الفصل التاسع عشر لولا الغرام بقلمي روز آمين
المحتويات
كبير وقت ولادتها، كفاية كده يا حبيبي.
أجابه بحب صادق غلف نبراته
وماله؟ دي حبيبة عمها ولازم تتدلل وتتدلع.
رد علي بامتنان
ربنا يخليك ليها يا عمو، وتعيش وتجيب يا سيدي.
شعر أشرف بنوع من الحرج، وتحمحم ليتغلب على ارتباكه، ثم تابع بصوت خاڤت
أنا بعت معاها هدية كمان، سلسلة لدليلة بمناسبة عيد ميلادها.
ظن علي للوهلة الأولى أنه ما زال يتحدث عن طفلته الرضيعة، فقال بدهشة
هو فين لسه عيد ميلادها يا أشرف؟ دي بالعافية كملت خمس شهور، وبعدين يا ابني ما أنت باعت لها خاتم وحلق اهو، ليه المصاريف دي كلها بس يا حبيبي؟
سرى تيار من الإحراج الشديد في أوصال أشرف، وتحمحم مجدداً ببطء ليجمع شتات نفسه، ثم قال موضحاً بنبرة حاول جاهدًا لتخرج جادة
أنا بتكلم عن دليلة صادق يا علي، بنت خالك.
صمت علي لثوانٍ، ودارت في عقله الأفكار قبل أن يتذكر فجأة أن خاله اتصل به بالأمس،و دعاه هو وداليا على حفل ذكرى ميلاد ابنته الذي يوافق الأسبوع المقبل.
هتف علي وقد استوعب الأمر
آه، ده فعلاً عيد ميلاد دليلة الأسبوع الجاي.
ثم تابع بنبرة يملؤها الاستغراب والشك
بس أنت عرفت منين؟
تحمحم أشرف مجدداً وقال محاولاً الهروب من المأزق
هو يعني سر حربي يا علي؟ ما أنا عارفه من زمان، وياما خالك عملهولها زمان في البلد.
تضاعفت ريبة علي، وشعر أن وراءه سرًا، فكيف لشقيقه المستغرق في مسؤولياته وضغوط عمله الذي يلتهم معظم ساعات يومه في الغربة أن يتذكر تفصيلاً كهذا، بل ويشتري لها سلسلة ذهبية ثمينة؟
سأله علي بنبرة متعجبة
أيوا بس مش غريبة شوية إنك تفتكره في وسط مسؤولياتك دي كلها؟ دا أنت بتشتغل معظم اليوم يا أشرف، لا، وجايب لها سلسلة دهب كمان.
ساد الصمت من طرف أشرف، ولم يجد كلمات يسعف بها نفسه، فتابع علي بذهول حقيقي وقد بدأت الخيوط تتشابك في عقله
وَلَا، أنت إيه حكايتك بالظبط؟
استمر صمت أشرف الثقيل، مما أكد ظنون شقيقه، فهتف بنبرة حملت صدمة ممتزجة بالفرحة
أوعى تكون.
صمت لبرهة يلتقط أنفاسه ثم تابع
أنت بتحب دليلة يا أشرف؟!
أخذ نفساً عميقاً، زفر فيه كل سنوات الكتمان والشوق، وقرر ألا يداري أكثر، فقال بيقين وعاطفة جارفة تجلت بين نبراته
آه يا علي بحبها، ومن زمان أوي كمان.
اڼفجر الآخر ضاحكاً من فرط المفاجأة وقال بمداعبة
ېخرب عقلك، زمان إيه يا ابني؟ بتحبها من أيام ما كانت في اللفة ولا إيه؟!
شعر بغصة مرة تسللت إلى نبرات صوته من سخرية شقيقه العفوية، فقال بنبرة حازمة حملت عتاباً رزيناً
علي، أنا مبحبش أسلوبك ده في الكلام وأنت عارفني.
تدارك الموقف سريعاً، وشعر أنه تسرع في مزاحه، فقال محاولاً إصلاح ما أفسده بلهفة
يا ابني ما أقصدش، ما تبقاش حمقي أوي كده.
ساد الصمت لثوانٍ من طرف أشرف، فابتسم علي ورغب في تخفيف حدة التوتر وإضفاء جو من الألفة، فسأله بنبرة طغى عليها المرح
بتحبها أوي يعني يا أشرف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة عذبة دافئة تلاشت معها حدته، وقال بشوقٍ جارف
أوي يا علي، ادعي لي بس تكون من نصيبي.
تأثر بصدق مشاعر شقيقه، وقال بابتسامة حانية
إن شاء الله هتكون لك، وهتبقى أحلى نصيب كمان.
برغم طمأنة شقيقه لكن ملامحه تملكتها الحيرة فجأة، وقال بصوت خفيض شابه الريبة
تفتكر لو طلبتها من خالك هيوافق؟
عقد حاجبيه دهشةً، ثم سأله مستغرباً
وإيه اللي هيخليه ما يوافقش؟!
أخرج تنهيدة طويلة ومحملة بالهموم، ثم نطق بما يؤرقه
دليلة عاوزة تدخل كلية الطب يا علي، تفتكر لو فعلاً دخلت وبقت دكتورة قد الدنيا، هترضى بيا هي أو خالك؟
اندهش علي من طريقة تفكير شقيقه وجلد الذات الذي يمارسه، فرد عليه بجدية وحزم
وحتى لو بقت دكتورة، إيه اللي يمنع جوازكم؟ أنت محاسب قد الدنيا، وشغال في شركة من أكبر شركات الخليج كله.
وتابع مسترسلاً بايضاح
ده غير شغلك في المزارع واللي بيدخل لك منه، ده أنت الله أكبر ياحبيبي، في سنة واحدة ربنا كرمك وعملت اللي ماقدرش يعمله ناس مسافرة بقالها عشر سنين.
لم يجد في كلمات شقيقه العزاء الذي يبحث عنه، بل شعر بإحباط يثقل صدره، فقال بأسى
وهي الفلوس كل حاجة يا علي؟ وبعدين انتَ ليه محسسني إننا من غير السفر وفلوسه مكناش نسوى؟
وتابع يوضح مقصده
دي أرض أبوك لوحدها في البلد لو اتباعت تجيب لنا ملايين.
هز رأسه محاولاً تصحيح الفهم، وقال مفسراً
انا ما أقصدش فلوس وماديات يا ابني خالص، بس أنت كشخص وبمركزك ده بقيت فرصة يتمناها أي أب لبنته.
صمت أشرف لبرهة، ثم قال بنبرة حالمة تقطر عشقاً خالصاً
أنا مش عاوز أبقى مجرد فرصة، أنا عاوزها هي اللي تشوفني وتتمناني زي ما أنا بتمناها يا علي.
تأثر الآخر بعمق الكلمات، ورد بنبرة واثقة ومطمئنة لبث روح التفاؤل لدي شقيقه
إن شاء الله هيحصل، اصبر بس لحد ما تخلص الثانوية العامة، وأنا وأبوك هنفاتح خالك في الموضوع ونطلبها لك.
سرت في أوصاله بادرة أمل جديدة أنارت عتمة مخاوفه، وقال بارتياح
طب أنا هقفل دلوقتي عشان تعبان شوية وعاوز أنام، ومتنساش تأخد الهدية من محمد وتديها لها في عيد ميلادها .
أنهى المكالمة وأعاد سماعة الهاتف إلى موضعها، جلس على مقعده الوثير، وراحت عيناه تتأملان السلسلة الذهبية المتلألئة من جديد بنظرات حالمة، وعيون تقفز منها شرارات العشق والاشتياق، منتظراً ذلك اليوم الذي يجمع بين قلبه وصاحبة الحرف .
______________
العودة إلى منزل رشيد، كان قد فرغ للتو من وضوئه وصلاته، وقف أمام مرآته ممسكاً بالمشط، وراحت يده تتحرك بآلية لتسريح شعره الكثيف، فجأة، تيبست يده وتسمرت نظراته، وجلس يتأمل انعكاس صورته وكأنه يرى ملامحه للمرة الأولى في حياته.
دار في عقله تساؤل مرير من ذلك الواقف أمامي، لقد بدا له الشخص القابع في المرآة غريباً تماماً عنه، عيونٍ حادة جرداء كأرض صحراوية قاحلة لا أول لها ولا آخر، وملامح وجه صلبة جامدة، وشفتان خاصمهما الضحك وباتت الابتسامة غائبة عنهما منذ زمن.
لم يكن هذا مجرد وهم، فكل من حوله لاحظ هذا التحول الجذري، وكأن روحه القديمة قد ماټت لتُخلق مكانها شخصية أخرى، شخصية جادة وصارمة، تعمل بكل ما أوتيت من قوة وجهد لتطوي صفحات الماضي، وتبني مستقبلاً جديداً تتلاشى فيه كل السلبيات والخيبات السابقة.
أطلق تنهيدة ثقيلة زفر بها بعضاً من ضيق صدره، ثم أشاح بوجهه عن المرآة وخرج متجهاً إلى المطبخ، نظر إلى والدته وقال بنبرة هادئة
صباح الخير يا ماما.
التفتت إليه وعيناها تفيضان بالشوق والحب، وردت بصوتٍ تقفز من بين نبراته الحنان
صباح الخير يا حبيبي.
ثم تابعت وهي تغرف بعض المخلل من وعاء زجاجي كبير
الأكل كله جاهز، مافاضلش غير إن أصحابك ييجوا، وأغرف لكم على طول.
هز رأسه بهدوء، تعالى رنين جرس الباب الخارجي، لتهتف السيدة بحماسٍ
دول أكيد أصحابك، روح افتح لهم يلا وأنا هبدأ أغرف الأكل.
أومأ لها برأسه وانسحب بهدوء ليتجه نحو الباب، ما إن فتحه حتى وجد أمامه سامر ومحمود وعمر، رفاق دربه الذين رافقوه منذ أيام الثانوية وما زالوا على عهدهم متمسكين بصداقتهم.
اندفع سامر إلى الداخل وهو يستنشق الهواء بقوة،
متابعة القراءة