الفصل التاسع عشر لولا الغرام بقلمي روز آمين
بسم الله لا قوة إلا بالله
لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل
الفصل التاسع عشر
لَوْلاَ الغَرَامُ
_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين
هذه الرواية مسجلة حصريًا بإسمي روز أمين
وممنوع نقلها لأية مدونة أو موقع أو صفحات أخري ومن يفعل هذا قد يعرض حالهُ للمسائلة القانونية.
__________________________
خلع عن كاهله تلك العباءة الثقيلة التي نسجتها خيوط الماضي المرير، والټفت إلى الوراء ليلقي نظرة الوداع الأخيرة على خيباتٍ طالما نهشت روحه،
وخذلانًا أدمى قلبه واستنزف ما تبقى من صبره،
لم يكن رمي الماضي وراء ظهره جحوداً، بل كان إعلاناً بالاكتفاء، فحسبُه حزنٌ على أبوابٍ أُغلقت في وجهه، وكفى هرقاً للدموع على علاقاتٍ تهاوت كقصرٍ من رمال.
كان عليه أن يتعلم من الانكسار كيف يشتد، ومن الخذلان كيف يختار بعناية ما يناسبه، أدار وجهه شطر الشمس، ونظر إلى الأفق البعيد بعينين يملؤهما الشغف، وقلب ينبض بالرضا والتفاؤل، موقناً أن الغد ليس مجرد يوم آخر، بل صفحةٌ ناصعة البياض، هو وحده من يملك حق كتابة أسطرها.
رشيد عبدالرحمن المسيري
بقلمي روز أمين
________________
مرّ عامًا كامل على الأحداث الآخيرة، عامٌ انقضى بحلوه ومرّه، تبدلت فيه مصائر واستجدت فيه أمورًا، طوى رشيد صفحاته القديمة، وصب جل تركيزه على مشروع تخرجه، ليجني ثمار سهره وتعبه بشهادة جامعية تُوجت بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
بالكاد انتهى من أثار وتعب رحلة التخرج، حتى وجد نفسه يرتدي البدلة العسكرية برفقة أصدقائه، ليمضوا معاً فترة الخدمة الإلزامية.
في تلك الأثناء، كانت دليلة وصلت إلى الصف الثاني الثانوي، كان النظام التعليمي حينها يدمج العامين الأخرين معاً في تحديد المصير،مما صعب عليها الأمر وجعلها تدخل في دوامة من الجدية والتوتر المستمر.
أما أشرف، فقد سلك طريقاً مغايراً تماماً، إذ حزم حقائبه وسافر إلى المملكة العربية السعودية، هناك، التمع نجمه كمحاسب يتمتع بالذكاء والإخلاص في شركة كبرى، وحظي براتب فاق كل توقعاته، لم تقف طموحاته وتوفيق الله له عند هذا الحد، فصاحب الشركة، الذي لمس أمانته وإخلاصه الشديد في العمل، زكاه عند شقيقه، فطلب منه الأخير إدارته لحسابات مزارع دواجن ضخمة يمتلكها، مقدماً له راتباً خيالياً.
وخلال عامًا واحدًا فقط، تضخم رصيد أشرف البنكي بشكل مذهل، لدرجة أنه كان يقف أحياناً مذهولاً أمام الأرقام، غير مصدق أن يتقاضى شخص كل هذه الأموال في شهرٍ واحد.
انتهى من دوامه اليومي، وغادر مقر الشركة والرضا يغمر وجهه، استقل سيارته الحديثة وانطلق بها وسط شوارع المدينة حتى توقف أمام متجر راقٍ للصاغة، ترجل من السيارة، ودفع الباب الزجاجي لتداعب وجهه برودة المكيف الممتزجة برائحة الفخامة.
ألقى السلام على الصائغ وراح يقلب عينيه بين القطع الذهبية المتلألئة المعروضة في الواجهة الزجاجية، لاحظ الصائغ حيرته ونظراته الشاغفة، فبادر بلهجته المميزة
تبي شيء معين يا خوي؟
الټفت إليه أشرف، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة حملت الكثير من الحماس
عاوز خاتم وحلق لطفلة عمرها خمس شهور.
وتابع بقلبٍ يرفرفُ كالطير الحر
وعاوز سلسلة رقيقة لبنوتة عندها سبعتاشر سنة، عاوز الدلاية بتاعتها تكون على شكل حرف D.
أومأ الصائغ برأسه متفهماً، وقال بابتسامة بشوشة
أبشر، بجيب لك شيء مرة حلو.
اختفى الصائغ خلف المنصة لثوانٍ، ثم عاد حاملاً علبة قطيفة حمراء، فتحها ليظهر منها طوق ذهبي رقيق ، تتوسطه دلاية متقنة الصنع تحمل الحرف المطلوب بجاذبية تأسر العين، لمعت عينا أشرف باللهفة الممتزجة بالسعادة، وشعر بأن القطعة صُنعت خصيصاً لأميرته.
سدد ثمنها وثمن القطعتين الأخريين، ثم غادر المتجر حاملاً علبتها كمن يمسك بين يديه كنزاً ثميناً، استقر في مقعد سيارته، ووضع العلبة بعناية صوب أعينه، أدار المحرك وانطلق، وضغط على زر الموسيقى لتنساب أغنية رومانسية ملأت أرجاء السيارة.
مكتوب على قلبى هواك، مكتوب يا حبيبى أدوب والعمر يضيع وياك، ولا عنك بقدر أتوب، مكتوب يا حبيبى تاخدنى، مكتوب بهواك توعدنى، مكتوب أجى أقرب منك، ألاقيك أنت بتبعدنى، وحدك من بين الناس، خلتنى أعيش إحساس، وأنا قبلك عيشت حياتى، بطوى الأيام وخلاص، غيرت الدنيا فى عينى
التمعت عيناه ببريق عشق جارف وزاد جنون الاشتياق وهو يردد كلمات الغنوة، بينما تُداعت صورتها في مخيلته، راح يتخيل كيف تبدلت ملامحها؟ وكيف غدت أكثر جمالاً ونضجاً في هذا العام الذي ابتعد فيه عنها؟ أطلق تنهيدة حارة وثقيلة من أعماق قلبه، تنهيدة اختصرت مسافات الغربة، وأعلنت بوضوح أن قلبه ما زال أسيراً هناك، عند تلك الساحرة الصغيرة، صاحبة حرف ال D.
________________
داخل منزل عبد الرحمن المسيري، كانت الحركة لا تهدأ في المطبخ، وقفت سامية على قدمٍ وساق، تتنقل بهمة ونشاط، منكبة على إعداد مائدة عامرة بأصناف شتى من الطعام، احتفاءًا بأصدقاء ابنها الذي عاد من معسكره في إجازة منذ يومين فقط.
تحرك قفل الباب الخارجي بالمفتاح لتدلف منه بسمة، حيث كانت عائدة من جامعتها، كانت تخطو أولى سنواتها في دراسة رياض الأطفال.
دلفت إلى ردهة المنزل، ونادت بصوت عالٍ يفيض بالحماس والبهجة
ماما، يا ماما، إنتِ فين يا ماما؟
أطلّت الأم من باب المطبخ، ووجهت إليها نبرة حادة لتكبح جماح حماسها الزائد
يا بنتي وطي حِسك، أخوكِ نايم جوه.
تتبعت بسمة والدتها وأسرعت نحو المطبخ، ودخلت وهي تسألها بدهشة
هو رشيد لسه نايم لحد دلوقتي؟!
ردت سامية وهي تعود لتقطيع خضار السلطة وعيناها على السکين
مش في إجازة وبيريح جسمه؟ سيبيه يرتاح من شقى الجيش وتدريباته اللي تهد الحيل.
جالت عيناها بين القدور الضخمة والصواني المتراصة في كل زاوية، فقالت بمرح مشوب باستنكار مفتعل
الله الله يا ست ماما، إيه الأكل ده كله،ده غدا ولا وليمة ده؟!
ثم تابعت وهي تغمز بعينها
طبعاً، ما هو البشمهندس حبيب القلب إجازة، وطول ما هو إجازة، الأكل الحلو كله يتعمل له.
ثم اقتربت من الموقد تفتش في الأواني باستغراب شديد، وتابعت وهي ترفع الأغطية الواحد تلو الآخر
إنتِ عاملة إيه في الحلل دي كلها يا سمسمة؟! إيه ده كله، إنتِ لمېتي المحاشي اللي في السوق كلها ولا إيه؟!
تركت الأم ما بيدها وتحركت سريعاً نحو الموقد لتتفقد نضج الطعام، وقالت بنبرة عاتبة
إنتِ ناسية إن أصحاب رشيد جايين على الغدا النهاردة؟
ضړبت الفتاة بكفها على مقدمة رأسها بحرج وقد اتسعت عيناها وهي تقول
يا خبر، ده أنا نسيت الموضوع ده خالص.
التفتت إليها سامية وحثتها باستعجال
طب يلا روحي غيري هدومك بسرعة، والبسي حاجة حشمة وطرحة على راسك، وتعالي ساعديني علشان زمانهم على وصول.
بعد قليل، كانت تقف بجوار والدتها في المطبخ، أغلقت صمام الموقد بحركة سريعة وقالت
وادي محشي الفلفل والبتنجان هو كمان استوى وبقى تمام،كده ما فاضلش غير الكوسة.
التفتت إليها والدتها وقالت بنبرة حذرة لسيدة خبيرة
اقفلي على الكوسة هي كمان زمانها استوت، دي ما بتأخدش وقت في السوى خالص.
نفذت الأمر على الفور وهي تجيب
قفلت عليها خلاص يا ست الكل.
تنحنحت سامية وهي تمسح يديها بفوطة المطبخ، ثم التفتت لابنتها قائلة
ادخلي بقى صحي اخوكِ عشان يلحق يصلي الظهر قبل ما أصحابه ييجوا.
توقفت مكانهما،