الفصل الثاني لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
اعتبارنا.
كانت تنتفض من شدة ڠضبها، تجاورها ابنتها الكبرى التي هبت نصرةً لوالدتها
وهو سن تيتا مش بيظهر غير على مامي وبس؟!
لم يرق للرجل تعدي الفتاة على جدتها وتخطيها حدود الأدب، لذا نطق بصرامة
عيب تقولي كدا على جدتك يا لُبنى، خرجي نفسك من وسط الكبار يا بنتي
زفرت الفتاة فراجعها والدها نصرةً لابن عمه
اسمعي كلام عمك واسكتي يا لبنى
شكره الرجل بعينيه ثم خاطب المرأة من جديد بنبرة ودودة
حقك عليا أنا يا دكتورة، صادق زمانه على وصول، وحرام يرجع بعد غربة سنتين يلاقي مشاكل وخناق قدامه
ربت محمد على كتف زوجته وتمتم بنظراتٍ مترجية
خلاص بقى يا سوزان،علشان خاطر الحاج عزام
أقبلت عليهم فاطمة وأماني في محاولة لاصلاح ما أفسدته والدتهن، لكنهما تفاجأ بحديث المرأة وهي تقول
أنا هدخل علشان خاطر حضرتك بس يا حاج عزام،وصدقني،لولا كدا ما كنتش رجلي خطت البيت دا تاني.
ربنا يجبر بخاطرك يا بنت الأصول...قالها وهو يغض بصره للأسفل،اقتربت منها فاطمة وحاوطت كتفها وهي تقول
ربنا يكملك بعقلك يا سوزان
وأشارت بكفها للداخل،لكنهم استمعوا لصوت بواق سيارة فاتجهوا بأبصارهم نحوها،هدأت السيارة وترجل منها صادق،وما أن رأته فاطمة حتى صاحت باسمه وهرولت لترتمي بأحضانه،شدد عليها وهو يقول بحنان مفرط
وحشتيني يا أبلة، وحشتيني أوي
كانت تنثر قبلاتها الحارة على رأسه وكل ما يقابلها من وجهه وهي تقول بدموع الحنين
يا قلبي يا صادق،وحشتني يا نن عين أختك.
ترجلت الفتاة والبهجة تشع من عيناها، يسبقها شوقٌ جارف لجميع أفراد عائلتها ، هرولت إلى عمتهاأماني التي استقبلتها بذراعين مفتوحتين، وضمّتها إلى صدرها بقوة وهي تقول بنبرة غلب عليها الحنين
يا حبيبتي، وحشتيني يا دليلة
ردت على عمتها بودٍ ممتزجًا باحترام،أظهرا رقيّ تربيتها وحسن أدبها
الله يسلمك يا عمتو،حضرتك كمان وحشتيني جداً.
ترجلت منى من السيارة بهدوء،وجدت الشقيقتين منشغلتين بشقيقهما فلم تريد قطع الوصل بينهم، أقبلت على عزام وهي تقول بابتسامة ودودة
ازي حضرتك يا حاج عزام
كان رجلاً صادقًا مع ربه، يتقيه ويخشاه، عفيفَ اليدِ والنظر، لا يصافحُ النساء ولا يفتنهُ التطلع إليهن، بل كان يحادثهن غاضاً طرفه، ضاماً كفيه بوقار، قاطعًا الطريق على من قد تهم بمصافحته.
رد تحيتها باحترام ووقار
في نعمة الحمدلله يا ام احمد،حمدالله على سلامتكم
الله يسلمك...إقتربت من سوزان التي قابلتها بابتسامة قسرية،في محاولة منها بإخفاء اضطرابات ما حدث منذ قليل.
احتضنت دليلة عمتها فاطمة بشوق، فانهمرت دموع الأخيرة تأثراً بلقاء عائلة شقيقها العزيز، لطالما كانت العلاقة بين صادق وفاطمة استثنائية،لم يكن صادق بالنسبة لفاطمة مجرد أخ، بل كان بمثابة الابن الذي لم تلده، والصديق الوفي الذي يمنح روحها السکينة في لحظات الانكسار.
اندفع صادق للداخل متجاوزاً الجميع، فقد لمحت عيناه تلك الواقفة في الفيراندا تراقبه بأعينٍ تملؤها اللهفة، لم يكن حنينها من فراغ، فهو الإبن البار الذي يراعيها رغم غربته، يهاتفها مرتين أسبوعياً، ويحرص على إرسال مبلغًا من المال شهريًا، قد خصصه لها،ورغم أنها لم تكن بحاجةٍ للمال، إلا أن سعادتها كانت تكمن في حاجتها لذاك الاهتمام، فما كانت تحتاجه حقاً هو شعورها بأنها لا تزال في قلب نجلها وعقله.
هرع إليها بلهفة طفلٍ في الرابعة من عمره،ليرتمي في أحضان تلك التي فتحت له ذراعيها، راح يطبع قُبلاته على كل إنشٍ من وجهها وجبينها، وينثر مدى اشتياقه من خلال قبلاتٍ فوق كفيها، في تلك اللحظة تبخرت جميع ألامها، وذاب الحزن الذي كان يسكنها بسببه، لتهمس بشوقٍ جارف
حمدالله على سلامتك ياصادق
بنظراتٍ يملؤها الشوق كان يتفحص ملامحها وكأنه يتحقق من واقعية اللقاء، نطق بصوتٍ يقطرُ اشتياقًا وحنانًا
وحشتيني أوي يا حاجة رُقية، كل حاجة فيكِ وحشتني،حنيتك والبصة في عنيكي، ضمة حضنك وريحتك يا أمي
لقد كان لقاءً مؤثراً للغاية، لامس وجدان جميع الحاضرين ومنهم من نزلت دموعه تأثرًا، مما جعل فاطمة تهتف من بين دموعها
وموحشكش المحشي بتاعي يا صادق؟
هتف بحماسٍ جارف
كل حاجة في البلد وحشتني يا أبلة، حتى ترابها وريحة الشاي المُغلي على ڼار القوالح في قلب الغيط
دنت منى من والدة زوجها بخطواتٍ حذرة، خوفًا من سطوة تلك السيدة وقسۏتها المعهودة، ثم همست بصوتٍ خفيض
ازي حضرتك يا طنط
جففت السيدة دموعها بكبرياءٍ، وفي لفتةٍ غير متوقعة، جذبت منى إلى أحضانها بقوة، تجمّدت الأخيرة من فرط المفاجأة، بينما اشتعلت النيران في صدر سوزان التي كانت تراقب المشهد بغيظٍ مكتوم، مالت نحو زوجها وقالت بنبرةٍ مسمۏمة
شايف اختلاف المعاملة يا دكتور، قولت لك ألف مرة انها بتحب أخوك وبتحترمه أكتر منك، مكنتش بتصدقني
وتابعت بخ سمها
اديك شوفت بعنيك علشان تصدق كلامي بعد كدا.
تنهد بمرارةٍ وقلة حيلة، فقد أوجعه إنصاف والدته لزوجة أخيه على عكس ما فعلت مع زوجته، لكنه ظل صامتًا أمام جبروت قلب أمه.
بلهفة، ارتمى الصغيران بين ذراعي جدتهما، التي استقبلتهما بقبلات دافئة،وكأن روح دليلة كانت مغتربة عنها، ولم تجد مرساها إلا بعودتها إلى كنف العائلة.
بصوتٍ مترددًا، ألقت السيدة رقية كلماتٍ مقتضبة لزوجة ابنها الأكبر،في محاولة منها إلى تصفية الأجواء وإنهاء الخلاف،ليعود الصفاء إلى البيت مجدداً،بعودة نجلها الخلوق
يلا يا سوزان، خدي ولادك واطلعوا شقتكم، غيروا هدومكم واتشطفوا من تراب السكة
واسترسلت لتلطيف الأجواء وفتح صفحة جديدة،وكأن عودة صادق صالحتها على الأيام
البنات نضفوا لكم الشقة امبارح
ارتسمت على ثغر الأخيرة ابتسامة مقتضبة وهي تقول في استجابة منها لتلك المبادرة،تحت سعادة زوجها بهذه الهدنة
حاضر يا طنط
هتفت عايدة بسعادة وهي تشير للجميع
يلا يا جماعة،غيروا هدومكم وانزلوا علشان تجهزوا المكان للغدا
صاحت دليلة وهي تقفز بسعادة
أنا هفرش البراندا يا عمتو
التفتت إلى ابنة عمتها أماني، التي كانت في مثل سنها تماماً، وقالت وهي تمسك بكفها
وانا وهالة هنملى شفاشق الماية ونحط الطبلية.
تفحصت عايدة العدد الكبير بعينيها وقالت
طبلية ايه اللي هتاخد العدد دا كله يا دليلة، افرشوا بس البراندا بالحُصر، وانا هديكم جرايد تفرشوها بطول المكان كله علشان تكفي.
صفقت الفتاة بمرحٍ وبهجة،بينما حثتها هالة على الإنجاز قائلة بلهفة
روحي غيري هدومك بسرعة يا دليلة علشان نلحق نخلص
انسحبث النساء وأولادهن للطابق العلوي، بينما بحث صادق بعينيه عن ابني شقيقته ،وحين لم يجدهما، توجه إليها بسؤاله
أمال على وأشرف فين يا أبلة؟!
بمجرد أن سألها، شعرت بوخزة شديدة في قلبها، امتلأت عينيها بالدموع، ثم تنفست لتتمالك حالها وقالت
علي راح البيت يجيب حاجة وهيجي بسرعة
صمتت لبرهة لتسيطر على دموعها ثم استرسلت بصوتٍ محتقن
وأشرف في الجيش
سألها محمد
مش هييجي واحنا هنا يا فاطمة؟!
لسه قدامه اسبوعين يا محمد.
ربت صادق على كفها وتمتم بنبرة حنون
يجي بالسلامة ان شاءالله يا حبيبتي.
أقبل عليه السيد عزام، ليربت على كتفه قائلاً على استحياء
استأذن أنا يا صادق، وابقى أجي لك بعد صلاة المغرب إن شاءالله.
سألته فاطمة باستغراب
هتروح فين يا حاج؟!
هروح أرتاح شوية لحد أذان الظهر
سألته باستهجان
وهتروح تقعد لوحدك في البيت واحنا كلنا هنا؟!
تحدث إليه صادق بنبرة ودودة
أقعد معانا يا حاج لحد الغدا، وبعدها نروح نصلي الظهر في الجامع كلنا مع بعض.
أجابه وقد غلبه الحياء
معلش يا صادق، خلي الحريم تقعد على راحتها.
خرج صوت السيدة حادًا وهي تقول بلكنة صارمة
الله في سماه ما انتَ متحرك غير لما تتغدى معانا، دا انتَ قايم من الفجرية علشان تدبح لي الخروف وتشفيه، وبعد تعبك دا كله،
متابعة القراءة