موعد مع المجهول
المحتويات
وضعت ساندي نفسها مكان أحلام لترى كيف كانت ستتحمل ذلك الأمر، هل ستتحمل ان تحيا وحيدة كأحلام؟. هل ستتحمل تلك الکاړثة التي تعيشها الآن بين جدران السچن؟؛ و دون شعور منها وجدت دموع الندم تنهمر من أعينها حزنا على معاملتها السيئة لها، و تمنت حقًا ان يعود الزمن للوراء كي تصلح ما أفسدته غيرتها العمياء؛ عندما تذكرت كيف كانت أحلام تعاملها بمحبة صادقة، و كيف كانت هي تقابل تلك المحبة، و هذه المعاملة بالكراهية، والحقد.
حرب نفسية شديدة خاضتها ساندي مع نفسها بضراوة ، كان جيش الدفاع فيها هو حديث جديها، و أمها معها، وانتهت تلك الحړب بشعور بالندم لا نهائي على كل تلك السنوات التي مضت في الحقد بدلاً من أن تمضيها بحب مع ابنة عمها التي كانت تحبها بصدق وإخلاص، ندم على التقرب من صديقات السوء ذوات التفكير السيء، و الحب المصطنع بدلا من التقرب لابنة عمها التي أحبتها بصدق.
كانت كأنها نائمة ملتحفة بجمرات من نيران الندم المشټعلة بقلبها فقررت بعد تفكير طويل إصلاح ما أفسدته بغبائها.
انقضت تلك الليلة العاصفة على الجميع بعدما تركت آثارها في قلوبهم جميعا؛ تركت مشاعرهم مشتتة مبعثرة؛ كما تبعثر العواصف كل ما يعوق طريقها، و لا تتركه إلا و هو حطام، تقضي على الأخضر، واليابس، تترك خلفها حالة من الفوضى العارمة.
أشرقت شمس يوم جديد لتخبر الكون عن المعجزة الالهية في تعاقب الليل، و النهار لكل متدبر في خلق الله. أنه مهما طال الظلام لابد له ان ينقشع ببزوغ نور فجرٍ جديد، و إن طال الظلم على أحدهم سيأتي يومً ترد فيه المظالم فكل شيء خلق بقدر.
حتى الأزمات تأتي مغلفة بحكمة إلهية، و دروس مستفادة نتعلم منها نحن البشر الكثير، و الكثير من الأمور التي تجعلنا نمتلك من الحكمة و لو جزء بسيط.
استيقظ عاصم بنشاط، و تفاؤل على عكس الأيام الماضية التي كان يستيقظ فيها يائس من أجل حبيبته، و محنتها، و لكنه اليوم عزم على ألا يستسلم لليأس، و لقد أصبحت تلك القضية هي مصدر تحدي له مع والده، وعليه ان يكسب هذا التحدي.
اتصل بسليم، و أبلغه أن يأخذ له إجازة من الكلية، و لكنه لم يخبره الاسباب. حاول سليم ان يعرف سبب تلك الاجازة المفاجئة، و لكن الأخير رفض بشدة مبررًا تلك الإجازة أنه مجهد تلك الأيام، و في أمس الحاجة للراحة. ثم غادر المنزل سريعًا قبل ان يستيقظ والده؛ ليلحق بموعده مع شريف.
وصل عاصم، و شريف إلى المكان المتفق عليه، و الذي اقترحه الأخير بعيدًا عن الأنظار. نزل الاثنان من سيارتهما، و تصافحا، و بدأ عاصم حديثه قائلا ندخل في الموضوع على طول يا حضرة الضابط عشان وقت كل واحد فينا.
وافقه شريف على ذلك قائلاً أوك، تقدر تقول شريف من غير ألقاب وظيفية، و أشار بيده للمكان من حولهما، و أكمل قائلا اعتقد هنا نقدر نتكلم من غير القاب، و من غير تحفظات، تقدر تقول كل اللي بتفكر فيه.
ابتسم عاصم قائلا بتثبت لي إن اختياري كان في محله، و استرسل في حديثه قائلاً احنا الاثنين متفقين إن أحلام مش هي الجاني الحقيقي.
اعترض شريف حديثه قائلا لا لحظة أنا قولت لك ده مجرد إحساس لكن ينقصه الدليل.
رد عاصم قائلا و أنا مش عاوز غير الاحساس ده لأنه هيساعدني أثبت براءتها.
اتكأ شريف على سيارة عاصم قائلا وضح كلامك اكتر يا متر.
تجاهل عاصم كلمته الأخيرة، و فضل الدخول في تفاصيل القضية مباشرةً قائلا بغض النظر عن أي احساس لو افترضنا ان في حد بيلعب بنا كلنا، و بيحركنا زي قطع الشطرنج، و بيحاول يأكد التهمة على أحلام؛ و قتها هنقدر نشوف الامور اوضح شوية.
بدأ عاصم يرى أثر كلماته على شريف بعدما رأى الأخير ينصت له بتركيز شديد يتمعن في كل كلمة يقولها؛ فأكمل حديثه قائلاً لو راجعنا كل الادلة اللي ضد أحلام، و عكسناها هنلاقي كلامي صحيح.
لم يستوعب شريف حديث عاصم الأخير فنظر له متسائلا قصدك ايه من نعكس الادلة مش فاهم؟، ثم اكمل بسخرية يعني لو في دليل ضد متهم أقول لا الدليل ده يثبت براءته، انت بتهزر يا عاصم صح؟.
اعتدل عاصم في وقفته واضعا إحدى يديه بجيب بنطالونه، و تحرك بثقة وثبات أمام شريف قائلا اكيد طبعا مش قصدي اللي انت فهمته.
شوف يا شريف القضية دي تم توجيه الاتهام لأحلام فيها على أي أساس؟
تحدث شريف بنفاذ صبر قائلا الاتهام اتوجه على أسس كثيرة، و أهمها طبعًا إن المجني عليها ماټت بسبب العصير اللي أحلام اشتريته لها، و دوافع الچريمة موجودة بشهادة الشهود، و متنساش المذكرات اللي لاقيتها، وأحلام اعترفت إنها لها.
اشار عاصم بإصبعه قائلا هو ده بالضبط، يعني العصير اللي احلام اشترته بنفسها لها وللقتيلة، واحد منهم كان مسمم، و مذكرات احلام انت لاقيتها فين يا شريف؟، لاقيتها في حاجة القتيلة ، طيب المفروض إن مذكرات خاصة زي دي صاحبتها تحتفظ بها فين بين كتب زميلتها؟، و مش بس كده لا. دي مكتوب في المذكرات اعترافات بحب أحلام لحد معين، يبقى لو افترضنا إن أحلام، و القتيلة كانوا على خلافات بسبب خطيب القتيلة زي ما الشهود قالوا الكلام ده يبقى أحلام هتخبي مذكراتها في حاجة القتيلة؟
و في أهم نقطة كمان؛ أحلام في التحقيقات قالت انها اشترت علبتين واحدة لها، و واحدة للقتيلة، وفي معاينة مسرح الچريمة تم التحفظ على علبة واحدة. تقدر تقول لي الثانية راحت فين؟. مش يمكن العلبة الثانية تكون مسمۏمة، و القاټل كان هدفه يخلص من البنتين؛ لكنه غير خطته في آخر لحظة عشان يتم اتهام احلام .
بالإضافة إلى حاجة كمان مهمة لفتت نظري، مشرفة مبيت علاقتها قوية بالاثنين وقت وقوع الچريمة تتهم واحدة منهم؛ في الوقت اللي المفروض بديهيًا انها مصډومة وبتدافع بإصرار عن الثانية مش تورطها.
كان شريف يستمع لعاصم، و تحليله المنطقي لكل دليل من أدلة الاتهام بتركيز شديد.
اكمل عاصم قائلا المشرفة دي أنا قابلتها في المستشفى في يوم بالصدفة، و لفت نظري الارتباك اللي ظهر على ملامحها لما شافتني .
اعتدل شريف في وقفته متسائلا بدهشة ارتباك؟، طيب هي ترتبك ليه لما تشوفك؟.
اجابه عاصم قائلا مش مهم سبب ارتباكها، المهم محاولتها الهروب مني لما حست إني لاحظت ارتباكها.
سأله شريف بتعجب طيب، و هي هتهرب منك في المستشفى ليه يمكن لها حد مريض، و متوترة بسبب مرضه؟ عادي.
هز عاصم رأسه نافيًا تلك الفكرة قائلا لا يا شريف دي كانت بتهرب مني على السلم زي الحرامي المطارد من الشرطة. لكن تخيل هي كانت في المستشفى ليه؟.
سأله شريف بفضول شديد ليه؟
اجابه عاصم قائلا عشان البنت اللي انا نقلتها المستشفى لما أغمي عليها في الكلية، و للصدفة الغريبة جدا تطلع البنت دي أختها، و اسمها أمل طالبة في السنة الرابعة عندنا في الكلية.
بدأ شريف يفكر بصوت عالي ويربط الاحداث ببعضها البعض مع عاصم وسأله طيب إيه علاقة أختها بالارتباك اللي حصل لما شافتك.
ابتسم عاصم قائلا يا شريف ما هو خطيب القتيلة بيدرس في نفس الدفعة اللي فيها امل.
توصل شريف الى نفس ما توصل اليه عاصم قائلا بدهشة
قصدك تقول إن ممكن واحدة من الاتنين هي اللي قټلت نادين، و لبست التهمة لأحلام؟.
ليه لا، كان هذا هو رد عاصم على تساؤل شريف.
رد عليه شريف بدهشة، و هو يحرك إحدى أصابع يده يشير للفراغ بعشوائية قائلا عشان كده انت قولت اعكس كل الأدلة اللي اتهمت أحلام هتلاقيها دليل براءتها؟.
ثم اكمل متسائلًا حتى لو ده حصل ده فين الدليل اللي يثبت صحته؟، و بعدين ده كله مجرد استنتاجات، و القانون مش هياخد بالاستنتاج لازم تكون في أدلة قوية تثبت صحة الكلام ده فعلا.
اقترب عاصم منه قليلا وهو يقول عشان كده أنا طلبت مساعدتك.
انت الوحيد اللي هتقدر تكمل معايا الحلقات المفقودة في القضية دي عشان أقدر انقذ احلام من حبل المشنقة.
ابتسم شريف له عندما وجد بعينيه عاشق يحاول إنقاذ حبيبته من تهمة ستودي بحياتها. فتحدث بمشاكسة قائلا بتحبها يا عاصم؟.
تفاجأ عاصم من سؤال شريف فهرب بنظراته للفراغ بعيدًا عن نظرات شريف الثاقبة، و هو ينفي قائلا إيه الكلام اللي بتقوله ده حب إيه؟، و كلام فاضي إيه؟ دي مجرد موكلة أنا مؤمن ببراءتها.
ضحك شريف، و هو لايزال يشاكس عاصم قائلاً ايوه طبعا انا فاهم أحلام موكلة، و يهمك براءتها، و أكمل، وهو يغمز بعينيه
قائلا ما هي بتبدأ كده يا متر، و بتنتهي بالمأذون.
ضحك الاثنان على تلك الطرفة، و اكمل شريف حديثه قائلا يا عاصم انا إتعرفت على المدام في القسم.
نظر عاصم له بدهشة متسائلا ده بجد؟
ضحك شريف على دهشة الأخير، و تحدث قائلا من بين ضحكاته أيوه، كانت ضابط شرطة استلمت شغلها معانا جديد، و في يوم وقعت في مشكلة كبيرة، وقفت جنبها، و ساعدتها. وقعت انا فيها بعد كده، و بقت مراتي، و من يومها البيت ماشي ميري زي الساعة.
ضحك الاثنان كثيرا، و بعد ان هدأ كل منهم تحدث عاصم بعدها بجدية قائلا هنبدأ منين يا شريف؟.
رد شريف قائلا الموضوع مش سهل، و هنحتاج مساعدة حد معانا، و أنا عارف مين اللي هيساعدنا إنما البداية؛ فهنبدأ من الأول خالص.
لكن لازم أنبهك إن مش لازم حد يعرف الموضوع ده. عشان لو احتمالاتك كانت حقيقية؛ فالقاټل الحقيقي ما يلحقش ياخد حذره.
وافق عاصم، و سأله بعدها مين اللي هيساعدنا في الموضوع ده؟
أجابه شريف، و هو يخرج هاتفه ليرى هوية المتصل عليه بعدما صدح رنينه في المكان قائلا وكيل النيابة اللي ماسك التحقيق في القضية دي.
كاد ان يتحدث عاصم إلا أن شريف قاطعه عندما أشار له بيده لكي يصمت، و أجاب على المكالمة قائلا أهلا سيادة وكيل النيابة العظيم.
فلقد ربط شريف، و وكيل النيابة الذي تولى التحقيق صداقة عمل شعر من خلالها أنه يمكن اللجوء اليه في الأزمات.
ضحك وكيل النيابة، و الذي كان يدعى حسام قائلا أهلا بيك يا شريف، ها طلباتك .
ضحك شريف قائلا سعادتك اللي متصل يا حسام بيه .
ضحك حسام قائلا لكن لما بتقولي وكيل النيابة العظيم بيكون وراها مصېبة قول يا حبيبي ما تتكسفش .
ضحك شريف على مزاح رفيقه قائلا فاهمني صح انت يا صديقي.
ضحك حسام قائلا اومال، دا احنا بقينا عِشرة مجال واحد.
اكمل شريف حديثه، و لكن تلك المرة بجدية شديدة قائلا فعلا
متابعة القراءة