليتملكهما شعور بالفخر والنجاح.
وبعد إنهاء الإجراءات، مرّا على منزل والدتها، واستعادا صغيرتهما، ليعودوا جميعًا إلى منزلهم والابتسامة تغمر وجوههم، متطلعين إلى غدٍ أفضل بإذن الله.
_______________
داخل أحد المقاهي الفخمة المطلة على النيل، حيث كانت نسمات الهواء الباردة تداعب الماء لتعكس جمال القاهرة الساحرة،يجلس رشيد بصحبة سامر، أشار رشيد بيده للعاملالويتر ليطلب فنجان قهوته المعتاد، قبل أن يخرج سېجارة من علبتها الأنيقة، احتضنها بين أصابعه ببراعة، ثم أشعلها وبدأ يسحب منها أنفاسًا عميقة باستمتاعٍ بدا واضحًا على تقاطيع وجهه.
تابع سامر حركات صديقه بقلق لم يستطع أن يخفيه، وقال بصوت خفيض حمل خوفًا حقيقيًا على صحة رفيق دربه
وبعدين معاك يا رشيد؟ أنت مش ناوي تبطل موضوع السجاير ده؟ الموضوع كده بقى سخيف.
الټفت إليه وارتسمت على وجهه ابتسامة جذابة أضفت نورًا على ملامحه، وقال مداعبًا صديقه بنبرة متهكمة
مالك يَلاَ بقيت لتات زي الحريم كده ليه؟
ثم أخرج ابتسامة طفيفة وتابع
هو إحنا كل ما هنقعد مع بعض هتقعد تقول لي السجاير السجاير؟
صمت لبرهة من الوقت، أطلق خلاله زفرة محملة بدخان السېجارة، ليتصاعد ويتلوى في الهواء، قبل أن يكسر الصمت مكملاً بأسلوب غلب عليه المزاح
ده أنت لو مراتي مش هتعمل كده.
عقد سامر حاجبيه ورمقه بنظرة حادة، وصاح به بجدية مصطنعة
مراتك ده إيه يا عم الحلو؟ ما تتلم وتظبط الكلام كده يا هندسة.
ابتسم رشيد واكمل دعابته
انتَ تطول.
ابتسم سامر في حين تابع الآخر حديثه
أعمل لك إيه يعني؟ ما إحنا كل ما نقعد مع بعض وتلاقيني مولع سېجاره تقعد تقول لي نفس الكلمتين هم هم بتوع كل مرة، زهقتني يا سامر.
تلاشت الابتسامة عن وجه سامر، واكتست ملامحه بحدية مفاجئة وهو يقول
الموضوع طول معاك يا رشيد، أنا افتكرتك شربتها من بعد الموضوع إياه عشان تنسى اللي حصل وقتها وتنفث عن غضبك، وعلشان كده سبتك براحتك.
هبطت الكلمات كالصاعقة، فبمجرد أن نطق سامر بعبارة الموضوع إياه، تبدلت ملامحه تمامًا، واختفت راحته ليحل محلها ضيق دفين تجسد في تشنج طفيف بفكه.
لم يلحظ سامر هذا التغير، فاستطرد قائلاً
أنا قلت إنك هتقعد شهر ولا شهرين، ولا حتى سنة يا سيدي، وبعدين ترجع لعقلك، بس أنا شايفك استحليت الموضوع ومستهبل فيها على الآخر.
ثم أشار بعينيه إلى علبة السچائر المستقرة على الطاولة وتابع بسخرية
لا وبقيت تجيب مستورد كمان.
حاول تخبأة أثر الذكرى عليه، فضحك بنبرة غلفها بغرور مصطنع وهو يقول
مش مهندس يا ابني، يعني عاوزني أشرب كيلوباترا زي بقية البشر كده عادي.
اطلق سامر ضحكاته المرتفعة، ليتابع رشيد بجدية
أديني بعمل حاجة أطلع فيها ڠضبي من ضغط الشغل وصداع
متابعة القراءة