الفصل التاسع عشر لولا الغرام بقلمي روز آمين
المحتويات
وجالت بعينيها في أرجاء المنزل المستقر في هدوء، ثم سألت بعفوية
هو بابا في أوضته؟
زفرت بقلة صبر وضيق مصطنع من تشتت ابنتها، وقالت
اللي واخد عقلك، إنتِ ناسية إن أبوكِ وكريم سافروا البلد الصبح عشان يعزوا في حما بنت عمتك، وهيباتوا هناك؟
ضړبت بسمة مقدمة رأسها بكفها للمرة الثانية، وقالت بضحكة خجولة
يا خبر، أنا بقيت بنسى كتير أوي اليومين دول
ثم تحركت نحو غرفة شقيقها، وطرقت الباب بخفة قبل أن تدلف إلى الداخل، كان مستلقياً على فراشه، نائماً على بطنه ودافناً وجهه بالكامل في الوسادة، غارقاً في نوم عميق هرباً من إرهاق الأيام الماضية.
اقتربت منه وبدأت تناديه بنبرة مرحة
رشيد، رشيد، يلا اصحى.
لم يبدِ أي رد فعل، فدنت منه أكثر وسحبت الغطاء من فوق جسده بقوة وهي تتابع
يلا يا كسلان، قوم
تململ في فراشه، وفتح عينيه ببطء شديد يقاوم النعاس، ثم تمطع فوق السرير ماداً ذراعيه بكسل، وأطلق تنهيدة ثقيلة قبل أن يقول بصوت متحشرج غلبه النوم
صباح الخير.
ردت عليه بتهكم ممتزجًا بالمرح
صباح إيه بس يا هندسة، ده العصر قرب يأذن، يلا بسرعة قوم صلي الظهر وخد لك شاور عشان أصحابك على وصول.
ثم تابعت بثرثرتها المعتادة
أما ماما عاملة لكم شوية أكل إنما إيه، لمت لك جميع أنواع المحاشي اللي في السوق، وصينية رقاق باللحمة المفرومة، وفراخ ولحمة.
وتابعت بصوتٍ يغلب عليه الحماس
الست مكلفة نفسها وفرتكت مصروف الشهر كله، وعملت لك بيه وليمة على شرفك يا هندسة.
تحرك ببطء، وسحب جسده لأعلى سانداً ظهره إلى خلفية السرير الخشبية، ثم فرك وجهه بكلتا يديه بإرهاق بدا واضحاً على ملامحه.
كانت تراقبه بدقة، وتتابع بروده غير المعتاد الذي كاد أن يصيبها بالجنون، لتهتف بحدة وضيق
أنت مابتردش عليا ليه؟!
أجابها باقتضاب شديد ونبرة جافة لم تعهدها منه قبل،لكنها أصبحت ملازمة له منذ ذلك اليوم المشؤوم
اطلعي برة واقفلي الباب وراكي عشان أغير هدومي.
سألته بدهشة
مش هتستحمى الاول؟
قال باختصار حازم
استحميت قبل ما أنام، اطلعي يلا.
نظرت إليه باستنكار وضيق، فلم تتقبل بعد هذه الشخصية الجديدة والجافة التي أصبح عليها شقيقها مؤخراً، وراحت تعاتبة مستنكرةً بحدة
على فكرة بقى، أنت بقيت رخم أوي، شخصية الراجل الغامض بسلامته دي مش لايقة عليك خالص.
وتابعت بنبرة تمني صادقة لعودة شخصية شقيقها المألوفة لها
ارجع تاني زي ما كنت يا رشيد.
نظر إليها بجمود تام وهدوء غريب، ثم قال برتابة
خلصتي كلامك؟
ضيقت عينيها بعدم فهم وإحباط من صدوده، فأشار لها بيده نحو الباب ببرود.
زفرت بحدة وهي تتحرك مغادرة، ثم تمتمت بغيظ
سخيف.
خرجت وأغلقت الباب خلفها پعنف طفيف، بينما ترجل هو من فوق الفراش، نزع قميصه القطني ملقياً إياه جانباً، ثم توجه نحو خزانته الصغيرة ليتناول ملابس مريحة، وبدأ يرتديها في هدوءٍ .
____________
عاد أشرف إلى شقته التي خصصتها له الشركة، مسكنٌ وثير مجهز بكل سبل الراحة والرفاهية التي تليق بمكانته الجديدة، وضع بعض الأكياس التي تحوي عشاءًا فاخراً ابتاعه من أحد المطاعم الراقية فوق الطاولة، ثم خلع سترة بدلته الفخمة وألقاها بعناية على حافة أحد المقاعد.
تحركت يداه بنوع من اللهفة نحو كيس الهدايا، وأخرج منه علبة القطيفة الحمراء الخاصة بدليلة، فتحها وجلس يتأمل السلسلة الذهبية بسعادة غامرة، وراحت مخيلته ترسم تفاصيل عنق حبيبته وكيف ستتزين بتلك القطعة الرقيقة، سرت رعشة دافئة في أوصال قلبه، فتنحنح ببطء، وأعاد العلبة إلى الطاولة متنهداً.
بدأ يشمر كمّي قميصه وهو يتجه نحو الحمام، حيث تجرد من ملابسه واستسلم لتدفق المياه الباردة التي غسلت عنه أرق العمل وإرهاق اليوم، خرج بعد ذلك ليتناول غداه في هدوء، قبل أن يلتقط هاتفه المحمول ويبدأ في طلب رقم الهاتف الأرضي لمنزل شقيقه.
في تلك الأثناء، وتحديداً في بيت علي، كان الأخير يجلس على الأرض مفترشاً إياها براحة، ويضم بين يديه بحنو طفلته الصغيرة التي أتمت شهرها الخامس، كان قد اختار لها اسم دليلة تيمنًا بجمال أخلاق بنت خاله وهدوئها، ومتمنياً في أعماقه أن تحظى بجمالها وأدبها.
كان يداعب الصغيرة ويهدهدها قائلاً بنبرة تفيض بالأبوة
وحشتي بابي يا دودو، كدة طول اليوم مانشوفش بعض انا وانتِ يا قلبي؟
كانت الصغيرة تقفز بين يديه بسعادة وتلاغيه بضحكاتها البريئة، فتابع دلاله لها قائلاً
إيه رأيك بدل ما بنوديكي كل يوم الصبح لتيتا نعمة، آخدك معايا الشغل؟
اتسعت ابتسامة الطفلة، فاستطرد علي وهو يداعب وجنتيها
مش قادر يا دودو أبعد عنك طول الوقت ده،بتوحشيني يا بنبوناية انتِ.
أخذت تقفز وتناغيه بحروفها الصغيرة المتقطعة، وقالت بابتسامة تشرح الصدر
دادا، دادا.
انحنى يقبل وجنتها بلهفة وشغف قائلاً
يا قلب دادا، ونور عيون دادا من جوة.
واستمر يمطر وجهها الصغير بالقبلات السريعة الحانية،قطع خلوتهما رنين الهاتف الأرضي الصاخب، رفع صوته منادياً زوجته التي كانت قد وصلت معه للتو من العمل، ودخلت المطبخ على عجالة لإعداد وجبة الغداء
داليا، تعالي شوفي التليفون بيرن.
تأففت بقلة حيلة وهي تخفض شعلة الموقد تحت القدور، ثم ألقت بمنشفة المطبخ جانباً وتحركت نحو الصالة وهي تقول بتذمرٍ
ما ترد تشوف مين يا علي؟ ما أنت عارف إن ماما ماعرفتش تعمل أكل النهاردة بسبب انشغالها مع دليلة، وإني بطبخ ومش فاضية.
أجابها وهو متمسك بطفلته ولا يريد مفارقتها
معلش يا حبيبتي، البنت بتلعب ومبسوطة ومش حابب أفصلها.
زفرت بابتسامة خفيفة، ثم رفعت سماعة الهاتف وقالت
ألو، مين معايا؟
أتاها صوت أشرف من الطرف الآخر، نابضاً بالحماس والاشتياق
إزيك يا داليا؟ عاملين إيه وأخباركوا إيه؟
ردت بحماس وفرحة عارمة طغت على نبرة صوتها
أشرف!، إزيك أنت؟ عامل إيه طمني عليك؟
ما إن طرق اسم شقيقه على مسامعه، حتى انتفض من مكانه، وحمل طفلته وجرى سريعاً نحو الهاتف. رمقته بنظرة استغراب وراحت تلومه بقولها
يعني فصلت البنت وقطعت عليها وصلت اللعب يا حبيبي؟
ضحك بعفوية وقال يحاول استرضاءها
قلبك أبيض بقى يا دُولي.
هزت رأسها بتعجب وابتسامة خفيفة ترتسم على ثغرها، ثم ناولته سماعة الهاتف واستدارت عائدة إلى مطبخها لتكمل إعداد الطعام، في حين رفع السماعة وقال بحماس بالغ
أشرف باشا ؟
رد عليه بنبرة تفيض وداً واشتياق
حبيبي يا علي، عامل إيه طمني عليك؟
أجابه ممتنًا
أنا تمام والحمد لله، طمني عليك أنت؟
قال بجدية
بخير يا حبيبي، بنوتك عاملة إيه؟
امتعضت ملامحه تمثيلاً وقال باستنكار مرح
إيه بنوتك اللي طالع لي فيها دي كمان؟ اسمها دليلة يا ابني
رد مستنكراً بهمس حمل غيرة خفية
بطلوا تلزيق بقى أنت وبنتك، قال دليلة قال.
وقال بذات مغزى
هي دليلة واحدة مفيش غيرها.
تعالت ضحكات علي وهو يسترجع في مخيلته كيف كان أشرف معترضاً بشدة على تسمية الصغيرة بهذا الاسم وقت ولادتها، متحججاً حينها بأن عليهم اختيار اسم جديد يواكب الموضة، لكن الحقيقة هي أن أشرف كان يغار على اسم حبيبته، ولا يريد لأحد أن يشاركه فيه.
تابع كلماته بسرعة ليغير مجرى الحديث قبل أن تغلبه مشاعره وتفضحه
بقول لك إيه قبل الكلام ما يسرقنا، محمد ابن عمتك نازل مصر الأسبوع ده، وأنا بعت للبنوتة معاه حلق وخاتم، هديتها من عمها.
وقبل أن يسترسل في حديثه، قاطعه علي بنبرة لائمة
يا ابني ما أنت حولت لها مبلغ
متابعة القراءة