روح وريحان بقلم ايناس عادل

موقع أيام نيوز

الفصل الأول
صدعت صرخاتها الجدران ... تشققت أنفاسها ... سرت رجفة في نفوس من حولها ... تحيط بها الهمسات والهمهمات ... تتمتم إحداهن في أذن الأخرى بكلمات الشفقة والمواساة ...
فتلك البائسة أمامهن أثارت الكمد في نفوسهن ... البعض منهن يخشى أن يصيبه ما أصابها ... والبعض الآخر قد سبقها ... ولكن يحزن لم يراه منها ... فإن مررن بمثل هذا الألم ... فقد أحاطتهن رعاية افتقدتها هي ...
تتأرجح مشاعرها بين مرارة الفقد وفرحة الميلاد ... أن تشعر بشعورين متناقضين ... كلاهما حزن و حزن ... ولكنهما متناقضين ... كيف لا تدري ...ش
أو تشعر بفرح وفرح ... وأيضا متضادين ... أن تضحك على صاحبك حين يقول شړ البلية ما يضحك ... تتجرع الكلمة بابتسامة تخفي مرارتها ...
لا تطيق ألمها ... لن أجد إجابة إن سألتني إن كان ألمها في الجسد أو في النفس ... فكلاهما لا تطيقه ...
تردد فقط يا رب لا أريد سواك
ثم هدأت أنفاسها وسكنت وسكن كل شئ .....
ريحانة .. قطعة لحم حمراء .. غضة باكية .. علت صرخاتها .. وصدعت الجدران بسوطها ... تتناقلها الأعين بين مشفقة ومتغاضية .. تخفت صرخاتها وتئن أنينا مكلوما .. وكأنها تعلم مصابها ... قد يكون عقلها لا يدرك شيئا ولكنها تبصر أنها جاءت إلى هذه الدنيا بغير بهجة ... ترى الحزن في أعين حامليها .. وترى نظرة أخرى لمحت فيها شيئا بين بهجة الميلاد وفجيعة الفراق ... ولكن شتان بينهما فالألم طغى تماما على الفرحة ...
كبرت ونما عقلها وظلت تلك الذكرى تلاحقها .. تحاول إخفاءها كلما استطاعت .. ولكنها تظل محفورة في عقلها ...
وكما تظهر تلك الذكرى فجأة تختفي فجأة ... وكأنها تريد فقط تذكرتها بسبب حزنها الدائم ...
تذكرها ببسمتها الحزينة أو حزنها المبتسم .. بأي منهما اكتملت لوحة حياتها ..
ولما استوت لم تجد أمامها سوى رجل لاقى في حياته على قدر انحناءات وجهه وانكماش يديه ما يجعله جامدا صلدا ..
... لم تجرب أبدا شعور أن يكون لك أب يحميك وأم تسهر على راحتك ... ولكن كما حرمت منهما منفردين .. شعرت بهما متحدين في شخص واحد ...
يشرق يومها بابتسامته ... وتغيم الدنيا بغيابه ...
وكيف لا وقد تجاوزت العشرين ربيعا من عمرها معه .. هو طريقها للحياة ولم تحد عنه ...
سمعت ريحانة طرقات خفيفة على باب غرفتها فاستيقظت مبتسمة .. يغلبها كسلها وتغمض عينيها مجددا .. ولكن تحولت الطرقات لصوت مسموع ويليه طرقات مجددا ... قاومت تثاقل جفنيها وقامت مترنحة لتفتح الباب قائلة 
حاضر يا جدو .. صحيت والله ..
ضحك الجد صالح متجها للباب قائلا 
بس يا ريت مجيش من المسجد الاقيكي نمتي تاني ...
خطت خطواتها الاولى خارج غرفتها قائلة 
لا متقلقش هستناك وانام تاني ..
هي حياتهما عاشوها منفردين .. نفسه الراضية تبدد بسمتها الحزينة .. وروحه الطيبة تجنبها شفقات الأعين التي ألفتها .. 
أسرة صغيرة قد تكون .. ولكنها كاملة .. الأب والأم كان هو والابنة والحفيدة كانت هي ...
أنهى الجد صالح صلاته في هذا المسجد المجاور لمنزله في إحدى المدن من ذوات العمائر الشاهقة تلك اللاتي يناطحن السحاب .. عائدا لمنزله ذاك يفكر كعادته تارة .. ويتمتم بالاستغفار والتسبيح تارة أخرى ..
ينظر للطرقات الواسعة ولجمهور الناس حوله فعادة ما تكتظ الشوارع في ذلك الوقت بجمع المصلين ... يتنهد مبتسما وهو يتذكر صباه وكيف كان يأتي للفجر ومعه نفر قليل ..
لم يكن متصورا أنه سيحيا ليرى ما يراه الآن ... أو ينعم بتلك الحياة الرغدة ..
قد يكون هناك ما يكدر عيشه ويصيب نفسه بالكمد .. إنها ذكرى وإن بعدت ستبقى حبيسة نفسه .. يتناساها أحيانا ولكنها تعود لتلح عليه في عين صغيرته ..
استقبلته ريحانة مقبلة رأسه وكفيه ثم احتضنته بشدة .. نظر لها مندهشا من بريق عينيها عرف أن هناك خطب ما ... لم تنتظر سؤاله بل قالت فرحة 
البرنامج اللي صممته هتشتريه اكبر شركة حاسبات في البلد ... ومش بس كدة دة انا اتعرض عليا وظيفة في الشركة كمان ..
هنأها الجد صالح قائلا 
مبارك عليكي .. 
ثم مال عليها مقبلا رأسها وهو يقول 
انا بردو استغربت سر الفرحة الغريبة اللي في عنيكي دي ..
ضحكت قائلة 
اه كنت عايزني اكون زعلانة وبعيط علشان اتأخرت في المسجد صح ..
رد عليها وهو يتجه للجلوس 
يعني دي مش عادتك ...
سارت خلفه قائلة 
لا خلاص بقى .. انا كبرت ع الحاجات دي بس بردو متتأخرش تاني ... ويلا بقى علشان عملتلك التمر واللبن اللي بتحبه .. وانا هكلم رنيم وريم اعرفهم بالخبر السعيد دة
بين العصر والظهيرة أنهى يوسف عمله ومر بسيارته ليأخذ ريم في طريقه للمنزل ... قطعا طريقهما بين المزاح كعادتهما تارة وبين شكوى ريم من معاملته لها تارة أخرى ...
وبين البين وصلا مبتغاهما ... بيت يتكون من عدة طوابق .. في الطابق الأول يعيش الجد صالح و ريحانة .. ويقطن يوسف وأمه وريم أخته بالطابق الثاني .. وتبقى طابقان آخران بلا ساكن ... تحيط بالبيت حديقة غناء يرعاها جدهم صالح ...
وكعادتهما صعدا بصخب عال لأول طابق .. طرق يوسف الباب بينما تهتف ريم باسمريحانة تارة وباسم جدها تارة أخرى .. فتحت ريحانة الباب مبتسمة وقالت بحبور 
أي ريح عاتية أتت بكما ...
دخل يوسف أولا وانحنى مقبلا رأسها وهو يقول 
ريح عاتية مرة واحدة .. بقى دي اخرتها .. وانا اللي قلت لازم اجيب هدية وابارك واهني .. قبل البت ريم
دخلت ريم خلفه قائلة 
انا بت هي دي الاخوة يابن امي وابويا ...
ثم نظرت ل ريحانة قائلة 
بقولك ايه يا بنت خالتي تاخديه وعليه ربع جنيه ..
ابتسمت ريحانة برقة وهي تقول 
انتي عارفة ان فلوس الدنيا كلها متجيش حاجة جنب يوسف .. دة قلبي
ابتسم يوسف وهو يقبل رأسها ثانية بينما تصنعت ريم الألم وهي تقول 
اه قلبي ... اخويا وبنت خالتي مع بعض .. لا مش قادرة اصدق مش قادرة ..
ضحك يوسف عاليا وهو يضرب ريم على رأسها بينما ضحكت ريحانة بخفوت .. فطبيعتها الهادئة تسيطر على تصرفاتها .. تحيط بها هالة من الهدوء الناعم ترتاح عيناك لرؤيتها ... وتمتع ناظريك برقتها .. بريئة لدرجة تشعرك أنك تحدث طفلة لم تبلغ بعد .. بل هادئة بطريقة تجذبك للاستماع لحديثها الهادئ ...
أخرج يوسف من جيب معطفه علبة رقيقة كصاحبتها وقدمها لريحانة قائلا 
مبارك عليكي يا احلى ريحانة في الدنيا كلها
ابتسمت ريحانة بخجل قائلة 
الله يبارك فيك بس كان كفاية فرحتك دي مش عاوزة حاجة تانية ...
رد ابتسامتها بابتسامة قائلا 
يا سلام .. انتي مش عارفة غلاوتك عندي ولا ايه ..
ثم قال غامزا لها بعينه 
دة انت اللي في القلب يا جميل
ردت بخفوت 
يوسف بس بقى ...
تحدثت ريم قائلة 
انتو الاتنين بطلوا ام الرومانسية القديمة دي بقى زهقتوني ..
ثم أبعدت يد يوسف عن ريحانة قائلة 
ابعد كدة عن البت عاوزة اباركلها انا كمان ...
واقتربت من ريحانة لټحتضنها بشدة قائلة 
متعرفيش فرحتي بيكي اد ايه .. ربنا يوفقك دايما يارب .. وبالمناسبة السعيدة دي انا ورنيم عاملين لك بقى حفلة ايه هتحلمي بيها
ابتسمت ريحانة لتقول بصدق 
ربنا يخليكوا ليا وميحرمنيش منكم ابدا ..
أنهوا مباركاتهم ثم انطلقوا حيث لقاء رنيم ولم تخل سيارة يوسف من شغب ريم واعتراضاتها الدائمة ... بينما تسكن ريحانة في مقعدها المجاور ليوسف مبتسمة ..
هدأت ريم قليلا فحثها يوسف على الاسترسال في مشاغباتها قائلا 
ايه خلصتي .. كملي كملي .. طلعي كل اللي عندك مش عاوزك تكتمي في نفسك حاجة ...
صاحت ريم قائلة بحنق 
يوسف متستفزنيش .. قلت لك احنا رايحين نقابل صاحبتنا تيجي معانا انت ليه .. وبعدين ليه مش راضي تخليني اسوق عربيتي .. بطل كدة بقى يا يوسف انت كدة بتخنقنا ..
نظر لها معاتبا وهو يقول 
بخنقك يا ريم ... علشان بخاف عليكم يبقى بخنقكم ... خلاص يا ستي اتحملي خۏفي عليكم .. اخوكي بقى وغلبان .. لكن مش هسيبكم بردو لوحدكم ..
استشعرت ريحانة التوتر الحاډث بينهما .. ولكنها التزمت الصمت عجزا منها وليس رغبة فيه .. بينما تألمت ريم لعتاب شقيقها .. فانتفضت قائلة 
انا اسفة يا يوسف والله مقصدش كدة ..
كانوا قد وصلوا .. فتوقف يوسف قائلا 
اجيلكم الساعة كام ..
همست ريحانة وهي تغادر سيارته 
بعد ساعتين ان شاء الله ..
بينما جلست ريم جوار يوسف قائلة 
مش هسيبك تمشي وانت زعلان مني ..
رد يوسف دون ان ينظر لها 
مش زعلان .. ممكن تنزلي بقى عشان متتاخروش على صاحبتكم
ردت ريم بتصميم 
ايه يعني لو اتاخرنا ولو ان فيها اعدام من رنيم .. بس مش نازلة غير لما تضحك وتصالحني بشيكولاته كمان
ابتسم قائلا 
يا بت انتي اللي مزعلاني عاوزاني انا اللي اصالحك ..
ابتسمت قائلة 
اخيرا ضحكت .. والله لو زعلت مني تاني لاعضك ..
رفع كفيه في حركة استسلام قائلا 
اخر مرة بس مطوليش لسانك تاني
ردت وهي تترك سيارته 
هقصه قبل ما يطول على حبيبي ..
علاقة خاصة بينهما تجاوزت كل المعاني .. ليس فقط أخاها بل تمتد علاقتهما إلى أبوة خالصة من ناحية يوسف وأمومة خالصة من ناحية ريم .. ولصداقتهما طابع خاص .. فهما وإن كثرت مشاغباتهما إلا أنهما يخفيان وراء ذلك الشغب الكثير والكثير من المشاعر الصادقة ...
استقبلتهما رنيم وفي عينيها نظرة متوعدة .. بمجرد وصولهما قالت ريم
اسفين يا كبيرة ... 
ثم سلمت عليها بترحاب كبير ..
ردت رنيم بحزم باسم 
عندكوا تاخير 3 دقايق ..
ابتسمت ريحانة وهي تقبل عليها قائلة 
طيب ممكن تتقبلي اسفي انا ..
عانقتها رنيم بشدة وهي تقول 
هو انا اقدر على زعلك يا قلبي .. مبارك عليكي .. ربنا يوفقك دايما ...
سكنت ريحانة بين ذراعيها .. فدائما وابدا كانت رنيم أمها الصغيرة .. وليس لفارق السن دور في ذلك ... ف رنيم و ريم يكبرانها فقط بثلاث سنوات .. ولكن ل رنيم شخصية ساحرة بحنان خالص تخص به ريحانة وفقط ...
جلس ثلاثتهن على مائدة مستديرة .. يستمتعن بوقتهن ويتشاركن فرحة ريحانة .. فأخيرا ستخوض وحدها معمعة العمل .. وأخيرا سيتركونها تتصرف في أمر من امور حياتها وحدها ... جميع من حولها يساوره القلق من هذا الأمر ... ولكنهم يثقون بكفاءتها في عملها .. بينما كفاءتها في التعامل مع الناس خلاف المقربين لها صفر ...
صحبة جمعتهن .. رباط متين ربط بين قلوبهن
.. وألف بينهن حب من نوع غريب .. فإن فرحت إحداهن كانت السعادة أسبق إلى الأخريتين ... وإن تكاتف الهم على واحدة كان الحزن يوغر قلب ثلاثتهن ..
قد تكون شخص لم تمر بحياته صداقة كتلك .. وقد يكون آخرون حذروك من

تم نسخ الرابط