روح وريحان بقلم ايناس عادل
المحتويات
صاحبك .. وقد تكون من نوع ثالث يقسم أن الاختلاط بالناس شړ لا محالة .. وقد يكون فاتك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... وذكر فيهم ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه .. أو قد يكون مر عليك أو مررت أنت عليه مرور الكرام .. فلم تعبأ لأن يكون لك نصيب في السبعة فقط بصحبة طيبة .. جمعكم حب الله ..
أيا كان نعود لصحبتنا نحن ريحانة رنيم ريم كلما اجتمعن تعود عقولهن لتلك الذكرى ذكرى معرفتهن .. بدأت تلك المعرفة مع أول كلمة كتبتها إحداهن ..
اسمع جيدا يا صاح .. الصداقة قيمة رائعة فقط إن أحسنت الاختيار .. وانا أخبرك ان ثلاثتهن أحسن الاختيار .. بل من الممكن لي أن اتحدث عن واحدة فقط لتعلم أنت أنها تمثل الأخريتين ..
لن أطيل حديثي في هذا الصدد فالأحداث أجدر أن تخبرك بمدى عمق تلك الصداقة ...
مرت الساعتان سريعا .. خرج ثلاثتهن تتقدمهن رنيم .. لم يجدن يوسف في الخارج فالتفتت رنيم قائلة
ما تيجوا أوصلكم بدل ما تستنوا هنا لوحدكم ...
نظرتا كلتاهما لها في تردد واضح .. فهتفت رنيم بهما قائلة
هو سي يوسف دة مربيلكم الړعب ولا ايه ...
نظرت لها ريحانة قائلة
هو بس بېخاف علينا بس خوفه زايد شوية .. واحنا مبنحبش نزعله ..
ابتسمت ريم قائلة
اهو سي الدكتور يوسف جه اهو .. يلا سلام بقى يا نيمو ..
التفتت رنيم لسيارتها قائلة
سلام .. خلوا بالكم من نفسكم ..
ضحكت ريم قائلة
يا بنتي احنا معانا راجل .. خلي بالك انتي من نفسك ..
وصلا ل يوسف كان متحفزا غاضبا .. ارتعشت ريحانة فحاول تهدئة نفسه إشفاقا عليها ... وفي السيارة حاولت ريم تخفيف حدة الموقف فهي تعرف جيدا سبب غضبه .. فقالت
الدكتور متأخر على ميعاده معانا خمس دقايق ..
فرد كاظما غيظه
وتفتكري دة سبب يخليكم تستنوني برة كدة قدام اللي رايح واللي جاي ..
ردت ريم في محاولة امتصاص غضبه
رايح وجاي ايه بس يا يوسف .. يوسف انت عارف انا عندي كام سنة علشان تعاملني كدة .. عارف الغلبانة اللي ھتموت من الخۏف جنبك دي عندها كم سنة ..
ابتسمت ريحانة بضعف وقد هدأتها كلمات ريم فقالت
خلاص يايوسف بقى دي حتى ريم عندها 27سنة ونفسها تتجوز .. وانا يتيمة .. متتعصبش بقى ..
ابتسم يوسف وكذلك ريم رغم علمهما بصعوبة ما قالت يتيمة يعرفون مرارة الكلمة بالنسبة لها جيدا .. ولها خاصة ..
ضړبتها ريم بخفة على كتفها قائلة
اه عاوزة تقولي ان انا عانس يعني يا بت انتي .. دول طوابير بس انا اللي تقلانة ..
استجاب يوسف لدعابتها قائلا
على يدي ...
بمجرد وصولهم .. جلسوا بصحبة جدهم ووالدتهم تسامروا قليلا قبل أن تأتي ل ريحانة رسالة هاتفية .. قرأت ما تحويه بعينيها .. ثم انسحبت لغرفتها من بينهم بهدوء .. وعقلها يكرر رسالته على قلبها مرارا
مبارك عليكي يا أحلى ريحانة في الدنيا كلها .. مش قلتلك انك اخدتي جين العبقرية مني .. كان نفسي اكون اول واحد يبارك .. بس أكيد الواد يوسف سبقني .. معلش تتعوض في حاجة تانية .. انا عارف انجازاتك كتير يا عبقرينو رقم 2
ولكن فبل أن تهيم في خيالاتها استفاقت على صوت يوسف خارجا
الحق يا جدي حصلت حاډثة قطر
ثم سمعت صوت جدها الفزع قائلا
استر يا رب دي محصلتش من أكتر من 30 سنة .. ربنا يعديها على خير ..
الفصل الثاني
خرجت ريحانة فزعة لجدها الذي تلقاها بين ذراعيه مهدئا .. وربت يوسف على كتفيها .. ثم جلس بين ريم ووالدته يمسك بيد كلا منهما مهدئا .. وأنصت الجميع لتفاصيل الخبر المعلن عاجلا في التلفاز ...
تفاصيل وأحداث مصابين ووفيات .. تتابع ريم وريحانة الخبر تكاد عيناهما الخروج من مقلتيهما .. فلم تشهدا طيلة حياتهما حدث كهذا .. حتى يوسف وإن كان متماسكا ..
مسئولون ومدانون .. تصريحات وتبريرات .. تنديد بم حدث .. لوم على الحكومة وانتفاضة للشعب .. يرى الجد تلك الأحداث حوله ويبتسم ساخرا في نفسه .. لم يمر يومان إلا وقد توقف العمل في الخط الحديدي المنسوب له الحاډث لحين تصليح العطل الموجود .. ولم يمر يومان آخران إلا وقد أقيل المسئول عن الحاډث وتحول آخرون للتحقيق ... وبعد أسبوع عاد العمل واستخدم الخط الحديدي مجددا .. وهدأت ثورة النفوس .. فثقتهم في حكومتهم لم تخيب ...
ووسط فرحتهم اختفى حزنهم على أمواتهم .. فلطالما عاد حقهم لن يضيرهم شئ .. وإيمانهم يتزايد بأن قدرهم المۏت في هذا الوقت ..
وأما عن المهمل المتسبب في الحاډث فقد تلقى وعيده .. ولن تقف بلدهم عند هذا الموقف .. ينتظرهم ثورة صناعية كبرى ...
رنيم ... تأثرها بالحاډث كان أشد وطأة .. فبحكم عملها كطبيبة شرعية .. ممكن أن يعرضها لمشاهدة الچثث وتشريحها لتعرف ذويها عليها .. وقد كان ..رغم قلة عدد الچثث الذي لم يصل لعشرة أشخاص .. ولكن تمسكها بالحق دائما كالسيف فيه لا تحيد عنه جعلها حانقة على كل مسئول في النقل والمواصلات ولم تسترح إلا وقد عوقب المذنب وأقيل المسئول من عمله ...
حديثي عن رنيم لا يجب أن يمر دون أن أتوقف عندها وعند جمالها خاصة .. وكما قيل أن الصمت في حرم الجمال جمال .. فستعجز كلماتي عن وصف جمالها ... ولا أعرف سره أهو في شخصيتها الآسرة المسيطرة على كل من حولها سيطرة المحبين .. أم قدرتها على كسب القلوب .. أو جذب مستمعيها إليها بلسانها اللبق .. وقد يكمن جمالها في رزانة عقلها وحكمته ..
أما عن شكلها وددت ألا أحدثكم عنه لشدة ضيقها من ذلك .. فكل أنثى تسعد بامتلاك ولو واحدة من علامات الجمال لتصبح من الجميلات ... فكيف بمن امتلكتهم أجمع .. عينين نجلاوين كحلاوين تزينهما رموش كثيفة .. ويتعاكس بياض بشرتها مع سواد شعرها المرسل لآخر ظهرها كما لو كان التقى الليل مع النهار ... رؤيتها تجعل ناظريك لا يحيد عنها .. وكأن بوجهها مغناطيس يجذبك لها وبها ...
كل ذلك سبب في ضيقها .. بل وحنقها من أي متهور يحاول الاقتراب من باب بيتهم .. وليس منها .. فمن يتهور ليتقدم لها تعلم جيدا أن نهايته قد اقتربت إما على يدها أو بسبب ما ستفعله فيه ...
ولما كانت ترى ذلك نقصا فيها .. حاولت أن تعوضه في شئ آخر .. فكانت مستميتة في دراستها لأبعد حد .. وأنهت دراستها في الجامعة قبل قريناتها بسبب تفوقها .. فكانت تدرس السنتين في سنة واحدة .. ولم تنتظر كثيرا بل أنهت تحضير الماجستير ومن بعده الدكتوراه في وقت قياسي وفي أهم جامعة في مصر إن لم تكن في العالم .. وتستعد الآن لعمل دكتوراه ثانية ...
شيئان لم تفعلهما رنيم بسبب إحساسها بالنقص من جمالها أو ضيقها من نظرات من حولها .. بل فعلتهما برغبة قوية داخلها ولم يكن لجمالها أي سبب في ذلك .. اختيار مجال تخصصها وارتدائها للنقاب ...
فبالنسبة لتخصصها رغم معارضة والدتها لها إشفاقا عليها ... إلا أنها رغبته وبشدة وأيدها في ذلك دعم والدها لها ... وأما ارتدائها للنقاب .. فقد ارتدته عندما أكملت العشرين من عمرها برغبة قوية بداخلها حيث كانت تشعر أنه ينقصها شئ بدونه .. ولم تجد معارضة أحد في ذلك .. فكان والدها دائما وأبدا يدعمها في ذلك ... بينما والدتها كانت تتنازع رغبتها بين التأييد لخۏفها على ابنتها من أي عين وبين الاعتراض لأنها كأي أم تريد لابنتها التي أصبحت عروسة أن تراها كل عين وخاصة عين ابن الحلال ...
وعلى أعتاب السابعة والعشرين من عمرها .. تشعر أمها بخۏفها يتزايد من رفض ابنتها المستمر لكل متقدم لها دون رؤيته أو حتى معرفة من هو ... ويبقى ذلك أمرا شائكا بينهما .. كل منهما تتجنب الحديث فيه خوفا من ڠضب الأخرى ...
ف رنيم لا ترى في ذلك الأمر ما تراه أمها .. بل تعده انتصارا هائلا .. كلما رفضت أحد المتقدمين كلما تشعر أن كرامتها مصانة ...
ولكن إلى متى ستبقى كرامتها مصانة من وجهة نظرها لا أدري ...
يوسف .. في طريقه لعمله لا يشغل تفكيره مؤخرا سوى موضوع واحد .. يرهقه ويؤرقه ..وهو المعروف بحلال العقد .. ولكن عادة ما تنتهي حلوله عند مشكلاته هو ..
شخص في قلبه ويشغل عقله .. بعيد لا يراه .. تكسره نظرة أمه وشوقها لرؤية ذلك الشخص .. لا يعرف أيلومها ويؤنبها أم يشفق لحالها ..
حتى أخته تنظر له نفس النظرة .. أملهم فيه .. وهو ليس له أمل سوى ربه .. شوقه لهذا الشخص أضعاف شوقهم .. ولكن ليس بيده حيلة ...
وصل لعمله حيث خمد تفكيره قليلا ... وفي مركز لإعادة تأهيل خريجي السجون .. وتنشئتهم تنشئة اجتماعية تقوم على أسس نفسية .. قد لاقى يوسف صنوفا من الناس فيه بحكم عمله كطبيب واستشاري للصحة النفسية .. أضافوا كثيرا له وتراكمت خبراته معهم وبهم .. بل وأصبح حكمه صائبا لا يراجعه فيه أحد .. حتى و إن قل عدد المجرمين فهذا شئ يفرحه .. وفي أغلب الأيام ينحصر عمله بين جلسات جماعية أو فردية إن لزم الأمر وعادة ما تكون حول تكييفهم للخروج للمجتمع كأفراد منتجين ومطورين ولكن اليوم يبدو أن هناك اختلاف ... فزائر اليوم ليس كسابقيه أبدا .. يزعجه قبل أن يراه ... وبالتالي راوده شعور بالضيق أن يتعامل مع شخص كهذا ... ولكن يبدو أن شعوره هذا نعمة كبيرة ...
طرقات قليلة قبل أن يدخل ويسود الهدوء فور رؤيته ... احتراما له من ناحية وخوفا منه من ناحية أخرى .. حاول التبسم وهو يتوجه بحديثه لزائر اليوم قائلا
أستاذ مجدي مش كدة ..
حاول مجدي السيطرة على خوفه قائلا
ايوة
أكمل يوسف محتفظا بابتسامته
حضرتك مضايق من وجودك عندنا ولا ايه ..
لا ابدا بس انا مش شايف ان وجودي هنا ليه لازمة
..
جلسيوسف قائلا
طيب اتفضل اقعد واقف ليه ... حضرتك عارف ان وجودك هنا ليه فايدة كبيرة ليك ..
اولا كنت في السچن تقريبا لمدة شهر فبالتالي وجودك وسط المجرمين غير وجودك في الشارع مع كل انواع البشر
ثانيا حضرتك دخلت السچن ظلم فحاجة زي دي تاثيرها هيكون اكبر عليك ..
سكت يوسف قليلا ثم أكمل
مش ظلم برده يا استاذ مجدي
صاح مجدي قائلا
اه طبعا مظوم
متابعة القراءة