الفصل الثاني لولا الغرام بقلمي روز أمين
المحتويات
عاوز تمشي وقت الغدا،؟! عيب يا حاج، دا انتَ أبو الأصول كلها.
استسلم الرجل تحت اصرار الجميع، وجلس بصحبة الرجال، حضر علي وهرول إلى خاله يحتضنه بحفاوة قائلاً
حمدالله على السلامة يا باشا، المنصورة زاد نورها النهاردة
ربت على ظهره بحنان وهو يقول
ليك وحشة يا علي والله، عامل ايه
انتهيا من السلام، ثم جلسوا يتبادلون الأحاديث المثمرة، وجه صادق حديثه إلى علي
ما تتصل بخطيبتك تيجي تتغدا معانا ياعلي
ضيقت رقية بين حاجبيها لتهتف مستنكرة تفكير نجلها الشاذ
شكل قعدتك برة المنصورة نستك الأصول يا صادق.
قطب جبينه بعدم استيعاب لتكمل موضحة
من امتى المخطوبة بتروح بيت أهل خطيبها؟!
تدخلعلي كي يفض الاشتباك قبل أن يبدأ
وحتى لو ينفع هي مش هتوافق يا جدتي،وكمان هي في الشغل النهاردة
نظر إلى خاله وتحدث بابتسامة حنون
أنا واخد أجازة علشان أقابل خالي.
مر أكثر من ساعتين، بدأ الجميع في التجهيز للغداء، غطت الفتيات الأرض بالحَصَائِر، ووضعن الجرائد استعدادًا لرص الطعام عليها في اجواءٍ سعيدة أشبه بأجواء شهر رمضان الكريم، حضرت عايدة من المطبخ وتحدثت إلى شقيقها بحماسٍ وفرحة
أما احنا عاملين لك شوية ملوخية يا صادق، هتاكل صوابعك وراهم
ابتسم يجيبها بحبورٍ
شامم الطشة وأنا قاعد يا عايدة،تسلم ايدك يا حبيبتي.
ابتسمت بسعادة لسعادة شقيقها،وكأن عودته بدلت الأجواء تمامًا،لتبدو صافية كروحه الطاهرة، ثم تحدثت لشقيقتها
أنا هغرف المحشي في الصواني الكبيرة يا فيفي، وهحط اطباق حواليها للي حابب يغرف لنفسه فيها
سألتها السيدة رقية
حمرتي لحم الخروف في الفرن يا عايدة؟
أه يا ماما، وأماني طلعت طواجن البامية من الفرن
هتف محمد بمشاكسة
فرحيني وقولي لي ان الطواجن دي باللحمة الضاني يا عايدة
وهي البامية تحلى غير واللحمة الضاني مدفوسة جواها يا دكتور.
ربتت والدته على كفه كنوعًا من الاعتذار وهي تتمتم بصوتٍ حنون
أنا خليتهم يعملوها مخصوص علشان عارفة إنك بتحبها يا محمد
رفع كفها لمستوى فمه وقبلها برضا وهو يقول
ربنا يخليكِ لينا يا حاجة،ويفضل البيت مفتوح وعامر بحسك
اجتمعت نساء وفتيات المنزل وأخرجن الطعام ورصهن بطول الفيراندا،واجتمعوا حوله وبدأوا بتناوله تحت سعادة لا توصف.
أما دليلة فقد غمرت روحها سعادة،كاد ان يتوقف قلبها عن النبض من شدتها، كانت تتناول الطعام بتلذءٍ لكل قطمة، هتفت بصوتٍ يقطرُ حماسًا وحنينًا
اللمة دي تشبه لمة رمضان يا تيتا، خلينا نتلم كدا في رمضان الجاي.
أجابتها بنبرة غلب عليها الحنان
ان شاءالله يا بنت الغالي.
بيدين تغمرهما البركة، راحت تُقطع اللحم والبط والحمام، وتوزعه على عائلتها والسرور يملأ قلبها وقلوبهم جميعاً.
كان يتحرك بجوار صديقه سامر ونارًا مستعرة تضطرم في عروقه، لم يستوعب عقله بَعد ما استمع إليه من نهلة، أي ذنبٍ اقترفه ليجني منه كل هذا الحقد والكراهية؟
هز سامر رأسه في استنكارٍ وذهول، وكأن عقله قد توقف عن الإدراك، تمتم وقد سيطر عليه عدم الاستيعاب
معقولة يحيى يطلع منه كل دا؟!، أنا عارف إنه شخصية انتقادية ومش مريح،لكن عمري ما اتخيلت انه يكون بالوضاعة دي،أنا بجد مصډوم من اللي بسمعه
أجابه بيأسٍ سيطر عليه
أمال انا اعمل إيه يا سامر،أنا من وقت ما نهلة حكت لي وانا هتجنن ومش عارف أتصرف ازاي
ساور الشك قلب سامر، لذا بادر بسؤال عفوي لصديقه
طب مش يمكن نهلة فهمت كلامه غلط، أو.....
وصمت ليسأل صديقه سريعًا
بصراحة كدا، أنا خاېف تكون بتظلمه يا رشبد
أظلمه؟!...نطق بها مستنكرًا،ثم تابع بنبرة تملؤها الدهشة
انتَ اللي بتقول الكلام دا يا سامر؟!، امال لو مكنتش عارفه وعارف دناءته؟
تنهد الآخر وطأطأ رأسه مستسلمًا، ليتابع هو بلهجة يملؤها اليقين
وبعدين انتَ بتتكلم في إيه، أنا ثقتي فينهلة ملهاش حدود، نهلة لا يمكن تكذب عليا أو تغشني.
رغم يقينه بأنها لا تكذب، إلا أنه أراد أن يتعلق بأي بصيص أمل يبرئ صديقه من فخ الخېانة، لذا
تمتم مبررًا
أنا عارف إن نهلة إنسانة محترمة ومش بتاعت حركات من دي ،بس كنت بحاول ألاقي له أي مخرج ينفي عنه الخېانة.
زفر رشيد قبل أن يقول بائسًا
هو انتَ فاكرني مبسوط باللي وصلنا له دا يا سامر
عارف يا رشيد،عارف...ثم سأله بحيرة
هتعمل ايه معاه
رفع كتفيه بعجزٍ،ثم تمتم والحيرة تملأ عينيه
حقيقي مش عارف، أروح اواجه واقطع علاقتي بيه نهائي،واكفي نفسي شړ حقده، وارمي بقى ورا ضهري صداقة وعشرة سبع سنين
ثم زفر بقوة وكأنه يخرج ما يؤرق روحه بتلك الزفرة،وتابع بتيه
ولا اتجاهل واتعامل عادي، وكأني معرفتش حاجة من اللي حصلت بينه وبين نهلة
غلب سامر منطق العقلِ وتحدث
مش هتنفع المواجهة يا رشيد،كدا هتبقى بتقطع آخر خيط بينكم، دا غير ان يحيى بجح وممكن ينكر ويعيش فيها دور المجني عليه،وهو رغاي أصلاً، يعني في خلال يومين الكلية كلها هتعرف، ودا لا حلو ليك ولا لنهلة.
رأى في كلام صديقه حكمةً ورصانة جعلته يختار الصمت، ويقرر أن يمنح علاقتهما فرصةً أخرى للاستمرار الظاهري.
عند غروب الشمس
كانت تتمددُ فوق الشزلونج بانسيابية في ركنها المفضل بحديقة منزلها، حيث تتمايل أغصان الأشجار مع نسمات المساء الرقيقة، عازفةً لحناً هادئاً يبعث السکينة داخل روحها، عينيها مثبتتين على حمام السباحة الذي سحرها ، كان أشبه بمرآةٍ زرقاء صافية، تعكس بريق الضوء الخاڤت وهو يرقص فوق سطح المسبح، مما جعلها تشعر وكأنها في واحة خاصة بعيدة عن ضجيج العالم وصخبه، تنفست وأمسكت بكتابها بين أصابعها الرقيقة، بدأت عيناها تتحركان في شغفٍ صامت بين السطور، وكأنها ولجت لعالمٍ موازي،لم تكن تقرأ كلماتٍ، بل تبصر مشاهد حية من شدة الانسجام مع الرواية، شعرت بأقدام أحدهم تقترب منها، رفعت عينيها لتجده شقيقها تامر مقبلاً عليها، تمتم مبتسمًا
ممكن أقعد معاكِ،دا طبعاً لو مش هزعجك.
لاحت على ثغرها بسمة هادئة، ثم تحركت قليلاً لتترك له مساحةً للجلوس بجانبها فوق الشازلونج، ودعته قائلة
يا خبر، معقولة انتَ تزعجني، اتفضل.
لبى دعوتها ثم عدل من جلسته،تناول منها الكتاب وتفرّس في غلافه محاولاً قراءة عنوانه، قبل أن يبتسم ملوحاً به وهو يقول
يوسف السباعي،فارس الرومانسية
ابتسم ساخرًا واستطرد
ليه بتضيعي وقتك في الحاجات التافهة دي يا نانا؟
أصابتها كلماته بدهشة لتسأله مستهجنة
تافهة؟!، هي القراءة بقت حاجة تافهة يا تامر؟، مش طول الوقت كانوا بيقولوا لنا في المدرسة إنها غذاء الروح؟!
اجابها باستفاضة
لما تبقى بتقرأي روايات ومشاعر خيالية لناس مكنتش عايشة معانا على أرض الواقع، يبقى بتضيعي وقتك في حاجة مش هتفيدك في حياتك.
تجنبت الجدال معه في هذا الأمر، فعدم تكافؤ التفكير بينهما يجعلها معركة خاسرة لا محالة، وحتى لا تُرهق نفسها في نقاش سينتهي بخسارتها كالعادة، تظاهرت بلا مبالاة مفتعلة وهي تقول
أديني بضيع وقت وبتسلى يا تامر
أراد نقاشها وتحدث بلهجة واثقة ليصحح لها ذاك المفهوم الخاطئ من وجهة نظره
أسوأ كلمة ممكن تقضي على مستقبل أي حد هي كلمةبضيع وقتي، الوقت ده يا نهلة هو اللي بيحدد كيانك وقيمتك كبني أدمة، وعشان كدة لازم تستغليه صح في المذاكرة، تَطَّلعي على معاجم ومصادر تزود حصيلتك الثقافية.
وأكمل حديثه برفقٍ بقصد التخفيف عنها
ولو يا ستي زهقتي من المذاكرة، اقرأي أي حاجة مفيدة تسليكي، بس بلاش روايات الرومانسية والهبل دا.
اكتفت بإيماءة صامتة لغلق النقاش،مرت الثواني في صمتٍ مريب،وجدته شاردًا فبادرت بسؤاله
مالك يا تامر؟
تعمق بمقلتيها وتحدث
قررت أخطب
ضمت كفه بين يديها برفق، ثم نطقت بكلماتٍ يكاد الفرح أن
متابعة القراءة