الفصل التاسع عشر لولا الغرام بقلمي روز آمين
المحتويات
يا حبيبي.
شعر بالخجل والارتباك أمام الحاضرين، وقال بنبرة اعتذار لمراضاتها
أنا آسف يا ماما، أنا عارف إنك زعلانة مني عشان ماعرفتش أزورك ليا فترة، بس صدقيني كنت مشغول جداً.
ردت بحزن عميق نضح من عينيها
وإيه الجديد يا ابني؟ ما أنت طول عمرك مشغول.
وتابعت لانكسارٍ تجلى بنبراتها
ربنا يقويك يا حبيبي.
تأثر بكلمات والدته القاسېة التي أصابت كبرياءه في مقټل أمام الجميع.
تحركت منى سريعاً لإنقاذ الموقف وقالت وهي ترحب بهما
ثواني يا جماعة، هعمل لكم ترابيزة جنبنا حالاً .
قاطعها بهاء بنبرة متحفظة
مفيش داعي تتعبي نفسك يا منى،إحنا لسه واكلين في بيتنا قبل ما نيجي.
نظرت إليه رقية باستغراب ودهشة وقالت مستنكرة
وليه يا حبيبي تأكل في بيتك؟ ما أنت عارف إنك جاي عيد ميلاد وصادق عامل غدا؟!
التفتت إليها إلهام، ورفعت رأسها بكبرياء وغرور قائلة بلهجة يشوبها الغرور
أصلنا متبعين نظام غذائي صحي يا أنطي، الطباخ في البيت بيعمل لنا الأصناف اللي إحنا قايلين له عليها بالجرام، فما ينفعش ناكل برة البيت نهائي.
ساد الصمت بين الجميع، ولم يجد أحد تعقيباً يناسب هذا الرد المتعالي، فعاد الجميع يتناولون طعامهم على مضض، بينما استمرت نظرات العتب والصراعات الصامتة لتدور في الخفاء.
______________
مر الوقت سريعاً وحانت لحظة الاحتفال الفعلي، أحضروا الكعكة الكبيرة وزرعوا بداخلها بعض الشموع ،التف الجميع حول دليلة وبدأوا يغمرونها بالأغاني الخاصة بتلك المناسبة مع التصفيق، علت رددوا بأصوات تملأها البهجة والسرور.
كانت الفتاة تكاد أن تحلق في السماء من شدة البهجة، وعيناها تلمعان بسعادة غامرة وسط هذه اللمة الأسرية التي تعشقها من كل قلبها.
وقفت صديقتها ندى بجوارها مباشرة، تشاركها اللحظة وتغني بحماس الأغنية الشهيرة
Happy Birthday دليلة.
انحنت دليلة بملامح تكاد تطيرُ فرحًا، وأغمضت عينيها لثوانٍ تمنت فيهم أمنية غالية بأن يرزقها الله مجموعاً يؤهلها لدخول كلية الطب، ثم نفخت بقوة لتطفئ الشموع وسط تصفيق حار وهتافات الجميع.
بدأ الحضور يتوافدون عليها بالتناوب لتهنئتها وتقديم الهدايا، قدمت لها إلهام مجموعة من المكياج الفخم،لتتعجب دليلة من تلك الهدية التي لا تناسب سنها،تحت ضيق وفاء.
تقدم منها علي والابتسامة تزين وجهه، ومد يده بهدية قائلاً
دي هديتي أنا وداليا يا دليلة، كل سنة وأنتِ طيبة.
ابتسمت برقة وقالت ممتنة
تسلم إيديكم، ميرسي بجد.
اقتربت داليا وملست على وجنتها بحنان بالغ قائلة
كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبتي، وعقبال مليون سنة.
مد علي يده داخل الكيس وأخرج علبةً أخرى، كانت علبة قطيفة حمراء فاخرة، قدمها إليها وهو يقول بنبرة حملت مغزى
ودي بقى هدية أشرف ليكِ.
ساد الصمت لثوانٍ، واستغربت دليلة بشدة، بل إن علامات الدهشة ارتسمت على وجوه معظم الحاضرين، نظرت دليلة تلقائياً نحو والدها تستأذنه بنظراتها، فأومأ لها صادق برأسه بهدوء مانحاً إياها الأذن بقبولها.
أخذت العلبة، وهنا هتفت عايدة بفضولها المعتاد
افتحي الهدية يا دليلة خلينا نتفرج.
شاركتها ابنتها شاهندة الحماس وقالت بنبرة مرحة
يلا يا دليلة افتحيها بسرعة، خلينا نتفرج على مجايب سي أشرف.
رمقتها والدتها بنظرة حادة ألجمتها، فصمتت الفتاة على الفور، فتحت العلبة ببطء، وما إن رفعت الغطاء حتى اتسعت عيناها بذهول وفرحة عارمة تملكت قلبها، كانت سلسلة ذهبية رقيقة للغاية، تتوسطها دلاية متقنة الصنع على شكل حرف D مزخرف بعناية بفصوص لامعة من الذهب الأبيض.
هتفت بدهشة وإعجاب شديد وهي تتطلع إلى علي
واو، تحفة، حلوة أوي يا أبيه، تسلم إيدك.
ضحك علي وأجابها بغمزة من عينيه
تسلم إيد اللي جاب واختار ودفع يا ستي، أنا يا دوب استلمت الهدية وقدمتها.
احمرت وجنتيها وخفضت رأسها بخجل، ثم قالت بصوت خفيض
تسلم إيده،بصراحة ذوقه حلو أوي.
التف الحضور حول السلسلة يتأملون رقتها وجمالها بذهول وإعجاب، كان الجميع سعيداً، إلا منى،فقد انتابها شعورًا مفاجئ بالقلق والريبة، وأحست في أعماقها أن تلك الهدية الثمينة ليست مجرد مجاملة عابرة، بل هما تلميحًا صريح لخطوة قادمة، وهي الخطوة التي طالما تمنت ألا تأتي أبداً.
مالت رقية برأسها نحو فاطمة، وهمست في أذنها بيقين وخبرة متراكمة عبر السنين
أقطع ذراعي إن ما كان الواد ابنك حاطط عينه على بنت صادق.
نظرت فاطمة إلى والدتها بذهول،وراحت تفكر، ليتولد في أحشائها شعورًا غريبًا ومربك، لم يكن شعوراً بالفرحة أو الفخر، بل كان مزيجاً من الخۏف والقلق والتوجس مما يخبئه المستقبل،هي تعشق الفتاة ولا تتمنى لصغيرها زوجةً افضل منها،لكن بالوقت ذاته،تخشى من تعكير صفو علاقتها بشقيقها الحبيب إذا صار بينهما نسبًا وحدثت بعض المشاكل.
قطع انشغال الجميع وأحاديثهم رنين الهاتف الأرضي، تقدم صادق ورفع السماعة، ليأتيه صوت أشرف، تبادلا السلام الحار، وشكره صادق بامتنان على ذوقه وهديته الثمينة، ثم دارت السماعة بين أفراد العائلة بالكامل، إذ تسابق الجميع ليتحدثوا إليه بلهفة واشتياق، ولا سيما والدته فاطمة التي لم تكد تصدق سماع صوت فلذة كبدها.
قبل أن تنتهي المكالمة، طلب أشرف بنبرة هادئة ومتحفظة أن يتحدث إلى دليلة ليهنئها بنفسه بمناسبة عيد ميلادها، الټفت صادق ونادى غالية فؤاده، قائلاً
تعالي يا دليلة كلمي ابن عمتك.
تقدمت بخطوات هادئة، وتسلمت منه السماعة، ثم رفعتها إلى أذنها وقالت بصوت يفيض رقة وعذوبة
ألو، إزيك يا أشرف؟
كان جالسًا على أريكته الوثيرة براحة، ما إن طرق صوتها مسامعه حتى أغمض عينيه ببطء، وارتسمت على ملامحه علامات استمتاعٍ حقيقي، وكأنه ينصت إلى سيمفونية موسيقية عذبة ينتظرها منذ الكثير.
لم يتأثر عشقه بطول المسافات ولا الغربة، بل ازداد عمقاً وتأصلاً في وجدانه، أجابها بنبرة مغلفة بحنان دافئ نابع من عشقه المتأصل داخله
إزيك أنتِ يا دليلة، كل سنة وأنتِ طيبة.
ردت عليه بسعادة غامرة بفضل تلك الأجواء من حولها
وأنت طيب، ميرسي أوي يا أشرف على الهدية الجميلة دي.
قال بصوت هائمًا تملكه الفرح لسعادتها
أهم حاجة تكون عجبتك.
تابعت بحماس وعينين تلمعان بالبهجة
عجبتني طبعًا، دي رقيقة وحلوة أوي.
تنهد بارتياحٍ وقال بنبرة حملت وعداً خفياً لم تفهمه برائتها بعد
مبروك عليكِ، وعقبال ما أجيب لك هديتك الكبيرة.
ضحكت بعفوية وقالت بنقاءٍ
أكيد تقصد هدية نجاح الثانوية العامة.
ابتسم على براءتها العذبة، وقال يداري مقصده الحقيقي
أكيد.
كان يشعر ومأنه طيرًا طليقًا في الهواء، لم تدم تلك اللحظة الحالمة طويلاً، إذ اقتربت أماني فجأة وانتزعت سماعة الهاتف من يد دليلة قائلة بعجلة
هاتي يا دليلة عشان أكلم أشرف عوزاه في موضوع ضروري.
ثم وضعت السماعة على أذنها وصاحت
بقول لك إيه يا أشرف، أنا جاية الأسبوع الجاي إن شاء الله أنا وعمك مجدي عشان العمرة، أول ما نوصل هكلمك وأقول لك على عنوان الفندق اللي هننزل فيه.
وأكدت مسترسلة
إوعى تنسى تيجي لنا هناك، عشان أشوفك وأسلمك الحاجات اللي أمك بعتاها لك معايا.
حاول كظم ضيقه الشديد، وأجابها باقتضاب مجبراً
حاضر يا خالتي، توصلوا بالسلامة ان شاءالله.
أنهى المكالمة بعد كلمات قليلة، وألقى بهاتفه جانباً وهو يشعر بغصة وضيق من مقاطعة خالته، فقد كان يتوق للامتداد في الحديث مع صغيرته لأطول وقت ممكن، ليرتوي من نبرات صوتها التي تعينه على أيام غربته الثقيلة.
ومع دقات ساعات الليل المتأخرة، أسدل الستار على حفل ذكرى الميلاد السعيد، ودع صادق ومنى ضيوفهما، وعاد كل فرد من العائلة إلى منزله، حاملين معهم ذكريات يوم
متابعة القراءة