حان الوصال بقلم أمل نصر

موقع أيام نيوز

على حاجة واحدة...
قاطعته بهجة مرددة باڼهيار
وأنا مش عايزة الحاجة دي لأني وبكل بساطة عارفاها كويس وهي سبب تعبي. ملعۏن أبو الحب اللي يذل صاحبه قلبي بقى زي الخرقة المقطعة على مية حتة. أنا هلكت هلكت من التعب يا ريتني ما قبلته ده اتفاق يا ريتني قعدت على حالي ولا كنت قربت منه عشان أفرح لي يومين وبعدها أفضل أتعذب بناره يا ريتني ما قربت منه يا ريتني ما عرفته أصلا.
وختمت بنوبة أصعب من البكاء تخبئ بكفيها وجهها ضاعفت من حزن الثلاثة وإحساس العجز نحوها رغم وقوفهم معها ضده ومع ذلك لا يتمنون لها الفراق.
في لحظة ضعف وجد نفسه حائرا بين الماضي وآلامه ينظر إلى الفراغ الذي تركته كما لو أن قلبه سقط في بئر عميق لا نهاية له. تخلت عنه حبيبته كما يتخلى الربيع عن زهوره بعد أن جفت وتركته في العتمة يواجه نفسه. لكنه كان يعلم رغم كل شيء أن الهزيمة في الحب ليست النهاية بل بداية لعهد جديد.
أما عنه وبعد أن خرج من عندها شاعرا بهموم العالم فوق رأسه مهلهلا من الداخل فاقد الشغف فاقد الحياة فاقد الطاقة حتى في المواصلة والتعايش مع ما يحدث معه من مصائب.
لم يكن لديه أدنى قدرة على الذهاب إلى المنزل الذي أصبح يتشاركه مع شقيقه لا يريد أي شيء يذكره الآن بمسؤوليته فهو في حاجة للتعبير عن احتياجه الآن فقط.
بعث برسالة نصية عبر الهاتف إلى آدم يسمح له بالذهاب اليوم مع خالته بناء على طلبها كي يبيت الليلة عندها ويقضي معها الوقت تلك الأفعى التي لم يعلم حتى الآن ما فعلته مع بهجة لتجعلها بهذا الانكسار وتغلق كل الأبواب أمامها. لكن لا بأس سوف يكشفها مهما فعلت.
قاد سيارته واتجه إلى منزله مع والدته ليذهب إلى غرفتها على الفور حتى إذا طرق باب الغرفة وجدها أمامه جالسة على كرسيها تراجع بعض أوراق الجمعية. دلف إليها وبدون أن يتفوه ببنت شفة جثا جالسا بركبتيه على الأرض يبعد الأوراق عن حجرها ثم يلقي برأسه محلها أمام دهشتها 
انخلع قلبها من صدرها لفعلته لتخلع العوينات الطبية عن عينيها وتسأله بهلع وكفها حط على شعر رأسه
إيه اللي تاعبك يا حبيبي مالك يا رياض
تأوه بضعف شديد قائلا
تعبان أوي يا ماما ونفسي أرتاح معدتش قادر ولا متحمل الدنيا جاية عليا أوي ومش مدياني الفرصة أعيش زي باقي البشر. حتى الست الوحيدة اللي قلبي انفتح لها هي كمان كرهتني زيها. أنا عايش ليه أساسا ياريتني روحت مع اللي راح كان أريح.
انتفضت برفض تام لكلماته برجاء
ماتقولش الكلام ده ماتقولش الكلام ده يا رياض بعد الشړ عليك يا روحي. ليه يا بني توجع قلبي عليك إيه اللي حصل بالظبط بينك وبين بهجة
مش قادر أتكلم عايز حنانك وبس.
ألم تسرب بنبرته حتى وصل كنصل حاد إلى قلبها تزيح بيدها العبرات التي أصبحت تسيل على خديها قبل أن تصل إليه تخبره بكل خلية تنبض بجسدها
حناني بس يا رياض دا أنت تاخد قلبي وروحي كمان. هو أنا ليا حد في الدنيا دي كلها غيرك يا حبيبي
قابل موافقتها بصمت ليرخي حصونه وكل الأسلحة التي يقاتل بها طواحين الحياة القاسېة يلقي بهم ليتذوق الحنان الذي فقده منذ سنوات كثيرة يتلقف الأمان من ضعفها حتى استسلم وغفت عينيه.
وهي ظلت على نفس الوضع لم تشتك ولم تتحرك كي لا تزعجه فغلبها النوم ولم تشعر بنفسها سوى صباحا حينما اخترق ضوء النهار الغرفة لتعي على وضعه فتحاول إيقاظه
رياض يا قلبي أنا بقول تقوم تريح على السرير أحسن.
استيقظ بعد عدة محاولات ليرفع رأسه ويحاول تدليك عنقه بتوجع ودهشة
أااه أنا نمت هنا إزاي بس وانتي يا ماما مش تصحيني أكيد أنتي كمان تعبتي.
اقتربت تكوب وجهه بين كفيها تغمره بصدق
يا قلبي تعبك راحة أهم حاجة تكون ارتحت.
ابتسامة ضعيفة لاحت على ملامحه الشاحبة وهو يحاول النهوض من جوارها متمتما
منكرش إني ارتحت رغم إن عضمي اتكسر بس كفاية ريحتك اللي ملت أنفاسي. أنا هروح أخد شاور وأرجع أنام تاني.
يعني مش هتروح شغلك
رد يجيبها وهو يسحب قدميه للخروج من الغرفة
النهاردة خليته إجازة للنوم وبس ولما أشبع وأرتاح أبقى أخرج.
تطلعت في أثره بشرود تبحث عن حل لتلك المشاكل التي تحاوطه. لقد تحمل الكثير وطال صبره حتى اللحظات السعيدة التي سرقها لنفسه مع من أسرت قلبه ارتدت عليه بعذاب الهجر بعد ذلك. متى يأتي الحل الأمور يوميا تزداد تعقيدا مشاكل وأشخاص يظهرون من العدمو...
توقفت عند خاطرها تتذكر الطفل شقيقه. كيف يتركه ليلة كاملة وحده أترى نسيه يا إلهي.
انتفضت لتنهض وتحاملت على ألم ركبتيها الذي أصابها بالتيبس لطول الوقت في جلوسها ورأس ابنها الثقيل عليهما. سارت تمشي كالعرجاء حتى وصلت إلى غرفته التي وجدتها مفتوحة كعادته فدلفت كي تستفسر منه
رياض مش هتروح عند آدم تتطمن عليه طيب انت سايبه من امبارح لوحده أوعي تكون نسيته! يا نهار أسود!
لم تجده لتحصل على إجابة ولكن وصلها صوت الماء من المرحاض لتعلم بوجوده في الداخل. شرعت تخرج من الغرفة لتعود إليه بعد ذلك بقليل ولكن لفت انتباهها شيء ما جعلها تتجمد في مكانها. توسعت عيناها بذهول حينما وقعت أبصارها على حين غرة داخل الغرفة المخصصة للملابس والأشياء التي تخصه. أصابتها الرهبة أمام هذا الذي بدا أمامها كمصباح ضخم ينير العتمة.
أو هو من تنعكس الإضاءة عليه فتجعله يضيء بروعة وسحر خطڤ قلبها وجعله يتراقص داخلها بحنين. فلم تشعر بنفسها إلا حينما وصل إلى مسامعها صوت غلق باب المرحاض وقدومه من خلفها. فخرج قولها بمشاعر زلزلتها من الداخل
دا من إمتى هنا يا رياض
رد مجيبا بنبرة يغلب عليها القنوط واليأس
جيبته معايا وأنا راجع من تركيا.
بعد الصبر يأتي العوض كنسمة تلامس القلب برقة تزيل عنه تعب الانتظار وتغسل روحه. هو الڤرج الذي لا يرى إلا بعد أن يختبر الإنسان في صبره كأن الله يختار لحظات العناء ليعيدنا بها إلى أنفسنا فيمنحنا من رحم المعاناة أملا جديدا. العوض بعد الصبر هو دليل على أن الحياة لا تتركنا في الظلام وأنه مهما طال الليل فالصبح آت.
أمام المرآة وقفت تتأمل نفسها بعد أن ارتدت ملابسها لتتجهز للخروج. عينان منتفختان من كثرة البكاء بشړة باهتة وملامح حزينة... اللعڼة. إذن عليها وضع القليل من مساحيق التجميل ربما تنجح في إخفاء هذا الشحوب وآثار الحزن.
تناولت الفرشاة تنثر بها القليل من الحمرة على الوجنتين وبعض أجزاء من الوجه. همت لتلون شفتيها ولكن أوقفها دخول عائشة ونداؤها
بيبو يا بيبو في زيارة جاتلك بره.

خرجت من غرفتها لتجد نجوان في انتظارها جالسة على أحد الأرائك تستقبلها بابتسامة فاترة تثير الارتياب
أهلا يا بهجة شكلك كنت لابسة وخارجة بس إحنا لسه بدري يعني على ميعاد الجمعية.
بخفة وتجيبها
لا ما أنا كنت هتصل بيكي وأبلغك إن

ممكن أغيب النهارده أصلي كنت رايحة الجامعة خلاص بقى الدراسة ابتدت ويدوب ألحق أاا....
قطعت حديثها وقد انصرف ذهنها عن التركيز شاعرة بشيء ما غير مفهوم
مالهم دول مبلمين ليه
سألتها بإشارة نحو أشقائها الواقفين في محلهم بصمت وسكون فخاطبتها نجوان قائلة
اقعدي يا بهجة وانتي تفهمي كل حاجة. وانت إيهاب معلش هاتوا هنا لو سمحت.
هو إيه اللي يجيبه
تمتمت بها بهجة وهي تتخذ مقعدها على الكرسي المجاور لها ثم سرعان ما انتفضت بتخمين
معقول تكوني جايباه معاكي لا أرجوك! أنا حددت قراري امبارح ومش عايزة أرجع فيه تاني. رياض لا ينفعني ولا أنفعه.
قابلت نجوان ثورتها بالرفض تأمرها بهدوء
اهدي وشوفي الأول أنا قصدي إيه.
قصدك إيه
وما كادت تنهي عبارتها حتى تفاجأت بشقيقها قادما نحوهما بعلبة ضخمة تشبه الحقائب الكبرى. وضعها على الأرض ثم قام بفتحها بتنبيه من نجوان التي ساعدته كذلك حتى أخرجا منها ذلك الفستان الأبيض الضخم. رفعه إيهاب أمام أبصارهم لتظهر تفاصيله بالكامل.
بأكمام من الشيفون المخرم وصدر مشغول بحبات دقيقة من الألماس يمتد منها على الصدر كذلك ضيق حتى الخصر ثم يتسع بالطبقات المتعددة بما يشبه ملابس أميرات القرون الوسطى وبإبهار يفوق الخيال.
كانت تطالعه مشدوهة فاقدة النطق بحال يشبه حال أشقائها غير أن التفسير جاء من عائشة التي تذكرت شيئا ما لتسألها
مش هو دا الفستان اللي كنت حاطة صورته على تليفونك يا بهجة
استفاقت تتملك حالها كي تنفي كاذبة ثم تتوجه بعد ذلك لنجوان
دي كانت صورة عادية زي أي صورة يا عائشة المهم بقى إيه اللي جابه هنا
رمقتها نجوان بغيظ
إنت لسه برضو مفهمتيش يا بهجة ولا مش عايزة تفهمي الصورة العادية اللي كانت على تليفونك مكانتش عادية لأن غيرك شافها على تليفونك في مرة من المرات وفضل مخزنها بعقله لحد ما لاقاه قصاده في آخر سفرية ليه واشتراه... ليكي.
باستيعاب بطيء وكأن غباء العالم قد أصابها في هذه اللحظة الفارقة تردد وعيناها تتنقل ما بين الجميع
مين اللي اشتراه وغيري دا يبقى مين أصلا
أجابتها جنات بأعين دامعة بالفرح
يعني هيكون مين بس يا بهجة دي مش محتاجة تفكير يا حبيبتي.
طبعا هو في غيره الباشا ابن الباشا.
علقت بها عائشة بلهفة ليخرج قول إيهاب بإعجاب هو الآخر وعيناه لا تترك الفستان
بصراحة فاجأني والله طلع بيفهم.
طبعا بيفهم يا ولد يا إيهاب دا شغلته الهدوم والملابس أصلا إنت ناسي ولا إيه
تفوهت بها نجوان ردا عليه قبل أن تجفلها بهجة بصياحها بهم جميعا
إنتو بتقولوا إيه كلكم فستان مين ولا باشا إيه... إنتو عايزين تجننوني
لا يا بهجة مش عايزين نجننك إحنا عايزين نفهمك وكفاية أوي علينا اللي ضاع من العمر.
بعد تعب طويل وصبر لا ينتهي يأتي الوصال كأنه شفاء للروح. لحظة تلتقي فيها الأرواح بعد أن مرت بكل ما يكسرها فتكتشف أن كل لحظة ألم كانت تستحق هذا اللقاء.
داخل غرفة مكتبه حيث كان يعمل على بعض الملفات العاجلة مجبرا رغم أخذه إجازة من أجل أن يريح عقله من كل شيء اليوم يرتشف من فنجان قهوته منهمكا بتركيز شديد ليجفل على حين غرة باندفاع الباب أمامه بقوة فيجدها أمامه تلج إلى داخل الغرفة بهيئة عاصفة كالإعصار ثم تلقي بالعلبة الكبيرة بالفستان أمامه بوجه مشتعل بالحمرة القانية وزمردتيها تشعان بالشرر نحوه وكأنها على وشك الفتك به.
لينهض من محله حتى يقف مقابلا له سائلا بعدم فهم
إيه في إيه هو الفستان مش عاجبك
وكأن بسؤاله البسيط ضغط على زر الانفجار لتصرخ به وتضربه بقبضتيها على صدره
عاجبني وليك عين تسأل يا بارد ليك عين تسأل كمان.
استطاع السيطرة على جموحها ممسكا بقبضتيها داخل يده الكبيرة يهادنها بحزم
اهدئي طيب وفهميني ليه العصبية والانفعال ده كله
بعد أن منعها صار
تم نسخ الرابط