الفصل الحادي والعشرون لولا الغرام بقلمي روز أمين

موقع أيام نيوز

هادئة
بنتك محترمة ومؤدبة، ومش هتني لك كلمة، وهتوافق إن شاء الله
أجابها بجدية رحل يدرك حجم المسؤولية
ده جواز يا ماما، يعني البنت لازم توافق وتكون مرتاحة للإنسان اللي هتعيش معاه.
أنهى المكالمة ووضع الهاتف جانبًا، ليلتفت ليجد زوجته قد خرجت من المطبخ بخطوات متمهلة، ثم جلست إلى جواره تسأله بنبرة فضولية حذرة
هي طنط عرفت منين موضوع أشرف يا صادق؟
قص عليها ما أخبرته به والدته باختصار، فالتوت شفتيها بضيق ومن ثم علقت بتهكم
يعني هو بلغ الكل قبل حتى ما يبلغك ولا يعرف رأيك؟! 
التمع بريق الاعتراض في عيني صادق وهو يجيبها بحدة
وهو أنا هحاسبه على إحساسه وتصرفاته يا منى؟!
ردت بحدة وصوت مرتفع نسبيًا
مش حكاية تحاسبه يا صادق، بس فيه أصول، المفروض مكنش يتعداها. 
شعر بأن زوجته تترصد للشاب الأخطاء ومتحاملة عليه بشكل مبالغ فيه، فقال بنبرة عتاب حاسمة
فيه إيه يا منى؟ أنا ملاحظ إنك مش طايقة الولد ولا متقبلة أي حاجة بيعملها. 
زفرت بقوة، وارتسمت الصرامة على ملامحها وهي تقترب منه قائلة بلهجة آمرة لا تقبل النقاش
صادق من فضلك، اتصل بيه وبلغه بأن البنت رفضت، واقفل الموضوع ده خالص قبل ما يكبر ويتسبب في مشكلة بينك وبين أختك. 
خرج صوته قويًا، يملأه استغراب شديد وهو يواجه نظراتها الغاصبة
وأنا إيه اللي يخليني أكذب وأقول كلام محصلش يا منى؟!
رمقته بدهشة عارمة لجمت لسانها لثوانٍ، قبل أن تسأله بغير استيعاب
إنت بتفكر تجوز بنتك ل أشرف يا صادق؟!
نظر في عينيها مباشرة، وقال بملامح حائرة مستغربة
وليه لأ يا منى؟
هزت رأسها برفضٍ قاطع وصاحت بمرارة
ما ينفعش يا صادق.
وتابعت وهي تحاول إيقاظ المنطق في عقله
بنتك وأشرف مش شبه بعض في أي حاجة، تقدر تقولي واحدة عايشة طول عمرها ما بين السعودية والقاهرة، هتقدر تعيش في الارياف وتستقر هناك ازاي؟! 
واسترسلت ب إيضاحٍ أكثر
أختك صعبة وإنت عارف الكلام ده كويس أوي، دي مامة داليا ما استحملتش فكرة إن بنتها تعيش معاها في بيت واحد، وخاڤت عليها وخدتها جنبها وهي ما تعرفهاش ولا عاشرتها. 
اقتربت منه أكثر، وتجمعت في عينيها دموع اللوم والعتب وهي تستطرد
نقوم إحنا اللي عارفين طبع أختك وعنادها، نرمي لها بنتنا البريئة علشان تذوق على إيديها كل أنواع المرار؟!
ثم شددت على كلماتها بنبرة حادة وحاسمة
أنا لا يمكن أوافق على كده أبدًا يا صادق، وخلي بالك لو بنتك اتجوزت أشرف، مش بس فاطمة اللي هتبقى حماتها، مامتك وأخواتك كمان هيبقوا حماة بنتي، وهيتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة في حياتها. 
أمالت رأسها تبتلع غصتها، وراحت تستجدي تعاطفه الأبوي قائلة بضعفٍ وانكسار
حرام عليك يا صادق، إنت ازاي هانت عليك بنتك بالطريقة دي؟
لم يحتمل رؤية ضعفها، فامتدت يده الكبيرة لتمسك كفيها، وطبطب عليهما بقوة وثقة حانية، نظر في عمق عينيها ليدثر مخاوفها وقال بنبرة دافئة
ممكن تهدي؟
ثم انطلقت منه ضحكة خفيفة يحاول بها تخفيف حدة الأجواء وأردف 
وشكرًا يا ستي،إنك عرفتيني إن أمي وأخواتي عصابة ريا وسکينة. 
نظرت إليه باعتذار صادق نابع من قلبها وقالت
أنا آسفة أنا ما أقصدش وإنت عارف كده كويس، أنا بحب مامتك وأخواتك وبحترمهم جداً، بس ده ما يمنعش إن مامتك وأخواتك طبعهم شديد، والبنت بريئة ومش قدهم ولا قد تحكماتهم.
تنهدت بعمق والتفتت تتابع كلامها
ده غير إن بيوت الفلاحين كلها تعب وشغل البيوت عندهم ما بيخلصش، وبنتك زي ما إنت عارف، لا ليها في شغل البيت ولا في الكلام ده كله.
ابتسم بهدوء، وطمأنها بنبرة حملت حلًا منطقيًا
يا حبيبتي إنتي ناسيه إن أشرف عايش في السعودية؟ يعني لو حصل جواز البنت هتسافر معاه.
لم تقتنع بحديثه، وعقبت بحيرة وقلق من المستقبل
وهو هيفضل عايش في السعودية على طول يا صادق؟ ما هو مسيره ينزل البلد ويعيش فيها.
رد عليها بيقين وتفكيرًا رتيب
يا ستي هخليه يقعد هنا في القاهرة.
صمت لبرهة يستجمع أفكاره ثم تابع
إنتِ ناسية إن أنا باني لبنتي دور كامل فوقينا؟ يعني بيتها موجود واللي عايزها يقبلها زي ما هي كده.
سألته بنبرة يملأها الشك والريبة من رد فعل عائلته
وتفتكر أختك هتوافق على حاجة زي كده؟!
هز كتفيه ببرود حاسم أظهر قوته وقوامته، وقال
والله العقد شريعة المتعاقدين، الكلام ده أنا هقوله للولد، ولو وافق وأقنع مامته والحاج عزام، يبقى يا مرحب بهم، ما وافقوش إن ابنهم يعيش هنا يبقى خلاص، هما أحرار في قرارهم.
ثبت نظراته في عمق عينيها بتأثر بالغ زلزل ثباتها، وتابع كلماته بصوت هادئ يحمل حكمة الأيام وثقل المسؤولية
يا منى افهميني، أنا مش ضامن عمري ولا ضامن إني هعيش لكم العمر كله.
انقبض قلبها وانزعجت بشدة من نبرته التي تشبه الوداع، ففتحت فمها لتقاطعه، لكنه كمل بجدية غلبت عليها العاطفة
دليلة ملهاش حد غير أخوها، وأخوها لسه صغير، أشرف أنا مربيه على إيدي يا منى وواثق في رجولته وفي أخلاقه، إن شاء الله هيبقى أخوها وأبوها هي وأحمد من بعدي.
أسرعت بالقبض على يده، وكأنها تتمسك بوجوده معها، وقالت بنبرة معترضة
بعد الشړ عليك يا صادق، انتَ ليه بتقول كده؟!
نظر إليها بابتسامة هادئة، وقال بسلام داخلي
المۏت مش شړ يا منى، ده قدرنا كلنا، الأعمار بإيد ربنا ومحدش عارف ساعته هتيجي إمتى.
صمت لبرهة يتأمل ملامحها الهلعة، ثم تابع والرجاء يلمع في مقلتيه 
أشرف بيحب دليلة، وأنا بصراحة مش هضمن أمانها ولا هطمن عليها مع حد غيره.
راحت تحدق في وجهه بحيرة وتوجس، مستغربة من إصراره وحديثه الذي يفيض بالزهد والشفقة على مستقبل أولادهما، في أعماقها، هي لا تنكر أبدًا أن أشرف شابًا مهذبًا وعلى خلق، وطوال سنوات نشأته لم ترا منه ما يعيب خلقه أو يمس نزاهته، بل على العكس تمامًا.
لكن كل مخاوفها كانت تتمحور حول فكرة بيت العائلة، وسطوة فاطمة وعنادها، وشخصية رقية القوية، وإلى جانب كل تلك الأسباب المنطقية، كان هناك شعور خفي مبهم يلوح في أفق عقلها، نذيرٌ غامض يهمس لها دائمًا بالابتعاد ويحذرها من ارتباط ابنتها بأشرف، ما هو منبع هذا الشعور؟ ولماذا يطاردها كظلها؟ فذلك ما عجزت عن فك طلاسمه أو العثور له على تفسيرًا بداخلها. 
_____________
مرت الأيام سريعًا، وانتهت دليلة من الاختبارات، لتشرق نتيجتها مُعلنة عن بداية مرحلة جديدة، لم يُضع أشرف ثانية واحدة، إذ كان ينتظر الأيام على أحر من الجمر، ما أن علم بظهور النتيحة، حتى سارع بالاتصال بخاله ، ليسبقه صوته المرتجف من فرط العجلة والشوق، طالبًا منه أن يفي بوعده ويُفاتحها في الأمر.
أمسك صادق بزمام الحديث، وبنبرة أبٍ يضع حصونًا حول زهرته، أفرغ كل شروطه على مسامع الشاب، ونقل إليه مخاوفه ومخاۏف منى بمنتهى الوضوح.
لم يكن أشرف بحاجة للتفكير، فلم تمر الكلمات بعقله بل استقرت في قلبه مباشرة، ليرد بنبرة عاشق لم يعد يرى في الدنيا سوى غايته، والعشق يغزل كل حرف من حروفه وهو يقول
أنا موافق على كل طلباتك يا خالي، أي حاجة هتريحك إنت ودليلة ومرات خالي أنا هنفذها بدون نقاش، أهم حاجة دليلة تكون من نصيبي.
تسارعت دقات قلبه، وتابع بلهفة ونبرات
تم نسخ الرابط