موعد مع المجهول
المحتويات
فيهم يعوض أحلام، و لو بجزء صغير من اللي فقدته. لكن تفتكري هيحبوا أي حد أكتر منك بالعكس يا حبيبتي، انت كل حياتهم انت، و سليم.
كان محمد يستمع لحديث زينب، وهو ينظر لها بإعجاب؛ و بعيون تلمع بها الدموع ولكنها كانت تأبى النزول هب من مكانه واقفًا مرة أخرى موجهًا حديثه لساندي قائلا و بعدين يا ساندي إحنا عائلة واحدة، عارفة يا بنتي يعني إيه عائلة؟.
نظرت ساندي اليه لتجد الدموع بعينيه لأول مرة في حياتها.
أكمل الأخير حديثه قائلا العائلة دي حلم كبير الانسان بيضيع عمره كله يأسس فيها، العائلة دي يعنى الجد، و الجدة. العم، و الخال. الخالة، و العمة. الأحفاد؛ العائلة دي يعني امتداد الاسم بعد ما ېموت صاحبه يفضل يمتد بذريته لعشرات السنين، العائلة دي السند وقت الشدة. القوة وقت الضعف. المحبة وقت الحزن. الضحكة الصافية وقت الدنيا ما تشد حيلها علينا.
العائلة دي قوتك في الدنيا أهلك، و ناسك، و عزوتك اللي لو الزمن فكر يكسر ظهرك هما اللي هيسندوكِ، عائلتكِ يعني حصنك المتين، و ملجأك الامين. أحلام وحيدة إحنا اهلها، و عزوتها، إحنا أمانها، إحنا كل حياتها.
ثم أكمل قائلا كلنا انشغلنا بأحلام عنك. من حقك تزعلي؛ لكن مش من حقك أبدًا إنك تحطي ايدك في ايد الأغراب عشان تشاركي في أذيتها.
و نظر إلى سليم يبلغه بما يفكر قائلا سليم يا ابني أنا عمري ما فرضت عليك حاجة من وانت صغير لحد ما بقيت راجل طول بعرض.
قاطعه سليم مؤكدًا حديثه قائلا طبعا يا جدي، لكن حضرتك بتقول كده ليه؟.
أجابه الجد قائلا بحزم سليم اتعلم تسمع اللي اكبر منك للآخر.
شعر سليم بالخجل من تصرفه فاعتذر من جده، و انتظر أن يكمل حديثه.
اخذ جدهم يرمقهم بنظرات متفحصة، و تابع حديثه قائلا سليم البنت اللي انت خطبتها دي مش مناسبة لك، و لا هتنفع تكون زوجة، و أم لأولادك.
ادرك الجميع مقصد الجد عدا ساندي، و سليم الذي تحدث، و هو لايزال مصدومًا يتساءل ليه يا جدي انا بحبها، و بعدين حتى لو سارة غلطت هي، و ساندي مش معناها إني اتخلى عنها، و أكيد هي عندها أسبابها اللي خليتها تعمل كده.
تحرك محمد بعصبية ليقف بجانب ابنه عبد الرحمن قائلا البنت اللي تعمل خطط، و مؤامرات على خطيبها، و أهله ، و هي لسه مخطوبة يبقى لما تدخل العائلة هتولعها ڼار، و هتفرق الكل.
تحدث سليم في محاولة فاشلة في الدفاع عن خطيبته قائلا لكن يا جدي. قاطعه محمد قائلا، و هو يضرب بعكازه الأرض بحدة ما لكنش يا سليم هي كلمة واحدة. البنت دي انا مش موافق تدخل العيلة، و تكون مراتك في يوم من الأيام، و مهما كان مبرراتك اللي هتقولها.
ثم نظر لولده عبد الرحمن بتحذير قائلا عبد الرحمن أنا مش موافق على البت دي، سليم زي ما هو ابنك؛ فهو حفيدي الوحيد، و اللي هيكون امتداد اسمك، و اسمي.
والټفت لسليم قائلا يا ابني نصيحة لك تحطها حلقة في ودنك العمر كله؛ الست دي زي الماعون؛ فاختار الماعون اللي هتجيب منه ولادك، و سارة دي مش الماعون المناسب لأحفاد القاضي، فهمت يا ولدي؟.
أومأ سليم برأسه متفهمًا لحديث جده، و استأذن بالانصراف من الغرفة عائدًا إلى غرفته، و الحزن يملأ جنبات قلبه فها هي أحلامه الوردية مع حبيبته تتحطم أمام عينيه، كما تتحطم الغصون الهشة في فصل الخريف.
كان عبد الرحمن يتطلع لابنته پغضب، و حزن شديدين لما تحمله بقلبها لتلك اليتيمة أحلام، التي لم ترتكب ذنب تستحق عليه كل تلك الكراهية.
كانت سعاد حالتها كحالة زوجها، و لكن ما زاد الامر تعقيدًا أنها كانت تحترق بنيران الأمومة المشټعلة بصدرها على حال ابنتها، فهي أولاً، وأخيرًا أم تشعر بمشاعر متخبطة تجاه ساندي، و كذلك أحلام.
شعرت سعاد بتقصير شديد تجاه طفلتها التي انشغلت عنها دون وعي برعاية احلام، و غفلت أن تغرس بقلبها حب الأخرى. معتقدةً أنه شيء ستكتسبه ساندي بمرور الوقت من تلقاء نفسها.
تركهم عبد الرحمن و دلف إلى غرفته لمراجعة تصرفاته التي تسببت في وصول ساندي لتلك الحالة.
لحقت سعاد بزوجها خشية أن تسوء حالته الصحية، و أغلقت الباب خلفها بإحكام، و اقتربت منه بابتسامتها المعهودة التي تزيح عنه هموم الدنيا، و ما فيها لتضع يدها على كتفه في حنو تطمئنه عبد الرحمن يا حبيبي، مش عوزة اللي حصل ده يزعلك، لأنه وضع طبيعي غيرة بنات في سن المراهقة.
نظر لها عبد الرحمن بعيون يملئوها الحزن قائلا تفتكري دي مجرد غيرة يا سعاد؟
جلست سعاد امامه على سريرهم وهي تومئ برأسها مؤكدة حديثها ايوه متأكدة يا عبده، ساندي لسه صغيرة، و بكرة تكبر، و هتفهم الدنيا صح.
تنهد عبد الرحمن كمن يزيح ثقلا موضوع فوق صدره، و نظر للفراغ هاربًا بعينيه من نظرات زوجته قائلا أنا خاېف يا سعاد أكون قصرت في حق ساندي، و انشغلت بأحلام عنها.
تحدثت سعاد، وهي تجلب له الدواء نافيةً لا يا أبو سليم أنت عمرك ما قصرت في حق الأولاد، و بعدين إيه الكلام ده يا عبده الثلاثة ولادك و مسؤولين مننا إحنا الاثنين، و لو حد قصر هيكون انا مش انت.
نظر لها عبد الرحمن بعدم فهم يسألها ليه بتقولي كده يا سعاد حقيقي انتِ دائما
بتعاملي الولاد بحب، و حنان يبقى قصرتِ في إيه؟.
أعطته الأدوية، و ناولته كوب من الماء وهي تجيبه قصرت إني أزرع الحب ما بينهم. أعلمهم ازاي يكونوا اخوات يخافوا على بعض، لكن لسه في وقت؛ لما أحلام تخرج من ازمتها دي بخير مش هستنى لحد بذور الكره اللي في قلب ساندي ما تكبر، و تطرح شجر حقد، و فراق، لازم أمسح أي أفكار غلط من قلبها، و عقلها. أوعدك يا عبده إن الرباط اللي بينهم يقوى.
أمسك عبد الرحمن كفها الرقيق بين كفيه قائلا ربنا ما يحرمني منك يا سعاد ، أنا مش عارف من غيرك كان الموضوع ده إ تحل ازاي؟.
أجابته سعاد بمشاكسة قائلة أبدًا يا حبيبي كنت أكيد هتعرف تحلها انت ما فيش حاجة تستعصى عليك يا ابو سليم.
تذكر عبد الرحمن أمر سليم، و خطيبته، فتحدث مع سعاد قائلا سعاد أنا شايف إن سارة مش هتنفع تكون زوجة لسليم.
وافقته سعاد قائلة معاك حق يا عبد الرحمن، و كويس إن كل ده حصل، و إحنا لسه في الاول.
رد عبد الرحمن عليها مؤكدًا صحة حديثها قائلا عندك حق يا سعاد، و بعدين الخسارة القريبة أحسن من المكسب البعيد.
انتهى الزوجان من مناقشة أمور أبنائهم معا، و خلدا بعدها إلى النوم.
.........
الفصل الخامس عشر
لم يكتب التاريخ يومًا عن قصص العشاق سوى المآسي، و الأوجاع.
فكم من قصة عشق سطرها التاريخ لم تنتهي نهاية سعيدة؟ كان لأصحابها النصيب الأكبر من الآلام، و الأوجاع، منهم من كتب القدر عليه الفراق، و منهم من دفع أحدهم حياته ثمنً للعشق.
حاولت زينب ان تخفف عن زوجها، و رفيق ايامها ما حدث منذ قليل، و لكن محاولتها باءت بالفشل، فلقد آثر زوجها الصمت، و جلس يفكر على إحدى المقاعد الموجودة بالغرفة، و هو متكئًا على احد مخدعيه بيدٍ، و ممسكًا بعصاه باليد الأخرى؛ يفكر فيما حدث، و هو يضرب بتلك العصا الأرض ضربات خفيفة. فأخذت زينب قرص دوائها، و ذهبت بعدها في سبات عميق.
كان محمد يحاول أن يجد طريقة تربط بها أحفاده معًا في رباط أبدي، كيف سيجعل ثلاثتهم مرتبطين مدى الحياة حتى يكون مطمئن عليهم بعد مماته؟. ظل يفكر، إلى أن لمعت بعقله فكرة، فابتسم بعدها، وهو يفكر بصوت هامس ليه لا الواد أولى ببنت عمه؟، و بكده العيال دي يفضلوا العمر كله مع بعض.
ذهب محمد إلى سريره سعيدا بعدما وجد الحل الذي سيحافظ على ترابط عائلته معا، و لكنه قرر الانتظار قليلاً، و عدم الافصاح عن تلك الفكرة؛ حتى تمر محڼة أحلام بسلام.
في غرفة سليم.
بات ليلته بعيون يقظة ممددًا على سريره يتأمل سقف غرفته، و قد تشابكت أصابع كفيه تحت رأسه، يفكر فيما حدث منذ قليل، و نصيحة جده له.
ليس من السهل على الإنسان تقبل خسارته لمن يحب بسهولة؛ او يتقبل مجرد فكرة البعد عنه.
فكيف له ان يتقبل تلك الفكرة بسهولة؟ و كيف يقدم على اتخاذ قرار صعب مثل هذا؟.
لم يهدأ رنين هاتفه للحظة واحدة فلقد اتصلت به خطيبته مرارًا، و تكرارًا دون كلل أو ملل، مما أجبره أن يجعل هاتفه على الوضع الصامت حتى ينعم ببعض الهدوء؛ فيكفي ما مر به اليوم من توتر.
ڠضبت سارة من تجاهل كلاً من سليم، و ساندي اتصالاتها؛ فألقت هاتفها پغضب شديد على سريرها، وهي ټلعن تصرفات خطيبها المبتذلة.
تحدثت ابنة خالتها التي كانت تبيت معهم تلك الليلة تسألها عن سبب حالتها تلك مالك يا بنتي في إيه؟
نظرت لها سارة پغضب شديد، و هي تقطع الغرفة ذهابًا، و إيابًا تتحدث پغضب، و عصبية سليم وساندي ما بيردوش على اتصالاتي.
فبدأت تتحدث پغضب ماشي يا سليم بقى انا أكلمك متردش عليا؟ حسابك معايا بعدين.
لوت ابنة خالتها شفتيها جانبًا متعجبةً من ڠضب سارة الغير مبرر، و تحدثت بيأس منها قائلة يا سارة يا حبيبتي ممكن تقعدي، و تهدي شوية، يا بنتي الوقت متأخر اكيد نايمين.
لم تتنازل سارة عن غرورها، و تحدثت بعجرفة حتى لو نايم، و أنا بتصل يقوم يرد عليا، و بعدين يكمل نومه.
زفرت ابنة خالتها بنفاذ صبر قائلة سارة يا حبيبتي تعالي نامي ، و هما الصبح هيتصلوا عليكي.
استسلمت سارة إلى النوم متوعدةً سليم.
شخصية سارة على الرغم من أنها تبدوا لمن يراها للوهلة الأولى أنها فتاة طيبة إلا أنها من الشخصيات المغرورة، و التي عندها حب التملك؛ فهي عندما أحبت سليم اعتقدت انه أحد ممتلكاتها الخاصة غير مسموح للغير الاقتراب منها.
ظلت ساندي تلك الليلة مستيقظة تتخبط بأفكارها بين حديث جدها، و جدتها، و بين ما كانت تحمله من مشاعر كره تجاه ابنة عمها.
فكانت تلك هي المرة الأولى التي ترى بها أحلام من منظور آخر، منظور لم تكن تراه من قبل، و لكن بحديث جديها معها أزيلت الغشاوة عن عينيها، و ازيلت الستار حتى اكتشفت أن الله قد منَ عليها بنعم كثيرة. لكن الكره، و الحقد جعل على عينيها، و قلبها غشاوة كبيرة .
شعرت بالحزن عندما تذكرت أن إحدى تلك النعم لم ترزق بها أحلام ألا و هي العيش في كنف والديها؛ فلقد
متابعة القراءة